رحيل "صائد الأجسام الغامضة" في وزارة الدفاع البريطانية.. كيف كانت مهمته؟

80 بالمئة من هذه المشاهدات كانت خاطئة - جيتي
توفي المسؤول السابق في وزارة الدفاع البريطانية نيك بوب عن عمر ناهز 60 عامًا، بعد مسيرة ارتبط اسمه خلالها بملف الأجسام الطائرة المجهولة، حيث عمل لسنوات على مراجعة بلاغات تتعلق بمشاهدات غامضة في السماء، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أبرز الوجوه الإعلامية التي علقت على هذا الملف.

وأشارت مجلة الإيكونوميست في تقرير مطول إلى أن العمل الذي تولاه بوب في أوائل التسعينيات لم يكن برنامجًا رسميًا كبيرًا بقدر ما كان وحدة صغيرة داخل وزارة الدفاع، تعود جذورها إلى ما كان يعرف في عهد ونستون تشرشل بـ"مجموعة العمل الخاصة بالأطباق الطائرة"، وعند التحاقه بالقسم عام 1991، كان عمليًا الموظف الوحيد المكلف بمتابعة البلاغات الواردة من الجمهور حول مشاهدات غريبة في السماء، والتي كانت تصل إلى خط خاص داخل الوزارة بهدف تقييم ما إذا كانت تمثل أي تهديد أمني محتمل.

وأوضحت المجلة أن زملاءه كانوا يطلقون عليه لقب "سبوكي"، وكانوا أحيانًا يمرون بجانبه وهم يطلقون صافرة موسيقى فيلم "لقاءات قريبة من النوع الثالث" ولم يكن يمانع ذلك، بل كان يستمتع بأن يُنظر إليه باعتباره النسخة البريطانية من "فوكس مولدر"، خبير الظواهر الخارقة في مسلسل "ملفات إكس".

وأكد التقرير أن وظيفته كانت أقل درامية بكثير: فحص الرسائل التي يرسلها الجمهور إلى خط الإبلاغ عن الأجسام الطائرة المجهولة، تحسبًا لأن يشير بعضها إلى تهديد أمني. وأشارت المجلة إلى أن نحو مئتي إلى ثلاثمئة بلاغ كانت تصل سنويًا عن مشاهدات لأحداث أو أجسام غريبة، عبر رسائل إلكترونية متحمسة ومقاطع فيديو مهتزة وغير واضحة.

وتابعت أن هذه البلاغات كانت تتضمن أضواء غريبة فوق مانشستر، ومركبات مثلثة الشكل تتحرك بين السحب، وكرة مضيئة تعبر طريقًا في ويلتشير، وأشكالًا تشبه راية مانتا سوداء عملاقة تحوم فوق مدينة سكَنثورب.

وأوضحت المجلة أن نحو 80 بالمئة من هذه المشاهدات كانت خاطئة، وكان قد توقع ذلك منذ البداية عندما تولى الوظيفة، رغم أنه لم يكن مهتمًا بالفضاء أو الكائنات الفضائية، بل لأن والده كان يعمل في مجال الطيران.

وأكدت أن أغلب البلاغات كانت من أشخاص عاديين خرجوا ليلًا في وقت متأخر، ربما أثناء عودتهم من الحانة أو أثناء تنزههم مع الكلب، ثم نظروا إلى السماء ورأوا ما ظنوه شيئًا غريبًا.

وتابعت أن كثيرًا من هذه المشاهدات كان في الحقيقة أضواء طائرات بألوان الأحمر والأبيض والأخضر، أو شهبًا، أو تأثيرات جوية، وأحيانًا مشاعل غاز صناعية. وفي المدن، حيث تظهر هذه الظواهر كما في المناطق الريفية، كانت بعض “الأطباق الطائرة” مجرد مؤثرات بصرية تولدها شركات إنتاج سينمائي.

وأكدت المجلة أنه مع تطور الوقت أصبح جزء من تلك الظواهر ناتجًا عن أشخاص يستخدمون برامج رقمية منزلية لصناعة مؤثرات خيالية.

وأشارت إلى أن العقول وراء هذه الظواهر لم تكن كائنات فضائية، بل أشخاصًا عاديين مثل “جيم” أو “تشارلي” في علية منزل مع زجاجة بيرة.

