مع تمسكه بالمكاسب.. ماذا تعني الحرب الإيرانية لـ "محور المقاومة"؟

قالت وكالة رويترز إن الفصائل المسلحة الشيعية في لبنان والعراق كثفت هجماتها دعماً لإيران ضد أمريكا وإسرائيل- جيتي
نشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالاً للباحث الزائر في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، حميد رضا عزيزي، قال فيه إن المرشد الإيراني علي خامنئي صوّر، في الأسابيع الأخيرة قبل وفاته، العداء المتزايد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمصطلحات دينية.

وقال عزيزي، وهو مؤلف كتاب "محور المقاومة: إيران، إسرائيل، والصراع على الشرق الأوسط" الذي سيصدر قريباً، إن خامنئي رفض دعوات الاستسلام، مستشهداً بمثال الإمام الحسين ثالث أئمة الشيعة، الذي رفض مبايعة يزيد، حاكم بني أمية.

وفي هذا السياق، لم يكن التحدي مجرد ضرورة استراتيجية، بل قيمة متجذرة في التاريخ والهوية. لم يختفِ هذا الإطار مع وفاة خامنئي، بل على العكس، تبنّت شخصيات سياسية ورجال دين ومجتمعات شيعية في أنحاء المنطقة هذا الخطاب والرمزية، ما يعكس قلقهم المتزايد وشعورهم بالضعف.

وفي لبنان، أدى ضعف حركة حزب الله السياسية والعسكرية في السنوات الأخيرة إلى تغيير التوازن الطائفي في البلاد.

ولم تسهم عمليات الاحتلال العدوانية في المناطق ذات الأغلبية الشيعية خلال الشهر الماضي إلا في ترسيخ التصورات بأن إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة عازمتان على إخضاع الشيعة لعقاب جماعي.

وفي العراق، صعّبت الضربات الأمريكية وطيران الاحتلال المتكررة على قوات الحشد الشعبي والفصائل -التي تجنبت إلى حد كبير التورط في الاضطرابات الأخيرة- البقاء بعيدة عن الصراع.

وبعيداً عن القاعدة العربية، تُبرز ردود الفعل على اغتيال خامنئي بين السكان الشيعة في أماكن مثل باكستان تساؤلاً حول كيفية تفسير الصراع من خلال منظور طائفي وديني أوسع.

وتُبرز الحرب أهمية الهوية الشيعية في مختلف المجالات، مُعيدةً بذلك تشكيل كيفية تقييم الفاعلين السياسيين والعسكريين لمصالحهم والمخاطر المحدقة بهم؛ فالجماعات التي ربما كانت ستبقى على الحياد باتت أكثر ميلاً للانخراط في الصراع، ويواجه المقاتلون بالفعل ضغوطاً متزايدة للتصعيد.

والنتيجة حلقة مفرغة: فالأفعال المدفوعة بمخاوف التهميش تُثير ردود فعل تزيد من قلق الناس، مُوسِّعةً القاعدة الاجتماعية للتعبئة الشيعية.

وقد عانى "محور المقاومة" من انتكاسات عديدة منذ عام 2023. لكن العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المستمرة قد تؤدي إلى إعادة تشكيله، ليس بتدبير من طهران، بل نتيجة للدافع الطبيعي للهوية الشيعية المُحاصرة.

صناعة القلق "الشيعي"

لم يكن اغتيال خامنئي مجرد حدث سياسي داخل إيران فحسب، بل تردّد صدى وفاته في أوساط المجتمعات الشيعية خارج حدود البلاد، مؤكداً مدى أهمية سلطته في المنطقة بأسرها.

ففي باكستان، أثارت وفاته احتجاجات بين الجماعات الشيعية، تحوّل بعضها إلى أعمال عنف، حيث وصفه المشاركون صراحةً بأنه مرشد ديني. وفي البحرين اشتبك متظاهرون شيعة مع قوات الأمن، وأعرب متظاهرون عن دعمهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كما بلور موت خامنئي تصوراً لدى الشيعة في المنطقة كان يتشكل منذ فترة. ففي مختلف الساحات، بدأ الفاعلون الشيعة ينظرون إلى التطورات الإقليمية كدليل على تحول غير مواتٍ في ميزان القوى.

