تتصاعد الضغوط
الدولية على
الصين لدفعها نحو استخدام نفوذها الاقتصادي والسياسي للضغط على
إيران
في ظل استمرار تداعيات الحرب على أسواق
الطاقة.
ونشرت صحيفة
"
نيويورك تايمز" مقالا للصحفيين ليلي كو وديفيد بيرسون قالا فيه إن الضغط
يتزايد على بكين ، مع فرض
الولايات المتحدة حصارا على الموانئ الإيرانية، لحث طهران
على قبول شروط تنهي الحرب وأزمة الطاقة العالمية.
ولكن في الواقع، لا
تملك بكين الكثير لتفعله، ولا ترغب في فعله، للضغط على شريكتها في الشرق الأوسط.
هذا الأسبوع، ومع زيارة
عدد من القادة، بمن فيهم ولي عهد أبوظبي ورئيس وزراء إسبانيا، إلى بكين ، كان السؤال
حول ما يمكن أن تفعله الصين للمساعدة في حل الأزمة هو الهاجس الذي لا مفر منه في كل
اجتماع.
وأضاف المقال أنى
في هذه المحادثات، أدان الرئيس الصيني، شي جين بينغ، انتهاك القانون الدولي ووصفه بأنه
"عودة إلى قانون الغاب" - في إشارة مبطنة إلى الرئيس ترامب - وعرض
"حلا صينيا" في شكل خطة من أربع نقاط لحل الأزمة.
لكن هذه الخطة لا تقدم
أكثر من دعوة للجميع لاحترام مبدأ السيادة والقانون الدولي. وهي تعكس كيف تجنبت الصين،
رغم تزايد قلقها بشأن تأثير الحرب على اقتصادها، التورط بشكل مفرط في الأزمة. ويشمل
ذلك عدم التزامها في ردها على دعوات طهران للصين بضمان أمنها، فضلا عن عدم استخدام
نفوذها كأكبر شريك تجاري لإيران للضغط عليها لقبول المطالب الأمريكية.
وتابع المقال
أن الأستاذ في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شنغهاي للدراسات الدولية، دينغ لونغ،
قال إن مطالبة الصين بالضغط على إيران هو "سوء فهم للسياسة الخارجية الصينية وموقفها"،
وأضاف: "ليست مساعدة الولايات المتحدة أو إسرائيل من نوايا الصين لأنها عارضت
هذه الحرب منذ البداية".
وترغب الصين، التي
لطالما ادعت عدم تدخلها في شؤون الدول الأخرى، في أن يُنظر إليها كقائدة عالمية وفقا
لشروطها الخاصة. وعلى عكس الولايات المتحدة، التي حافظت على هيمنتها لفترة طويلة من
خلال تحالفاتها الدفاعية، لا تملك الصين سوى حليف واحد بموجب معاهدة، وهو كوريا الشمالية.
ولا يرغب حكام الصين
في الالتزام بالدفاع عن دولة أخرى، خشية الانجرار إلى حرب مكلفة تقوض في نهاية المطاف
قوة بلادهم.
وقالت باتريشيا كيم،
الباحثة في مركز جون ثورنتون للدراسات الصينية التابع لمعهد بروكينغز: "يميل القادة
الصينيون إلى اعتبار التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط محركا رئيسيا لتراجع أمريكا،
وليس لديهم أي رغبة في اتباع هذا النهج".
وتابعت أن الصين لديها
الكثير لتخسره إذا استمر الصراع في إيران. يعد مضيق هرمز ممرا حيويا للطاقة والسلع
الصينية، إذ يأتي نحو ثلث إجمالي واردات الصين من النفط الخام من الخليج العربي. وفي
وقت تعتمد فيه الصين بشكل خاص على الصادرات لدعم اقتصادها، ستؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة
إلى انخفاض الطلب على السلع الصينية.
وقالت يون صن، الباحثة
في مركز ستيمسون في واشنطن، مشيرة إلى احتياطيات النفط التي بدأت الصين بتخزينها قبل
اندلاع الحرب: "لديهم احتياطيات استراتيجية، لكنها لن تدوم إلى الأبد". وأضافت:
"إنهم لا يحبون عدم الاستقرار، ولا يحبون حربا تُخيّم فوق رؤوسهم".
وفي مؤشر على تزايد
القلق، كثف المسؤولون الصينيون جهودهم الدبلوماسية هذا الأسبوع بعد فشل المحادثات بين
الولايات المتحدة وإيران في التوصل إلى اتفاق سلام.
ودعا وزير خارجية الصين،
وانغ يي، نظيره وزير خارجية باكستان، التي استضافت المحادثات، إلى دعم "الزخم
الذي تحقق بشق الأنفس" لوقف إطلاق النار المؤقت الذي تم التوصل إليه الأسبوع الماضي.
وفي حديثه مع وزير الخارجية الإيراني يوم الأربعاء، قال وانغ إن الصين ما زالت تدعم
إيران، لكنه حثّ أيضا على إعادة فتح مضيق هرمز، مؤكدا على ضرورة "ضمان حرية الملاحة".
وبطريقة ما، تفيد الحرب
بكين أيضا. فالولايات المتحدة غارقةٌ في الشرق الأوسط بدلا من التركيز على منطقة المحيطين
الهندي والهادئ، أو ردع تهديدات الصين بضم تايوان، التي تعتبرها بكين جزءا من أراضيها.
