مع من تتفاوض الولايات المتحدة في إيران؟

خسائر الحصار المحتملة على إيران قد تصل إلى 435 مليون دولار يوميا وفق تقديرات أمريكية- جيتي
نشرت مجلة "نيويوركر" مقالا للصحفي الأمريكي سودارسان راغفان الخميس، قال فيه إن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الذي لم يكن معروفا على نطاق واسع، توعد في الأول من آذار/ مارس بالانتقام، وذلك بعد يوم من اغتيال الاحتلال للمرشد الأعلى علي خامنئي، حيث صرح عبر وسائل الإعلام الرسمية: "لقد تجاوزتم خطنا الأحمر، وعليكم أن تدفعوا الثمن، سنوجه لكم ضربات مروعة"، واصفا الرئيس دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ"المجرمين الحقيرين".

وبرز قاليباف، البالغ من العمر 64 عاما، بعد ستة أسابيع من الغارات المتواصلة التي شنتها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال وأسفرت عن مقتل العشرات من قادة الحكومة الإيرانية، كأحد أبرز الشخصيات النافذة في النظام.

وترأس قاليباف خلال عطلة نهاية الأسبوع وفدا إيرانيا في محادثات سلام ماراثونية مع الولايات المتحدة في باكستان، في أعلى مستوى من المفاوضات بين البلدين منذ الثورة الإسلامية عام 1979.

وفي صحيفة "واشنطن بوست"، أشار ديفيد إغناتيوس إلى أن قاليباف "أبهر الفريق الأمريكي كمفاوض بارع ومحترف، وقائد محتمل لإيران جديدة"، رغم وصول المحادثات إلى طريق مسدود.

وأبدى الرئيس دونالد ترامب، منذ وفاة خامنئي، اهتماما بتحقيق نتيجة مماثلة لما حدث في فنزويلا، معتبرا إياها نموذجا للحرب الحالية.

واستند هذا الطرح إلى ما جرى في فنزويلا، حيث ألقت قوات العمليات الخاصة الأمريكية القبض على نيكولاس مادورو في غارة ليلية، قبل أن يبرم البيت الأبيض صفقة مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز لإدارة البلاد وفق الأهداف الأمريكية.


وقال ترامب لصحيفة "نيويورك تايمز" في آذار/ مارس: "ما فعلناه في فنزويلا، في رأيي، هو السيناريو الأمثل"، كما صرح لاحقا بأن السيطرة على النفط الإيراني "خيار مطروح"، مشيرا إلى تحقيق "مليارات الدولارات" من اتفاق الوصول إلى احتياطيات النفط الفنزويلية.

ونشر ترامب الأحد مقالا على "تروث سوشيال" قارن فيه استراتيجيته بشأن الحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز بالتكتيكات الأمريكية في فنزويلا، حيث استولت القوات الأمريكية على ناقلات نفط وهاجمت قوارب يُزعم استخدامها من قبل مهربي المخدرات قبل القبض على مادورو، مشيدا بما وصفه بأنه "أركع الاقتصاد الفنزويلي بحصار بحري خنق عائدات النفط".

وعكست المحادثات في باكستان هذا التوجه، إذ قال فانس على قناة "فوكس نيوز" إنه جرت "بعض المحادثات الجيدة" مع إيران، وتم إحراز تقدم، بينما أشار خلال فعالية لـ"تيرنينغ بوينت يو إس إيه" إلى أن "الشخص الذي يدير البلاد فعليا في إيران" جلس أمامه، في إشارة إلى قاليباف، مضيفا أن الوفد الإيراني "كان يرغب في إبرام اتفاق".

ووصف ترامب القيادة الإيرانية الجديدة بأنها "أقل تطرفا وأكثر عقلانية بكثير"، مؤكدا أن تغيير النظام قد حدث بالفعل، قائلا: "النظام السابق قد دمر تماما. لقد ماتوا جميعا. والنظام التالي قد مات معظمه. أما النظام الثالث، فنحن نتعامل مع أناس مختلفين تماما".

واعتبر خبراء في الشأن الإيراني أنه من غير المرجح وجود شخصية شبيهة بديلسي رودريغيز في القيادة الإيرانية، نظرا لاختلاف طبيعة النظام، وأوضحوا أن القادة الجدد، ومنهم قاليباف، يستمدون سلطتهم من النظام الثيوقراطي ذاته، وأن فكرة أن أمريكا "الشيطان الأكبر" لا تزال راسخة لديهم.

وأشاروا إلى أن هيكل السلطة في إيران لا مركزي، بخلاف فنزويلا، ويتوزع بين الحرس الثوري والسلطة القضائية ومجلس متخصص يحدد سياسة الأمن القومي، ما ساعد النظام على الصمود رغم استهداف قياداته، وأكدوا أن إيران اكتسبت نفوذا بعد اغتيال خامنئي من خلال حصار مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمي.


