ذي إنترسبت: مواقع تزعم أنها "حيادية" تروّج لرواية واشنطن عن إيران وغزة

رجح الصحفي سام بيدل أن يكون من يكتبون مقالات الموقع التي تروج للرواية الأمريكية وهميين- جيتي
نشر موقع "ذي إنترسبت" تقريراً أعده سام بيدل، قال فيه إن مواقع إخبارية مثل "الفاصل" و"بيشتاز نيوز" ليست "محايدة"، بل تقدم تغطية مؤيدة لأمريكا في حربها ضد إيران وما تريد عمله في غزة.

وأضاف أن الموقعين يظهران كأي موقع إخباري عادي بتصميم أنيق لصفحاتهما الرئيسية وحساباتهما النشطة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث ينشران تقارير ومقاطع فيديو حول الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط باللغتين العربية والفارسية على التوالي، بالإضافة إلى الإنجليزية.

ويشير حساب "الفاصل" على يوتيوب إلى أن مهمة الموقع هي "التحقيق في الأحداث ذات الأهمية الكبيرة التي غالباً ما تتجاهلها وسائل الإعلام المحلية والإقليمية، وتسليط الضوء عليها".

أما حساب "بيشتاز نيوز" على يوتيوب فيقول إنه أُنشئ "للتحقيق في الأخبار المهمة التي غالباً ما تتجاهلها وسائل الإعلام المحلية والإقليمية، والتوسع في تغطيتها". وتشترك هذه القصص المتجاهلة في نفس التوجه الأيديولوجي والأسلوب التحريري: وهو نفس توجه البيت الأبيض.

فعلى سبيل المثال، حصدت قناة "الفاصل" على يوتيوب ملايين المشاهدات على مقاطع فيديو باللغة العربية تشيد بسياسة إدارة ترامب تجاه غزة، وتحث حماس على الكف عن "تلقي الأوامر من النظام الإيراني" والإفراج عن السجناء الإسرائيليين.

وطرح موقع "بيشتاز نيوز" استطلاع رأي على صفحته الرئيسية مؤخرا، جاء فيه: "كيف تصفون اعتقادكم بشأن الحالة الصحية الحالية للمرشد الأعلى ومكان وجوده؟" وتراوحت الإجابات المحتملة بين "بصحة جيدة ولكنه مختبئ" و"مشوه" أو "متوفى".

ويقول الكاتب إن هناك سببا وراء ترديد هذه التغطية الإعلامية لخطابات السياسة الخارجية الأمريكية، فقد كشف موقع "ذا إنترسبت" أن موقعي "الفاصل" و"بشتاز نيوز" جزء من شبكة مواقع إلكترونية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعي أنها نوافذ إخبارية شرعية في الشرق الأوسط.

ويضيف "في الواقع هي أدوات دعائية ممولة من حكومة الولايات المتحدة"، ويشار إلى الموقعين، في أسفلهما خلف رابط "نبذة" الذي قد لا ينتبه إليه القارئ العادي، بأنهما "منتج لمنظمة إعلامية دولية ممولة من ميزانية حكومة الولايات المتحدة".

ولا يزال هذا الانتماء الحكومي غير معلن على منصات التواصل الاجتماعي، بما فيها إنستغرام، على الرغم من سياسة المنصة التي تلزم بتصنيف وسائل الإعلام المدعومة من الدولة لمنع استهلاك الدعاية الحكومية دون وعي.

ويقول  الكاتب إن تركيز الموقعين عى ضرورة سحق إيران، ليس محض صدفة: إذ تربط الموقعين صلات عديدة بمجموعة من غرف الأخبار المزيفة التي نشأت كحملة عمليات نفسية عسكرية ضد مستخدمي الإنترنت الأجانب.

ولم ترد لا قناة الفاصل ووكالة بيشتاز نيوز على طلبات التعليق، ولم تعلق كذلك القيادة المركزية الأمريكية أو وزارة الحرب، ففي عام 2008، أطلقت قيادة العمليات الخاصة الأمريكية دعوة للمتعاقدين للمساعدة في تشغيل ما أسمته "مبادرة الويب العابرة للأقاليم".

وتهدف هذه المبادرة إلى "نشر سريع وفوري عالمي لمنتجات وأدوات التأثير عبر الإنترنت لدعم الأهداف والغايات الاستراتيجية طويلة الأجل للحكومة الأمريكية". بعبارة أخرى، دعاية حكومية يروج لها البنتاغون.

وتظاهرت "مبادرة الويب العابرة للأقاليم" بأنها غرف أخبار إلكترونية مستقلة، واستعانت بـ"مراسلين محليين" لإنتاج مقالات "يمكن للقيادات المقاتلة استخدامها حسب الحاجة لدعم الحرب العالمية على الإرهاب".

وقد أدى العقد، الذي مُنح لشركة "جنرال دايناميكس لتكنولوجيا المعلومات"، إلى إنشاء 10 مواقع إلكترونية تُوجه خطاب السياسة الخارجية الأمريكية إلى جماهير في جميع أنحاء الشرق الأوسط وجنوب آسيا.

