نشرت صحيفة "
نيويورك تايمز" مقالاً لمراسلها في
لبنان، عبد اللطيف ضاهر، قال فيه إن المبدعين الرقميين العرب على مواقع التواصل الاجتماعي يُقدّمون محتوى جريئاً للتخفيف من وطأة الصراعات وإضفاء لمسة من المرح على ألم غالباً ما يكون لاذعاً.
ففي مقطع فيديو فكاهي ينتشر على الإنترنت في الشرق الأوسط، تُوقِظ انفجارات شاباً ليلاً، فيقفز من مكانه مسرعاً إلى غرفة نوم والديه، وهو يرتدي بيجامة رثّة المظهر، يقول النص الذي يمهّد للقصة: "ها هي الحرب العالمية الثالثة، يجب أن تذهب إلى والديك العرب".
أسلوب خفيف بمضمون ثقيل
بالكاد يتحرك الأب، يتمتم بآية قرآنية عن القدر قبل أن يعود إلى النوم، وهو يشخر بصوتٍ عالٍ. عندما يُخبر الابنُ أمَّه أنه خائف، تُوبِّخه على مظهره، وتسأله: "هل أنت جاد؟.. أنت ترتدي قميصاً فقط، ولا ترتدي جوارب؟"؛ قد يكون الأسلوب خفيفاً، لكن المضمون ثقيلٌ للغاية.
لأكثر من عامين، يشهد الشرق الأوسط صراعاتٍ مدمرةً أعادت تشكيل المنطقة. امتدَّ العنف إلى جبهاتٍ متعددة، من حرب إسرائيل وحماس في
غزة، وحرب الاحتلال وأمريكا على
إيران، إلى الضربات الإيرانية الانتقامية على دول الخليج العربي، والصراع بين حزب الله والاحتلال في لبنان.
رداً على ذلك، لجأ صُنَّاع المحتوى والمؤثرون العرب على منصات تيك توك وإنستغرام ويوتيوب إلى نوعٍ من الفكاهة السوداء لتخفيف وطأة الألم.
يقول سامر مومنة، 22 عاماً، وهو صانع محتوى لبناني شارك في فيديو ساخر من الآباء العرب: "أشعر بالحزن على بلدي وشعبي، لكنني أجد في هذه
الكوميديا السوداء متنفساً لفهم ما يجري. فنحن دائماً ما نلجأ إلى الفكاهة للتخفيف من وطأة الوضع".
يُظهر مقطع فيديو شائع امرأة تفتح وتغلق أبواباً منزلقة مراراً وتكراراً، في إشارة إلى تقلبات مضيق هرمز بين الإغلاق وإعادة الفتح منذ بدء الحرب مع إيران.
يُحاكي فيديو آخر مشهداً من برنامج "أراب آيدول" التلفزيوني، حيث ينتظر المتسابقون بقلق النتائج، مُقارناً ذلك بحال الناس في أنحاء المنطقة الذين ينتظرون بفارغ الصبر معرفة ما إذا كان سيتم التوصل إلى وقف إطلاق النار.
صعود الكوميديا في الشرق الأوسط
يُعدّ هذا النوع من الفكاهة السوداء جزءاً من صعود أوسع للكوميديا في الشرق الأوسط. ويتدفق سيلٌ من المواد الجديدة من جيل شاب مُلمّ بالإنترنت، نشأ على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر الفكاهة بسرعة وتكون المكاسب فورية.
يرتبط هؤلاء المبدعون رقمياً عالمياً، مستلهمين من ثقافات وحوارات تتجاوز حدود الشرق الأوسط في منطقة شكّلتها الأنظمة الملكية والحكومات الاستبدادية والقيم المحافظة، حيث تُعدّ الكوميديا من المنافذ القليلة التي تُعبّر، بأسلوب مُبطّن، عمّا لا يُمكن قوله صراحة.
يقول عصام عريقات، المؤسس المشارك لموقع "الحدود" الإخباري الساخر، وهو شبيه بموقع "ذا أونيون"، ولكن باللغة العربية: "
الحروب والصراعات والكوارث مُنهكة، ولذلك يبحث الناس عن طُرق إبداعية تُساعدهم على التعامل مع مشاكلهم اليومية".
نشر الموقع الإلكتروني سلسلة من المقالات والمحتوى حول حرب إيران. من بينها مقالات بعنوان "إيران على وشك التحرر، تماماً مثل العراق"، أو "أربعة سيناريوهات لإنهاء الحرب، وستة لمواصلة الحرب، ولا يوجد أي سيناريو يصب في مصلحتك". يقول عريقات: "نرى أن من واجبنا التوعية، وأحياناً النقد، ولكن بأسلوب مرح".
