الغارديان: هل تنتصر العدالة في سوريا أم تبتلعها الصفقات الأمنية؟

 أبرز الأسماء المثيرة للجدل فادي صقر القائد السابق لقوات الدفاع الوطني- سانا
أبرز الأسماء المثيرة للجدل فادي صقر القائد السابق لقوات الدفاع الوطني- سانا
شارك الخبر
فتحت الاعتقالات الأخيرة لعدد من مسؤولي النظام السوري المخلوع ملفا شائكا يتعلق بكيفية إدارة سوريا لمرحلة ما بعد الأسد، بعدما برزت تساؤلات حادة حول ما إذا كانت البلاد تتجه نحو عدالة انتقالية حقيقية تنصف الضحايا، أم نحو تسويات أمنية وانتقائية قد تعيد تدوير بعض وجوه المرحلة الماضية.

وأكدت صحيفة الغارديان أن سوريا تقف اليوم أمام اختبار بالغ الحساسية في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، يتمثل في كيفية الموازنة بين فرض الأمن وتحقيق العدالة الانتقالية، وسط تصاعد مخاوف الضحايا من أن تتحول المحاسبة إلى إجراءات انتقائية لا تكشف كامل الحقيقة ولا تنصف آلاف المتضررين من سنوات الحرب والانتهاكات.

وأشارت الصحيفة، في تقرير أعده ميلفين إنغلبي وويليام كريستو، إلى أن اعتقال أمجد يوسف، الضابط السابق في المخابرات السورية والمتهم بالمشاركة في مجازر حي التضامن بدمشق عام 2013، أعاد الأمل لدى كثير من السوريين بإمكانية فتح ملفات الجرائم الكبرى التي ارتكبها النظام السابق، بعدما تحول اسمه إلى أحد أبرز الرموز المرتبطة بعمليات القتل الجماعي للمدنيين.

ونقلت الصحيفة مشاهد الاحتفال التي عمّت أوساط الناجين وأهالي الضحايا فور انتشار نبأ اعتقال يوسف، إذ قال الناشط أحمد الحمصي، أحد أعضاء لجنة تنسيق التضامن التي تولت توثيق الانتهاكات في الحي الدمشقي، إن الشوارع امتلأت بالمحتفلين لعدة أيام، فيما توالت رسائل التضامن من المناطق المجاورة، في لحظة وصفها بأنها امتزجت فيها الدموع بالفرح بعد سنوات طويلة من انتظار أي خطوة حقيقية نحو القصاص.

وتابعت أن هذا الشعور لم يدم طويلا، بعدما بثت وزارة الداخلية السورية اعترافا مصورا لأمجد يوسف ظهر فيه وهو يزعم أنه تصرف بمفرده في قتل المدنيين، الأمر الذي أثار موجة غضب واسعة بين أهالي الضحايا الذين رأوا في ذلك محاولة لحصر المسؤولية في شخص واحد والتغطية على شبكة أوسع من المتورطين داخل أجهزة النظام السابقة.

وأضاف الحمصي، بحسب الصحيفة، أن أهالي حي التضامن لا يبحثون عن اعتراف شكلي أو محاكمة محدودة، بل يريدون معرفة كل مسؤول شارك أو تستر أو تولى منصبا كان له صلة بالمجزرة، مؤكدا أن العدالة بالنسبة لهم لا يمكن أن تتحقق من خلال تقديم ضابط واحد بوصفه الجاني الوحيد في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها العاصمة السورية.

وأشارت "الغارديان" إلى أن قضية يوسف كشفت في جوهرها عن انقسام واضح داخل سوريا الجديدة بشأن مفهوم العدالة الانتقالية، إذ يطالب الضحايا ومنظمات التوثيق الحقوقية بإجراءات شفافة ومحاسبة شاملة لكل المسؤولين عن الانتهاكات، بينما يميل تيار داخل السلطة الجديدة إلى تقديم اعتبارات الأمن الداخلي والاستقرار السياسي على أي مسار قضائي واسع قد يفتح جبهات صدام مع بقايا النظام السابق.

ونقلت عن الباحث في مركز دراسات النزاعات بجامعة أوتريخت علي الجاسم قوله إن ما يجري حاليا لا يرقى إلى مفهوم العدالة الانتقالية المتكاملة، بل يبدو أقرب إلى "عدالة استعراضية وانتقائية" تقوم على توقيف شخصيات محددة وعرضها أمام الرأي العام باعتبارها رموزا للمرحلة الماضية، في حين تبقى البنية العميقة للمساءلة غائبة.

اظهار أخبار متعلقة


وتابعت الصحيفة أن هذا النهج ظهر أيضا خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب، ابن عم بشار الأسد والرئيس السابق للأمن السياسي في درعا، حيث استقبل كثير من السوريين ظهوره داخل قفص المحكمة باعتباره تطورا مهما، غير أن خبراء عدالة انتقالية حذروا من أن التركيز على مشاهد رمزية لمعاقبة عدد محدود من المسؤولين قد يحجب الحاجة إلى بناء مسار قضائي مؤسسي يعالج جرائم الحرب والانتهاكات الجماعية بصورة عادلة.

ونقلت عن نوشا كباوات، رئيسة برنامج سوريا في المركز الدولي للعدالة الانتقالية، تأكيدها أن العدالة الانتقالية لا تعني فقط العقاب، بل تشمل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وإشراك السوريين أنفسهم في صياغة مستقبلهم، محذرة من أن أي إجراءات لا تقوم على الإنصاف والشفافية قد تفقد معناها مهما بدت نتائجها سريعة.