وشكلت الحرب الإيرانية ذروة هذا الشعور المتنامي بالتهديد. وفي لبنان، كان موقف حزب الله متوتراً منذ حرب 2024 مع الاحتلال، مما أضعف ركيزة أساسية من ركائز التوازن الطائفي في البلاد.

وقد ازداد هذا التوتر وضوحاً في الأسابيع الأخيرة. وصعّدت دولة الاحتلال هجومها في لبنان، بما في ذلك جولة مدمرة من الغارات في 8 نيسان/ أبريل أسفرت عن مقتل المئات في مناطق ذات كثافة سكانية شيعية عالية.

كما أفادت صحيفة "نيويورك تايمز" وغيرها من وسائل الإعلام بأن مسؤولين في "تل أبيب" حثوا المسيحيين والدروز في جنوب لبنان على طرد الشيعة من مجتمعاتهم.

ويرى الشيعة في لبنان أن الضغط (الإسرائيلي) جزء من حملة لا تستهدف حزب الله فحسب، بل تستهدف المجتمع الشيعي عموماً. في غضون ذلك، أثار سقوط الرئيس السوري بشار الأسد عام 2024، وظهور نظام سياسي جديد في سوريا، مخاوف مختلفة في العراق المجاور.

ويخشى الشيعة العراقيون من أن يُشجِّع خليفة الأسد، أحمد الشرع، الشبكات المسلحة السنية، وأن يُعيد إحياء مصدر عدم الاستقرار عبر الحدود، وهو مصدر توتر بالنظر إلى تاريخ العراق الطائفي.

وقد زاد المسؤولون الأمريكيون من حدة المخاوف بتلميحهم إلى أن إعادة تشكيل أوسع للمنطقة جارية.

فعلى سبيل المثال، لاحظ معلقون شيعة في إيران والعراق بقلق تصريحات أدلى بها توم باراك، مبعوث واشنطن إلى سوريا، في أيلول/سبتمبر 2025، حيث رفض فكرة الشرق الأوسط كفئة سياسية ذات معنى، مصرحاً بأنه "لا يوجد شرق أوسط"، بل "قبائل وقرى فقط".

واعتبروا ذلك دليلاً على جهد مدعوم من الولايات المتحدة لإعادة تشكيل المنطقة على أسس طائفية، بهدف إرساء نظام يهيمن عليه السنة ويهمّش دور الشيعة.

استجابة سريعة

وقد عزز التهميش التاريخي للشيعة في أجزاء كثيرة من الشرق الأوسط هذه التصورات. ففي جميع أنحاء المنطقة، لطالما شغلت المجتمعات الشيعية مواقع سياسية محدودة، حتى في المناطق التي تمثل فيها شرائح واسعة من السكان.

ففي العراق، لم يبرز الشيعة إلا بعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003، لكن هيمنتهم السياسية تعتمد على ترتيبات مؤسسية هشة متجذرة في تقاسم السلطة الطائفي وعلى جماعات مسلحة مثل الحشد الشعبي.

وفي لبنان، يعتمد النفوذ الشيعي على الحفاظ على توازن دقيق مع السنة والموارنة. وفي البحرين ودول الخليج الأخرى، لا تزال المجتمعات الشيعية ممثلة تمثيلاً ناقصاً سياسياً رغم ثقلها الديموغرافي.

وتمثل الحرب في إيران أحدث مثال، وإن كان الأكثر دراماتيكية، لما يعتبره الشيعة حملة أوسع نطاقاً ضد مصالحهم وممثليهم. ويخشى الشيعة من تراجع المكاسب التي حققوها في العقود الأخيرة - في العراق ولبنان وغيرها.

ومع وفاة خامنئي والحملة الإسرائيلية الشرسة في لبنان، تفاقمت هذه المخاوف. استجابة سريعة: في أماكن مثل باكستان والبحرين، كان رد فعل المجتمعات الشيعية على الحرب يتمثل في الاحتجاجات والتعبئة الرمزية.