نكات تحمل دلالات خبيثة
لجأت حكومات إيران وتل أبيب والولايات المتحدة أيضاً إلى السخرية، ولكن لأهداف مختلفة تماماً، إذ تسعى إلى استفزاز خصومها، والتي قد تكون أحياناً تحمل دلالات خبيثة؛ تبنت هذه الحكومات أسلوباً من الاستفزاز الإلكتروني الذي غالباً ما يُستخدم كدعاية رقمية مُنمّقة.
عندما طالب الرئيس ترامب، على سبيل المثال، في أوائل نيسان/ أبريل، إيران بإعادة فتح مضيق هرمز، ردت السفارة الإيرانية في زيمبابوي بسخرية لاذعة: "لقد فقدنا المفاتيح".
وخلال رأس السنة الفارسية، نشرت وزارة خارجية الاحتلال منشوراً باللغة الفارسية يتضمن رسماً بيانياً على غرار لعبة "اضرب الخلد"، يظهر فيه وجه المرشد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، من إحدى الفتحات. وجاء في التعليق: "لعبة لعيد النوروز".
قُتل والد خامنئي وسلفه، آية الله علي خامنئي، في الضربات الأولى للهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وصرحت إسرائيل حينها بأنها ستقتل أي شخص يخلفه.
وعلى عكس بعض دول الخليج التي تعاني حالياً من الصراع، لا يزال لبنان غارقاً في سنوات من الاضطرابات؛ يشمل ذلك الانهيار الاقتصادي عام 2019، وانفجار مرفأ بيروت المدمر عام 2020، وحربين بين الاحتلال وحزب الله، حليف إيران، خلال السنوات الثلاث الماضية.
قال مومنة: "إن الأزمات المتكررة في لبنان أشبه بمختبر للكوميديا السوداء"، ومن بين الصادرات الثقافية اللبنانية غير المتوقعة خلال هذه الحرب، شعبية أغنية "بدنا نروّق" للمطربة اللبنانية الشهيرة هيفاء وهبي.
وقد استُخدمت الجملة الافتتاحية - "علينا أن نهدأ. علينا أن نهدأ قليلا ونتعامل بلطف مع بعضنا البعض" - على نطاق واسع في مقاطع الفيديو التي تحث جميع الأطراف الرئيسية في الحروب على تهدئة التوترات.
وفي البحرين، ناشد أحد المؤثرين ترامب وقف الحرب حتى يتمكن الناس من النوم، قائلا: "أنا لا أحب الانفجارات".
في الإمارات، انتشر مقطع من فيلم "الجنس والمدينة 2" على نطاق واسع، حيث تغادر الصديقات الأربع أبوظبي فجأة بعد أن طردهن مضيفهن، وذلك عقب غارات إيرانية دفعت بعض السكان والسياح إلى الفرار.
قال توفيق بريدي، وهو صانع محتوى رقمي لبناني، في مقابلة من لندن: "لقد استغل الناس اللحظات الصعبة في كل مكان وحولوها إلى مواقف طريفة. في دبي، انصبّ التركيز على الدعاء إلى الله أن يحفظ متاجر هيرميس والمراكز التجارية".
وفي سوريا، التي نجت إلى حد كبير من ويلات الحروب الدائرة حول حدودها، سخر الناس من تعليمات السلامة الحكومية المتعلقة بالهجمات الصاروخية أو سقوط الحطام.
يقول الكوميديون هناك، الذين صقلتهم عقود من الديكتاتورية وسنوات من الحرب الأهلية، إنهم يدركون جيدا كيف تتحول المعاناة إلى مادة دسمة.
قالت ماري عبيد، المؤسسة المشاركة لمنصة "ستيريا" - وهي كلمة مركبة من "سوريا" و"الهستيريا" - التي تصف نفسها بأنها أول منصة كوميدية في البلاد: "في النهاية، المأساة مع مرور الوقت تُنتج كوميديا".
لم تمر جميع النكات دون عواقب
في السابع من آذار/ مارس، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية اعتقال ثلاثة أشخاص بعد انتشار مقطع فيديو يظهرهم وهم "يسخرون من الوضع الراهن في البلاد".
ويبدو أن المقطع كان ساخرا، حيث يظهر فيه الرجال، وهم يرتدون خوذات ويحملون أسلحة بدائية الصنع، يجلسون القرفصاء تحت درج ويضحكون بينما تدوي صفارات الإنذار في الخارج.
وقال مومنة، صانع المحتوى اللبناني، إنه يتلقى أحيانا تعليقات ناقدة تتساءل عن سبب إطلاقه النكات في زمن الحرب. ويسأله البعض عن دينه أو مذهبه في محاولة لفهم قصده.
لكنه، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة، لا يريد التوقف، كما قال. ويخبره الكثيرون أن مقاطع الفيديو التي ينشرها تمنحهم بعض الراحة.
وقال في صباح أحد الأيام: "الأخبار الحقيقية صعبة للغاية أصلا. فلماذا لا نرسم البسمة على وجوه الناس، ولو لثوان معدودة؟".