وقد تمكنت الصين من
استغلال العمليات العسكرية الأمريكية لتُظهر نفسها، على النقيض، كدولة مسالمة تُدافع
عن الاستقرار العالمي. كما أن الحرب تعني أن المزيد من الدول، المُحبطة من ترامب، تتجه
نحو الصين كشريك أكثر قابلية للتنبؤ به.
يقول شين تشيانغ، الخبير
في العلاقات الأمريكية الصينية بجامعة فودان في شنغهاي: "أعتقد أن الأمر فيه جانبان،
إيجابي وسلبي". وأضاف أنه في حين أن ارتفاع تكاليف الطاقة يُضر بالاقتصاد الصيني،
فإن السخط من واشنطن يدفع الدول إلى تعزيز علاقاتها مع الصين، مما يُساعد على توسيع
نفوذ بكين العالمي.
وقال: "ويظهر
هذا أن الصين - على الأقل من وجهة نظرنا - دولةٌ أكثر مسؤولية من الولايات المتحدة.
فنحن أكثر جدارة بالثقة، وأكثر عقلانية، وأكثر سلمية"، حيث لا ترغب الصين في تحمّل
المسؤولية في حال فشل محادثات السلام
وعندما أشاد مسؤولون
إيرانيون بالصين لمساهمتها في إقرار اتفاق وقف إطلاق النار الأسبوع الماضي، لم تؤكد
بكين أو تنفي أي دور لها. واكتفت متحدثة باسم وزارة الخارجية بالقول إن الصين
"تعمل بنشاط" لإنهاء الأزمة.
وأشار هذا التهرب،
وفقا لبعض المحللين، إلى أن بكين ، المتخوفة من احتمال فشل وقف إطلاق النار، لم تلعب
سوى دور غير مباشر في المحادثات، واقتصر دورها في أقصى الأحوال على تشجيع الأطراف على
الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وترى الدكتورة صن أن إيران قد تبالغ في تقدير دور الصين
في محاولة منها للضغط على بكين لتكون أكثر التزاما بأي اتفاق مع الولايات المتحدة.
وقالت سارة بيران،
الشريكة في شركة ماكرو أدفايزوري بارتنرز، والتي شغلت منصب المدير الأول لشؤون الصين
وتايوان في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس بايدن: "أعتقد أنه من المستبعد جدا
أن تكون الصين قد اضطلعت بدور فعّال في محاولة الوساطة تلك. فالمخاطر كبيرة، وهي تخشى
أن تُلام".
وتجادل الصين بأن لكل
دولة الحق في حكم نفسها دون تدخل خارجي، وتصور نفسها كقوة لا تمارس الترهيب. (مع ذلك،
عندما يتعلق الأمر بما تعتبره مصالحها الخاصة - مثل مطالباتها بتايوان وبحر الصين الجنوبي
- فقد استخدمت الصين الحظر التجاري والتعريفات الجمركية، وأرسلت جيشها وخفر سواحلها
للضغط على الدول الأخرى)، كما تفتقر الصين إلى القوة العسكرية اللازمة لفرض إرادتها
ويرجع جزء من تردد
الصين في الانخراط بشكل أكبر في أزمة الشرق الأوسط إلى مسألة القدرات.
أشار إلى أن الجيش الصيني، الذي يتوسع بسرعة، لا
يمتلك شبكة واسعة من القواعد الخارجية كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، على
الرغم من أن قواتها البحرية قد نشرت قوة مهام لمكافحة القرصنة في خليج عدن منذ عام
2008. وحتى الآن، لم يتم نشرها لحماية السفن الصينية، وهي خطوة يرى الخبراء أنها غير
مرجحة إلا إذا تعرضت السفن الصينية لهجوم مباشر.
وقال الدكتور شين من
جامعة فودان: "بإمكان الصين بالتأكيد أن تلعب دورا، لكن هذا الدور يبقى محدودا".
قال: "إذا احتاجت
إيران إلى ضمانات أمنية، فمن الصعب جدا على الصين تقديمها. وإذا أرادت الولايات المتحدة
من إيران التخلي عن برنامجها النووي، فلا سبيل للصين لإجبارها على ذلك".
وبينما تتوق بكين إلى
السعي نحو السلام، فإنها مقيدة أيضا بأولويات متضاربة. فهي بحاجة إلى إدارة التداعيات
الاقتصادية لأزمة الطاقة، وإعادة ضبط علاقاتها مع واشنطن قبل قمة الرئيس شي والرئيس
ترامب، والحفاظ على علاقاتها مع كل من إيران ودول الخليج، التي تعرضت لهجمات من طهران.
ومع تضاؤل احتمالية
تحقيق الولايات المتحدة وإسرائيل نصرا سريعا على إيران، تغيرت حسابات بكين.
وقالت الدكتورة صن:
"لو انتصرت الولايات المتحدة في غضون أسبوع أو أسبوعين، لكانت الصين قد تماشت
مع ذلك".
وأضافت أن استراتيجية
الصين الحالية تتمثل في السعي إلى وقف إطلاق النار بأسرع وقت ممكن، ومحاولة "تعظيم
دور الصين في الوساطة، وإن كان بشكل غير مباشر، لتعزيز مصداقيتها".