تكررت حوادث إطلاق النار في أماكن يوجد فيها الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب. ففي الثالث عشر من يونيو/حزيران 2024، نجا الرئيس من
محاولة اغتيال أثناء إلقاء كلمة له في تجمع انتخابي في ولاية بنسلفانيا. حينها أُصيب ترامب برصاصة في أذنه اليمنى، وقُتل شخص وأصيب اثنان آخران من الحضور. وفي الخامس عشر من سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، أي بعد شهرين من المحاولة الأولى، قيل إن محاولة اغتيال ثانية كانت ستحدث، أثناء لعب ترامب الغولف في ملعبه الخاص في ولاية فلوريدا، حيث زُعم أن رجلا كان يترصد ترامب بين الأشجار وبيده بندقية. لكن هذا الحادث أُثيرت حوله بعض الشكوك، بعد أن قيل إن الموضوع كان مُدبّرا لأهداف انتخابية.
وتأتي المحاولة الثالثة في الخامس والعشرين من الشهر المنصرم، حين كان ترامب حاضرا في حفل عشاء لمراسلي
البيت الأبيض، مع العديد من كبار القادة، واندفع رجل مسلح وأطلق النار داخل القاعة. بعد الحادث خرج الرئيس ترامب في تصريح دعا فيه جميع المواطنين إلى (تجديد الالتزام بحل الخلافات السياسية بطرق سلميّة بعيدا عن العنف). فهل معنى ذلك أن الرئيس فعلا يعي حجم الاستقطاب الحاصل في
الولايات المتحدة، الذي بات أكثر خطورة من أي وقت مضى؟
حوادث الاستهداف التي حصلت لمنصب الرئيس في الولايات المتحدة، ليست فقط حالة أمنية ناتجة عن خلل في خطط الحماية، بل هي أزمة سياسية عميقة تتعلق بتآكل الثقة بالدولة والنظام
لا جدال في أن المجتمع الأمريكي أكثر استقطابا اليوم، مما كان عليه في أي وقت مضى. فكل من هو على بيّنة بشؤون وأحوال هذا المجتمع يدرك ذلك تماما. وقد تدرّج هذا الأمر من سيئ إلى ما هو أكثر سوءا منذ عدة سنوات وإلى اليوم. فمحاولات الاغتيال التي لحقت بالرؤساء الأمريكيين ليست بالأمر الجديد، فقد كانت هنالك محاولات لاغتيال الرؤساء روزفلت، كنيدي، فورد وريغان.
على الرغم من أنه آنذاك لم يكن المجتمع الأمريكي على هذا القدر من الاستقطاب، ومع ذلك فإنه تاريخ شائن وسيئ الى أبعد الحدود، لكن من الواضح أكثر فأكثر أنه مع استخدام الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، مضافا إليها طريقة تواصل الناس التي تبدو أقل تحضرا من السابق، هي العوامل والمسببات التي أدت إلى هذا الفعل. إذن لا بد من الاعتراف بأن الاستقطاب عامل أساسي في صناعة هذا الحدث، ولا شك في أن المجتمع الأمريكي يعاني من هذه الظاهرة، التي بدأت منذ أيام الحرب الأمريكية في فيتنام، وازدادت لأسباب كثيرة، لا يمكن حصرها فقط بسبب مواقع التواصل الاجتماعي والخلافات السياسية، بل إن الأمر تأكيد على منحى تتخذه الحياة الأمريكية والمجتمع الأمريكي. إن الاستقطاب حالة موجودة في كل المجتمعات، وإن كانت مختلفة في المستوى والشدة، لكن مسألة استهداف الرؤساء في الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من أنها بسبب الاستقطاب الحاصل، يبدو أنها تعود أيضا الى مسألة الانفتاح الموجود في البلاد، وحق حيازة السلاح كعرف اجتماعي أمريكي وقانوني، وأيضا طبيعة النظام السياسي. يضاف إلى ذلك التحوّل من التنافس الكلامي، الذي هو أحد صفات المجتمع الديمقراطي، إلى التهديد والترهيب والتضليل والكذب، وبث الأخبار المموهة، التي تستهدف الأخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وكل ذلك أصبح اليوم واقعا مُعاشا في البلاد، ما يستدعي أن تقف الولايات المتحدة أمام نفسها، وتراجع هذا الدعم اللامتناهي لوسائل التواصل الاجتماعي، وضرورة وضع حواجز رقابية عليها. كما ينبغي مراجعة مسألة حمل السلاح المنصوص على حقه في الدستور الأمريكي.