لكن التقرير أوضح أن نحو 20 بالمئة من المشاهدات لم يكن من السهل رفضها، وربما 15 بالمئة منها لم يكن بالإمكان الجزم بشأنها، بينما بقيت نسبة 5 بالمئة بلا تفسير، لا هو ولا العلماء أو خبراء الصور استطاعوا تفسيرها.

وأكدت المجلة أنه كان يرى أن أي اختراق غير مفسر للمجال الجوي البريطاني يستحق القلق، لكن وزارة الدفاع كانت مشغولة بتهديدات أخرى أكثر وضوحًا، كما بدأ البعض داخل المؤسسة ينظر إليه باعتباره “ينجرف” مع الموضوع.

وتابعت أن مراجعة الأرشيف كشفت عن سجل من المشاهدات المتكررة، خاصة المتعلقة بالمركبات التي كانت في البداية كروية ثم أصبحت مثلثة، وكانت تتحرك بطريقة توحي بلعبة قط وفأر، من سكون تام إلى سرعات تفوق ماخ في لحظة واحدة.

وأوضحت المجلة أنه في حادثة غابة ريندلشام عام 1980، شوهد جسم معدني أو زجاجي يهبط في الغابة، برفقة كرة برتقالية تتحرك بين الأشجار، وأن أحد الشهود لمس الجسم وتعرض لصدمة قوية، ثم قال إنه تلقى “تحميلًا” من بيانات ثنائية.

وأكدت أن نيك بوب ضحك عند هذه النقطة، لكنه صدق جوهر الروايات لأنها جاءت من طيارين عسكريين متقاعدين لا مصلحة لهم في الاختلاق، رغم أن ذلك لم يقنع وزارة الدفاع.

وتابعت أن بوب نُقل عام 1994 إلى قسم السياسة المالية، لكنه بقي في وزارة الدفاع 12 عامًا إضافية، وسمح له بنشر أعمال أدبية وكتاب “سماء مفتوحة، عقول مغلقة”، الذي انتقد فيه تجاهل الحكومات لهذه الظواهر.

وأشارت المجلة إلى أنه في عام 2009 أُغلق مكتب الأجسام الطائرة المجهولة بعد إعلان رسمي بعدم وجود أي تهديد حقيقي.

وأكدت أنه رغم ذلك استمر نيك بوب في عمله الفكري والإعلامي، ورفض اختزال الظاهرة في الثقافة الشعبية أو فكرة "الكائنات الخضراء الصغيرة".

وتابعت أن مصطلح “الأجسام الطائرة المجهولة” تم استبداله بمصطلح “الظواهر الجوية أو الشاذة غير المفسرة”.

وأوضحت المجلة أنه أصبح لاحقًا أحد أبرز المعلقين الإعلاميين في بريطانيا والولايات المتحدة، بعد انتقاله عام 2012، حيث كان ينفي بعض التفسيرات دون أن ينكر وجود ظواهر غير مفهومة.

وأكدت أن الاهتمام بهذه الظواهر تزايد بعد الحرب العالمية الثانية، وبلغ ذروته في خمسينيات القرن الماضي بعد حادثة روزويل، ثم عاد للارتفاع في القرن الحادي والعشرين.

وتابعت أن وكالات الفضاء والجهات العسكرية بدأت توثق حركات غير منطقية رُصدت بالرادار وكاميرات الأشعة تحت الحمراء والأقمار الصناعية.

وأشارت إلى أن الكونغرس عقد جلسات استماع عام 2023 أدلى خلالها عسكريون بشهاداتهم تحت القسم.

وأكدت أن السؤال ظل مطروحًا: ما طبيعة هذه الظواهر؟

وتابعت أن نيك بوب في بداية مسيرته كان يعتقد أن حضارة بعيدة قد تشكل تهديدًا للأرض، ثم خفف رأيه لاحقًا، وطرح احتمالات المراقبة أو الأبعاد الفيزيائية الأخرى.

وأوضحت المجلة أنه كان يكرر دائمًا أنه لا يملك إجابة حاسمة، وأنه لم يشاهد أي ظاهرة بنفسه.