إلا أن الأهم من ذلك كان سلوك الفصائل المسلحة والسياسية التي تُشكل جوهر القوة الشيعية في المنطقة. ويُظهر سلوكها بروز الهوية بشكل متزايد - ليس في الخطابات فحسب، بل في قرارات القتال حتى في ظل مواجهة هذه الجماعات قيوداً مادية كبيرة.

ففي لبنان، يبرز قرار حزب الله دخول الحرب في آذار/مارس دعماً لإيران. ورغم ضعفه الشديد ومواجهته ضغوطاً متواصلة من الاحتلال، أطلق الحزب وابلاً من الصواريخ على (إسرائيل).

ورداً على ذلك، وسّعت دولة الاحتلال نطاق هجماتها لتشمل مناطق ذات أغلبية شيعية، حتى خارج جنوب لبنان، مما ساهم في نزوح أكثر من مليون شخص، غالبيتهم العظمى من الشيعة.

وتطمس هذه الأعمال التمييز بين حزب الله والسكان الذين يستمد منهم دعمه، كما أنها تزيد من تكلفة ضبط النفس بالنسبة لحزب الله. يجب على الحزب مواصلة القتال ضد الاحتلال خشية أن يُنظر إليه على أنه تخلى عن دوره كمدافع عن المجتمع الشيعي.

وفي العراق، الوضع أكثر تقييداً ولكنه لا يقل دلالة. منذ البداية، شددت كبار السلطات الشيعية على ضرورة توخي الحذر. وفي أوائل آذار/مارس، أصدر المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني، وهو المرجع الأكثر نفوذاً في العراق، بياناً يحذر فيه من التصعيد.

وأكد على ضرورة تجنب جر البلاد إلى حرب أوسع. حتى مع ازدياد حدة خطابه في تصريحات لاحقة، إلا أنه لم يدعُ صراحة إلى الجهاد أو التعبئة العامة، مما يدل على مدى قلق القادة الشيعة العراقيين من انهيار النظام السياسي الهش في البلاد.

ومع ذلك، حتى في هذا السياق، بات منطق ضبط النفس يتعرض لضغوط متزايدة. فقد بدأت الضربات المتكررة التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال على مواقع الحشد الشعبي في تغيير البيئة السياسية.

وقد قوبلت هجمات بعض الميليشيات العراقية، ولا سيما تلك التي تعمل تحت راية ما يسمى بالمقاومة الإسلامية في العراق، على أهداف أمريكية، بضربات أوسع استهدفت الحشد الشعبي ككل.

وهو ما وسّع نطاق المواجهة وزاد الضغط على الحكومة العراقية وقواعدها الشيعية. من جانبها، رفضت الحكومة العراقية كبح جماح هذه الجماعات، ما يمثل تحولاً عن الجهود السابقة لاحتواء التصعيد. 

لا تُعدّ قوات الحشد الشعبي مجرد مجموعة من الميليشيات، بل هي ركيزة أساسية للسلطة الشيعية في العراق بعد عام 2003، والأهم من ذلك أنها جزء من القوات المسلحة العراقية الخاضعة لسلطة رئيس الوزراء.

كما أن استهدافها يُعدّ بمثابة ضرب للدولة العراقية نفسها، وهو ما يزيد الضغط على القوات الحكومية العراقية للرد المباشر على الولايات المتحدة ودولة الاحتلال. وتزداد هذه الردود وضوحاً عند مقارنتها بالمراحل السابقة من المواجهة الإيرانية (الإسرائيلية).

فخلال حرب الأيام الاثني عشر في حزيران/ يونيو 2025، التزمت الأطراف الشيعية في لبنان والعراق الحياد إلى حد كبير. وبدا الصراع قابلاً للاحتواء، مع مخاطر وجودية محدودة على الحكومة ذات الأغلبية الشيعية في إيران أو حلفائها في المنطقة.

أما الحرب الحالية فهي أوسع نطاقاً بكثير، إذ تُورِّط الأطراف الشيعية في جميع أنحاء المنطقة وتُهدِّدها. ويُفسِّر هذا التحول جزئياً سبب انخراط المزيد من الجماعات الشيعية في القتال، في الوقت الذي تتزايد فيه مخاطر الرد الأمريكي و(الإسرائيلي).