إن تصاعد العنف السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية مرتبط ارتباطا وثيقا بحدة الخطاب العام. وهذا ليس حكرا على ترامب، بل هو وغيره يتحمّلون وزر ذلك، فلطالما كان حادا في خطاباته، وطريقة طرح آرائه السياسية، بل أوغل في الاستهزاء بمن سبقوه من الرؤساء بايدن وأوباما، ونواب في الحزب الديمقراطي. لكن خصومه السياسيين هم أول من وصفوه بعبارات لم تكن مستخدمة في القاموس السياسي الأمريكي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي مثل، النازي، الديكتاتور، والطاغوت. بالتالي عندما تُستخدم مثل هذه العبارات وغيرها، يصبح الرئيس هدفا، وتُعطى فرصة للآخرين كي يرفعوا المستوى من الكلمات إلى الاستهداف العنفي المسلّح.
وكل ذلك أصبح اليوم يشكل تهديدا حقيقيا للمؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تغيرت صورة أمريكا.. تغير التعامل الديمقراطي، وتغير مفهوم الحريات، وبات الخطاب المسموع في هذه البلاد فيه شيء كثير من العادية والاسفاف. وكل هذا يفت في القوة الناعمة التي كانت عامل جذب إليها، باعتبارها معقل الديمقراطية والليبرالية.
يقينا لقد ادخل ترامب وفريقه السياسي الكثير من التعابير التي لم تكن مطروقة في الخطاب السياسي الأمريكي، وقد يُلام الآخرون أيضا لأنهم انساقوا إلى المستوى الخطابي نفسه. لكن يبقى هو المتفرد في هذا الشأن، من خلال تغريداته اليومية التي تعمل على بث الكراهية والتضليل الإعلامي، والكلام المطروح على عواهنه من دون أية قيود، والخطابات السياسية المُفرّقة وغير الجامعة للمجتمع. كل هذا بث حالة من التخبط وزاد من حدة الاستقطاب، على الرغم من أن مجمل الرأي العام يميل لحالة المسالمة. لكن عندما يوفر المستوى العمودي في البلاد أدوات الاستقطاب وتصبح سائدة في المجتمع، فإن الكثير من المجاميع الإجرامية ومن الذين يعانون من مشاكل نفسية، يذهبون الى استغلالها إلى أقصى مدى. وهنا لا بد من تذّكر ما فعله الرئيس ترامب في عام 2021، عندما اقتحمت جماعة الماغا الكونغرس الأمريكي، وتعرّض أعضاؤه إلى خطر مباشر، وحدث قتل في تلك الحادثة.
وقد مثل ذلك حالة قصوى من العنف السياسي غير المسبوق في الولايات المتحدة.
إن حوادث الاستهداف التي حصلت لمنصب الرئيس في الولايات المتحدة، ليست فقط حالة أمنية ناتجة عن خلل في خطط الحماية، بل هي أزمة سياسية عميقة تتعلق بتآكل الثقة بالدولة والنظام. لكن الغريب أن هذا المستوى من العنف السياسي، بات يوّظّف بشكل مباشر للتأثير على الفعاليات الانتخابية، لذلك الحديث المطروق اليوم من قبل بعض الساسة من الحزب الجمهوري يقول، إنه بعد حادث الاستهداف الأخير للرئيس لا يمكن للديمقراطيين الفوز في الانتخابات النصفية القادمة.
قد يُراهن البعض على المؤسسات الديمقراطية الأمريكية، في قدرتها على امتصاص هذا المستوى العالي من التوتر، والعودة بالخطاب السياسي إلى حالة التحضّر ورفض اللغة المتزمته. قد يكون هو كذلك، لكن يبدو أن ترامب قد أساء لتوازن السلطات في البلاد، وبذلك باتت الولايات المتحدة الأمريكية تتجه نحو طريق وعر.
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.