حرب إيران تفجر قمة شي وترامب.. العالم يترقب إعادة تشكيل التوازنات الكبرى

الصين تتعامل مع القمة المرتقبة بوصفها محطة تفاوضية طويلة الأمد - الأناضول
تستعد الصين لعقد قمة مرتقبة مع الولايات المتحدة في موعدها المحدد، رغم تصاعد تداعيات الحرب في الشرق الأوسط والمواجهة مع إيران، في وقت تعيد فيه بكين حساباتها السياسية والاقتصادية على ضوء التطورات الإقليمية المتسارعة.

وأكدت مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار في الصين، في تصريحات لشبكة "سي أن أن"، أن بكين لا تزال متمسكة بعقد القمة المرتقبة بين الرئيس الصيني شي جينبينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موعدها، رغم استمرار تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وخاصة المواجهة مع إيران، والتي تلقي بظلالها على التحضيرات السياسية للاجتماع.

وأشارت المصادر إلى أن الصين تنظر إلى القمة المنتظرة، المقرر عقدها بين 14 و15 أيار / مايو ، باعتبارها محطة بالغة الأهمية في رسم ملامح العلاقة مع الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة، في وقت يتصاعد فيه التنافس بين القوتين الاقتصاديتين والعسكريتين الأكبر في العالم.

وبحسب ما نقلته الشبكة عن مسؤولين صينيين، فإن اندلاع الصراع بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأشهر الماضية أعاد تشكيل حسابات بكين، ليس فقط بسبب ارتباطها الوثيق بطهران، بل أيضا بسبب انعكاساته المحتملة على أسواق الطاقة العالمية، لا سيما في حال تأثر حركة الملاحة في مضيق هرمز الذي تعتمد عليه الصين في جزء كبير من وارداتها النفطية والغازية.

وقالت مصادر صينية مطلعة إن زيارة ترامب إلى بكين "ليست زيارة عادية بأي حال من الأحوال"، مشيرة إلى أن طبيعة المرحلة الدولية الحالية تمنحها وزنا استثنائيا، نظرا لما قد تتركه من آثار طويلة الأمد على شكل النظام العالمي، بغض النظر عن هوية الإدارة الأمريكية المقبلة، ديمقراطية كانت أم جمهورية.

وفي السياق نفسه، أوضح دبلوماسيون وباحثون صينيون أن الأزمة مع إيران أربكت جزءا من التحضيرات الأولية للقمة، التي كان من المفترض أن تركز على توقيع اتفاقات اقتصادية وتجارية واسعة بين الجانبين، إلا أن التطورات الإقليمية دفعت باتجاه إعادة ترتيب الأولويات داخل بكين.

ونقلت الشبكة عن الباحث في الشؤون الدولية بجامعة بكين للدراسات الأجنبية كوي هونغجيان قوله إن السياسة الخارجية الصينية تقوم على أولوية العلاقة مع الولايات المتحدة، باعتبارها الأساس الذي تنطلق منه بقية التفاعلات الدولية، مشيرا إلى أن أي استقرار في هذه العلاقة ينعكس تلقائيا على بقية ملفات الصين الخارجية.

وأضاف أن دخول إيران، الحليف الاستراتيجي لبكين، في قلب التوتر الأمريكي زاد من تعقيد المشهد بالنسبة للصين، وجعل إدارة الملفات المتشابكة أكثر حساسية في هذه المرحلة.

وفي ظل استمرار الغموض بشأن مستقبل التهدئة بين واشنطن وطهران، حذرت مصادر صينية من أن السيناريوهات المطروحة جميعها تحمل مخاطر محتملة على بكين، سواء من ناحية عودة التصعيد العسكري أو من ناحية توظيف التهدئة سياسيا خلال القمة المرتقبة مع ترامب.

وأشار أحد المصادر إلى أن أي تحرك أمريكي جديد تجاه إيران بعد زيارة ترامب للصين قد يخلق انطباعا سياسيا حساسا، فيما يتعلق بموقع بكين في هذا التوازن الإقليمي، خاصة في ظل العلاقات الوثيقة التي تربطها بطهران.

وفي المقابل، يرى مسؤولون وخبراء صينيون أن الحرب في الشرق الأوسط، رغم تكلفتها الاقتصادية، منحت بكين مساحة سياسية أوسع على الساحة الدولية، بعدما ظهرت في موقع الدولة الداعية للاستقرار، في مقابل انشغال الولايات المتحدة في نزاعات ممتدة دون حسم واضح.

وقال وو شينبو، عضو اللجنة الاستشارية للسياسة الخارجية في وزارة الخارجية الصينية، إن واشنطن تسعى حاليا إلى إنهاء ملف إيران بأسرع وقت ممكن، إلا أن عدم قدرتها على تحقيق حسم واضح يضعف من موقفها التفاوضي في أي محادثات مقبلة مع الصين.

وأضاف أن بكين كانت تخشى في بداية التصعيد من تداعيات واسعة على إمدادات الطاقة، إلا أن تطورات الصراع أظهرت في النهاية أن المشهد يميل نسبيا لصالح الصين من حيث إعادة توزيع النفوذ الدولي.

وتابعت سي أن أن أن الصين تسعى في أي مفاوضات مقبلة مع واشنطن إلى تحقيق مكاسب استراتيجية، تشمل تخفيف القيود على التكنولوجيا المتقدمة، وتوسيع مساحة الحركة السياسية في ملفات حساسة مثل تايوان، إضافة إلى إعادة صياغة بعض بنود العقوبات الاقتصادية المفروضة على شركاتها.

وفي المقابل، تشير التوقعات إلى أن إدارة ترامب ستسعى إلى تحقيق نتائج ملموسة أمام الرأي العام الأمريكي، من بينها زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية والطائرات الأمريكية، في إطار تفاهمات اقتصادية موسعة.

وأكدت مصادر أخرى أن الصين تتعامل مع القمة المرتقبة بوصفها محطة تفاوضية طويلة الأمد وليست حدثا معزولا، مشيرة إلى أن أي اتفاقات يتم التوصل إليها ستنعكس على شكل العلاقات بين البلدين لسنوات مقبلة.

ورغم حالة الترقب، يشير دبلوماسيون سابقون إلى أن ميزان القوى بين واشنطن وبكين لم يشهد تغييرا جذريا بسبب الحرب مع إيران، وأن كلا الطرفين لا يزال يمتلك أدوات ضغط متبادلة في ملفات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى القمة المرتقبة بين شي جينبينغ وترامب اختبارا حقيقيا لقدرة الطرفين على إدارة التوترات المتراكمة، وسط شرق أوسط مضطرب، وتنافس عالمي متصاعد يعيد رسم ملامح النظام الدولي.