وأشارت الصحيفة إلى أن المخاوف تتزايد بسبب الصفقات التي أبرمتها الحكومة السورية الجديدة مع شخصيات بارزة كانت محسوبة على النظام السابق، حيث جرى التوصل إلى تفاهمات مع رجال أعمال وتجار حرب مقابل الحصول على أصول مالية أو معلومات، كما مُنح بعض المسؤولين الأمنيين السابقين حماية مؤقتة مقابل تقديم بيانات استخباراتية أو المساعدة في احتواء التحركات المسلحة للموالين للأسد في الساحل السوري.

وتابعت أن من أبرز الأسماء المثيرة للجدل في هذا السياق فادي صقر، القائد السابق لقوات الدفاع الوطني، الذي لعب دور الوسيط بين أركان النظام القديم والسلطة الجديدة، وساهم في تسليم بعض الشخصيات وفتح قنوات اتصال مع أخرى، رغم الاتهامات الواسعة الموجهة إليه بالمشاركة في عمليات قتل جماعي في التضامن ومناطق عدة من دمشق.

ونقلت عن علي الجاسم قوله إن المنطق السائد لدى بعض دوائر القرار يقوم على أن الإبقاء على شخصيات مثل فادي صقر حرة ومستخدمة سياسيا قد يفضي إلى الوصول إلى أسماء أخرى، لكن هذا النهج في رأيه يحمل خطرا كبيرا يتمثل في إعادة إنتاج شبكات النفوذ والاستبداد نفسها التي قامت عليها المنظومة السابقة.

وأكدت "الغارديان" أن السلطة السورية ليست موحدة بالكامل إزاء هذا الملف، إذ تضم مؤسساتها ناشطين حقوقيين ومحامين وخبراء في العدالة الانتقالية يدفعون باتجاه محاسبة قانونية أوسع، إلا أن القرار النهائي في الملفات الأمنية لا يزال بيد دائرة ضيقة من المقربين من الرئيس أحمد الشرع، وهي الدائرة التي تميل إلى إعطاء الأولوية لضرورات ضبط الداخل ومنع الانفلات.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا التعاون بين بعض رموز النظام السابق والحكومة الحالية أثار غضب عائلات الضحايا، التي أعلنت تفهمها لحاجة البلاد إلى الاستقرار، لكنها في الوقت نفسه عبّرت عن استيائها من غياب الشفافية وعدم تقديم تفسيرات واضحة بشأن أسباب الاستعانة بشخصيات متهمة بارتكاب جرائم جسيمة.

وقال أحمد الحمصي، الذي شارك في لقاءات مع مسؤولين سوريين لطرح هواجس عائلات حي التضامن، إن الثقة بالحكومة ما زالت قائمة لكن ذلك لا يلغي الإصرار على المطالبة بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل المتورطين، مشددا على أن حقوق العائلات لن تسقط تحت أي عنوان سياسي.

وتابعت "الغارديان" أن هذه السياسة قد تقوض أيضا بعض المبادرات الشعبية التي أطلقتها الحكومة لترميم النسيج الاجتماعي، من خلال جلسات حوار ومواجهات مباشرة بين ضحايا الانتهاكات وبعض المتورطين فيها في مناطق مثل حمص وسلمية وشمال سوريا، وهي مبادرات حققت نجاحا محدودا في تخفيف الاحتقان الطائفي لكنها ما زالت تفتقر إلى إطار قانوني متماسك.

وأضافت أن المشكلة الأعمق تكمن في أن البنية القضائية السورية الحالية غير مهيأة بعد للتعامل مع إرث الحرب، إذ لا يتضمن قانون العقوبات السوري توصيفا مستقلا لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية، كما أن إقرار قانون خاص بالعدالة الانتقالية قد يحتاج إلى شهور طويلة قبل أن يصبح نافذا، ما يترك فجوة تشريعية كبيرة بين مطالب الضحايا وإمكانات الدولة.

وكشفت الصحيفة أن هيئة العدالة الانتقالية السورية بدأت بالفعل إعداد ملف قضائي ضد فادي صقر يتضمن اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بالتوازي مع تحضير دعوى أوسع تتعلق بمجازر التضامن تستهدف عددا أكبر من المسؤولين، في خطوة تعكس تصاعد الضغوط الشعبية الرافضة لاختزال القضية في توقيف أمجد يوسف وحده.

ونقلت عن زهرة البرازي، نائبة رئيس الهيئة، قولها إن الاعتقال في حد ذاته لا يمثل عدالة، ما لم يترافق مع مسار قضائي شامل يكشف التسلسل القيادي والمسؤولية الجماعية ويمنح الضحايا حقهم في الحقيقة والمحاسبة.

واختتمت "الغارديان" بالإشارة إلى أن ناشطين مثل أحمد الحمصي أمضوا سنوات في توثيق جرائم حي التضامن سرا، عبر جمع الصور والشهادات والأدلة في ظل الخوف والملاحقة، وهم اليوم يرفضون طي الصفحة قبل تحويل تلك الأدلة إلى محاكمات حقيقية، مؤكدين أن إعادة الإعمار أو عودة السكان إلى منازلهم لا يمكن أن تسبق الاعتراف بأن المكان ما زال يحمل تحت أنقاضه قبورا جماعية وآثار جريمة لم تغلق بعد.
التعليقات (0)