حيث نشرت كل شيء من مقالات عادية حول التعايش بين الأديان إلى مقالات تهدف "تبييض صورة الديكتاتوريات في آسيا الوسطى"، كما ذكرت مجلة "فورين بوليسي" في عام 2011. وبحلول عام 2014، اعتبر الكونغرس هذه المواقع فاشلة وتم سحب التمويل منها.

وصدر تقرير في عام 2022 عن مرصد ستانفورد للإنترنت وشركة غرافيكا، وهي شركة تجارية لتحليل الإنترنت ومتعاقدة مع البنتاغون في مجال الحرب المعلوماتية، كشف عن شبكة من حسابات تويتر وفيسبوك مزيفة "مؤيدة للغرب" تروج لمقالات من مواقع إخبارية زائفة.

ولم ينسب التقرير الحملة رسميا إلى الولايات المتحدة، لكنه أشار إلى أن كلا من ميتا وتويتر/إكس قد فعلتا ذلك. وخلص الباحثون إلى أن الحسابات المذكورة حاولت نشر مقالات من شبكة مواقع إخبارية وهمية أنشأتها قيادة العمليات الخاصة الأمريكية.

وخلص التقرير إلى أنه بعد سنوات قليلة من إغلاق "مبادرة الويب العابرة للأقاليم" ظاهريا، أعادت العديد من المواقع تسمية نفسها، وأصبحت تتضمن محتويات يصعب العثور عليها تشير إلى أنها تدار من قبل القيادة المركزية الأمريكية.

وفي أعقاب نتائج ستانفورد وغرافيكا، أُغلقت بعض المواقع، بينما استمرت مواقع أخرى،  وكشف تقرير لاحق لصحيفة "واشنطن بوست" أن هذه الكشوفات المحرجة دفعت البنتاغون إلى إجراء "مراجعة شاملة لكيفية إدارته لحرب المعلومات السرية".

ويظهر استعراض أرشيف الإنترنت أنه في أعقاب تقرير ستانفورد، غيرت مواقع مبادرة الويب التي استمرت في العمل لغة إفصاحاتها. فبدلا من الإشارة إلى رعاية القيادة المركزية، أصبحت هذه المواقع تقول إنها "ممولة من ميزانية حكومة الولايات المتحدة".

وتعد لغة الإفصاح التي تستخدمها الشبكة المتبقية من مواقع الدعاية التابعة للقيادة المركزية نسخة حرفية من الصياغة التي عثر عليها موقع "ذا إنترسبت" في صفحات "نبذة عنا" لموقعي "بيشتاز نيوز" و"الفاصل".

وليست هذه هي الأدلة الوحيدة التي تشير إلى وجود صلة بشبكة مواقع الدعاية العسكرية هذه، فمن بداية  النشر عام 2023، ظل "الفاصل" و"بشتاز نيوز" يقتبسان أو يلخصان البيانات الصحفية الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية  والتي تشيد بالعمليات الإقليمية والنجاحات الميدانية.

كما فعلت النوافذ الإعلامية المذكورة في تقرير ستانفورد/غرافيكا. ويعد الاعتماد على البيانات الصحافية الصادرة عن القيادات المقاتلة، على وجه الخصوص، استراتيجية تحريرية تعود إلى مبادرة الويب العابرة للأقاليم الأصلية التي كانت تُديرها قيادة العمليات الخاصة الأمريكية .

كما أن منشورات "الفاصل" على منصة إكس غالبا ما يتم تحديد موقعها الجغرافي على أنها مرسلة من لوتز، فلوريدا، على مرمى حجر من مقر قيادة القيادة المركزية الأمريكية وقيادة العمليات الخاصة في تامبا، بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المقاولين العسكريين الذين يقدمون خدماتهم لكليهما.

ويشترك الموقعان أيضا في عناصر تصميمية مشتركة مع المنشورات التابعة لمبادرة الويب العابرة للأقاليم، مما يوحي بأنهما أُنشئا أو أُديرا من قِبل نفس الجهة المتعاقدة: فجميع المقالات تختتم باستطلاع رأي يسأل "هل أعجبك هذا المقال؟" وباستخدام أيقونات الإعجاب وعدم الإعجاب نفسها.

كما أن بنية عناوين المواقع الإلكترونية متطابقة في مواقع "الفاصل" و"بيشتاز نيوز" و"سلام تايمز" وهو موقع يركز على أفغانستان أُطلق تحت "مبادرة الويب العابرة للأقاليم"، وهو مستمر وإن باسم مختلف.

وقالت رينيه ديريستا، الباحثة السابقة في جامعة ستانفورد والمشاركة في تأليف تقرير عام 2022، لموقع "ذي إنترسبت": "تتشابه هذه المواقع في أسلوبها مع جهود الترويج العلني التي رأيناها سابقا من وزارة الحرب الأمريكية".