وقالت سوزان مالوني من معهد بروكينغز إن الإيرانيين لا يرون حاجة لشخصية مثل ديلسي، معتبرين أنهم انتصروا في الحرب ويمتلكون ورقة ضغط تتمثل في السيطرة على المضيق.

وأضافت أن الحصار سيواصل إحداث تداعيات اقتصادية كبيرة عالميا، وأن الإيرانيين لن يظهروا مرونة ما لم يتعرضوا لهزيمة ساحقة، مشيرة إلى أن الإيرانيين "شعب فخور وعازم"، وأنه من غير المرجح أن يقبل قادة النظام بإذلال أنفسهم كما حدث في فنزويلا.

وأظهرت نتائج الحرب أن القادة الجدد في إيران باتوا أكثر تشددا وعسكرة من أسلافهم، مع بروز شخصيات مثل محمد باقر ذو القدر، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، وأحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري.

ورأت أن وحيدي وذو القدر يتمتعان بنفوذ أكبر من قاليباف في الكواليس رغم حضوره المفاوضات.
برز هؤلاء القادة خلال الحرب الإيرانية العراقية، ويحافظون على علاقات وثيقة مع الجناح المتشدد في الحرس الثوري المصنف أمريكيا منظمة إرهابية.

ووصف قاليباف الاحتجاجات في كانون الثاني/ يناير بأنها "فتنة" مدعومة من الولايات المتحدة ودولة الاحتلال، وأشاد بقمعها.

وشارك في قمع احتجاجات 1999 عندما كان قائدا لسلاح الجو في الحرس الثوري، ووقع رسالة تهدد الرئيس محمد خاتمي بالإطاحة إذا لم يقمع الاحتجاجات، وقاد حملة قمع عنيفة عام 2003 خلال توليه قيادة الشرطة الوطنية، ثم شغل منصب رئيس بلدية طهران بين 2005 و2017، حيث ارتبط اسمه بمشاريع بنى تحتية.

وزار دافوس عام 2008، ووصفته "نيويورك تايمز" آنذاك بأنه "مصلح سلطوي"، مع دعواته لانفتاح اقتصادي وحوار مع واشنطن.

وشغل ذو القدر مناصب أمنية وسياسية بارزة، ولعب دورا في قمع احتجاجات 2009، وفرضت عليه عقوبات أممية وبريطانية، قبل أن يخلف علي لاريجاني بعد مقتله.

كما تولى وحيدي قيادة الحرس الثوري بعد مقتل سلفيه، ولعب دورا في تطوير قدرات إيران العسكرية، وشغل مناصب وزارية، وتلاحقه مذكرة توقيف أرجنتينية على خلفية تفجير 1994، وهو ما تنفيه طهران، وفرضت عليه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، لدوره في قمع احتجاجات 2022.


ويبرز أيضا ضمن المتشددين غلام حسين محسني إجائي وأحمد رضا رادان، اللذان لعبا دورا في قمع الاحتجاجات وإصدار قرارات اعتقال وإعدام.

وحذرت مالوني من أن إيران ستبقى "دولة قمعية للغاية"، وقد تصبح أكثر خطورة على شعبها.
أشارت إلى مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل، الذي لم يظهر منذ بداية الحرب ويعتقد أنه أصيب بجروح خطيرة، ويتمتع بنفوذ كبير رغم عدم شغله مناصب رسمية.

ووصفته برقيات أمريكية بأنه "القوة الخفية وراء الكواليس"، ويعد أكثر تشددا أيديولوجيا من والده.
بينت أن اغتيال خامنئي سرّع من تبني المتشددين لنهج أكثر عدوانية، بعد سنوات من التقييد تحت قيادته.

واعتبر قادة في الحرس الثوري أن غياب رد قوي سابقا كان ضعفا، وأن الحرب الحالية أثبتت صحة هذا التوجه.

ولفتت إلى أن القيادة الجديدة رغم تشددها تبدو أكثر انفتاحا على التفاوض مقارنة بالماضي، أشارت إلى أن قدرة إيران على تحمل الخسائر الاقتصادية ستكون عاملا حاسما، خاصة مع احتمال نجاح الحصار الأمريكي على مضيق هرمز.

وقدرت خسائر النظام المحتملة بنحو 435 مليون دولار يوميا، وفق الباحث مياد مالكي، ونبهت إلى أن إقناع المتشددين داخل الحرس الثوري بأي اتفاق يمثل تحديا كبيرا، خاصة مع وجود تيار يرى في السلاح النووي الضمان الوحيد للردع.