وينتج عن ذلك حلقة مفرغة خطيرة؛ فقد أدت التعبئة الأولية من قبل جهات فاعلة أكثر التزاماً أيديولوجياً -حزب الله وبعض الميليشيات العراقية- إلى تصعيد الاحتلال والولايات المتحدة، بما في ذلك عمليات عسكرية متواصلة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية.

فضلاً عن تكثيف الضغط على المؤسسات المرتبطة بالسلطة الشيعية. وتؤدي هذه الردود بدورها إلى اتساع نطاق الشعور بالتهديد لدى الشيعة، مما يُصعِّب على الجهات السياسية والعسكرية الشيعية ضبط النفس.

المحور الجديد

بغض النظر عن مسار وقف إطلاق النار الحالي في لبنان والحرب الأوسع نطاقاً، فمن المرجح أن يُؤثر بروز الهوية الشيعية المتزايد على مسار التوترات الإقليمية المستقبلية. ففي لبنان، قد تُصعّب هذه الديناميكية عزل حزب الله سياسياً، حتى مع استمرار الضغط العسكري عليه.

وقد أشار مسؤولون إسرائيليون إلى أن العمليات في جنوب لبنان قد تتبع "نموذج رفح"، في إشارة إلى المدينة المدمرة جنوب قطاع غزة، مما يُنذر باحتمالية استمرار الاحتلال لفترة طويلة. ومن المرجح أن يُفسّر الشيعة مثل هذا السيناريو على أنه تهديد مباشر لمكانتهم وأمنهم.

ويُعيد هذا التصور تشكيل السياسة الداخلية بالفعل. فقد تراجعت حدة التوترات السابقة بين حزب الله وحركة أمل، وهي حركة سياسية شيعية رئيسية أخرى في لبنان، إلى تحالف متجدد تحت الضغط.

وانضم نبيه بري، رئيس البرلمان الشيعي ورئيس حركة أمل، إلى حزب الله في مقاومة قرار الحكومة اللبنانية في آذار/مارس 2026 بطرد السفير الإيراني من بيروت.

وقد يُضعف الضغط العسكري للاحتلال قدرات حزب الله، ولكنه يُخاطر أيضاً بتعزيز المنطق الطائفي الذي يدعمه. وقد يتكرر سيناريو مماثل في العراق، وإن كان ذلك عبر آليات مختلفة.

فقد ظهرت الجماعات الشيعية المسلحة في العراق استجابة لأحداث سابقة من التهديد المتصور، أولاً الغزو والاحتلال الأمريكي، ثم صعود تنظيم داعش. واليوم.

وتُعيد المخاوف المتجددة من الضغوط الخارجية، التي تُغذيها المخاوف من تجدد التطرف السني وانتهاكات السيادة العراقية من قِبل الولايات المتحدة والاحتلال، إحياء روايات المقاومة السابقة.

وقد تزداد رغبة الجماعات في العراق بممارسة ضغوط عسكرية وسياسية على الولايات المتحدة لتقليص وجودها في البلاد أو إنهائه، في حين ستتفاقم التوترات الطائفية والسياسية بين الشيعة العراقيين من جهة، والسنة والأكراد من جهة أخرى.

يتمثل الأثر الأوسع للحرب في إمكانية إعادة تشكيل أجزاء من "محور المقاومة" المدعوم من إيران انطلاقاً من القاعدة الشعبية.

ولن يكون الدافع الرئيسي بالضرورة هو التنسيق المركزي من طهران، بل المخاوف المحلية من التهميش والاحتلال والتخلي. لطالما دعمت هذه المخاوف حركات المقاومة حتى في غياب دعم قوي من الدولة.

والنتيجة مفارقة؛ فالحرب التي تهدف جزئياً إلى إضعاف إيران وشبكتها الإقليمية قد تُعزز، بدلاً من ذلك، الظروف الاجتماعية والسياسية التي تدعمها.

ومن غير المرجح أن يُشبه ما سيظهر المحور المركزي السابق، فقد يكون أكثر تشتتاً، وأقل تنسيقاً، وأصعب سيطرةً، ولكنه أيضاً أكثر استدامة، ومستقلاً عن أي دولة أو جهة فاعلة، ومتجذراً في شعور متزايد بالخوف الجماعي.