وأضافت: "لقد لاحظنا سابقا هذا النمط من استخدام لغة أوضح تشير إلى الانتماء الأمريكي في صفحة "نبذة عن" الموقع، ثم غياب هذا الانتماء تمامًا أو شبه انعدامه في صفحات التواصل الاجتماعي".

ويكشف محتوى كلا الموقعين باستمرار عن تمجيد للولايات المتحدة ودولة الاحتلال، إلى جانب حلفاء أمريكا في الخليج. بينما يعملان على تشويه صورة الدولة الإيرانية. ويقدمان رواية منحازة ومضللة تماما في زمن الحرب.

وجاء في مقال نشر في 2 آذار/مارس في موقع"الفاصل": "الولايات المتحدة تقول إنها لا تسعى إلى صراع مفتوح مع طهران". وقد استشهد كلا الموقعين مرارًا وتكرارًا بتقارير صادرة عن "إيران إنترناشونال"، وهي صحيفة ملكية إيرانية مؤيدة لإسرائيل، ولها تاريخ طويل في التضليل الصحافي.

فعلى سبيل المثال، زعم مقال نشر في 31 آذار/مارس في "بيشتاز نيوز"، استنادا إلى منشور من "إيران إنترناشونال" مجهول المصدر، أن قوات الأمن الإيرانية اغتصبت ممرضات جماعيا في طهران.

وتصور التغطية الإعلامية الأخيرة إيران في موقف حرج. فقد جاء في مقال نشر في 22 آذار/مارس في "بيشتاز نيوز": "يوصف الجيش النظامي للجمهورية الإسلامية، بشكل متزايد من قبل مراقبين مطلعين بأنه قوة تعاني من ضغط شديد وإهمال مؤسسي".

ويبدو أن مقالا آخر نشر في 25 آذار/مارس، بقلم كاتب مجهول، بعنوان "سيكون وضع الجيش أفضل بدون منافسه الرئيسي"، يهدف إلى تأجيج التوترات بين الجيش الإيراني النظامي والحرس الثوري الإسلامي.

ويزعم المقال أنه "بدون الحرس الثوري الإسلامي، يمكن توجيه الموارد مباشرة إلى الجيش النظامي، مما يتيح تحديثا حقيقيا"، وهي حجة مقتبسة مباشرة من دعاة اليمين المتطرف المناهضين لإيران في الولايات المتحدة.

ومن غير الواضح من يكتب تحديدا ما ينشر على هذه المواقع، حيث تنشر معظم المقالات دون ذكر اسم كاتب، بينما تنشر قصص أخرى بأسماء يصعب العثور عليها في أي مكان آخر على الإنترنت. وقد يكون بعض الأشخاص الظاهرين في هذه المواقع وهميين.

ففي كانون الثاني/يناير عُرض ملخص لأهم عناوين الأخبار الإقليمية على قناة "الفاصل" على يوتيوب بصوت رجل يتحدث العربية ويرتدي سترة زرقاء أنيقة. وقال  خبراء لموقع "ذا إنترسبت" أن المذيع على الأرجح نتاج للذكاء الاصطناعي التوليدي وليس لقطات حقيقية.

وقال سيجين بايك، الأستاذ جامعة جورجتاون والباحث في مجال التزييف العميق، لموقع "ذي إنترسبت": "أقوى مؤشر هو الغياب شبه التام لرمش العين"، وتشوه بعض المقالات الحقائق أو تحرفها بشكل كبير.

فعلى سبيل المثال، أغفلت مقالة نشرت في 15 نيسان/أبريل على موقع "الفاصل" حول "تهديدات إيران بارتكاب جرائم حرب" ضد الجامعة الأمريكية في بيروت، حقيقة أن هذه التهديدات جاءت ردا على غارات جوية أمريكية إسرائيلية متكررة استهدفت مدارس إيرانية.

وفي اليوم التالي، وصفت مقالة أخرى على "الفاصل" الحوثيين بأنهم "مشلولون" و"مفككون إلى حد كبير"، ولا يستطيعون سوى تقديم "دعم لفظي" لإيران، كما تظهر هذه المنافذ الإعلامية مدى التضليل الإعلامي الصادر عن البنتاغون والبيت الأبيض

ففي منشور بتاريخ 5 آذار/مارس على حساب "بيشتاز نيوز" على إنستغرام، تباهى البعض بأن "قدرة النظام الإيراني على ضرب القوات الأمريكية وحلفائه الإقليميين تتضاءل بسرعة، بينما تستمر القوة القتالية الأمريكية في النمو".

أما غزة، فتحاول التقارير المتعلقة بها المبالغة في تصوير الوضع هناك، فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2025، قُسّمت غزة إلى قسمين بما يسمى "الخط الأصفر"، وهو خط حدودي مُصطنع انسحبت قوات الاحتلال خلفه اسميا العام الماضي.

ويواجه الفلسطينيون على الجانب الوافع تحت سيطرة الاحتلال من الخط حكما عسكريًا قمعيا، بينما يواجه من هم على الجانب الآخر خطر الموت.

ورغم ادعاءات فريق الفيديو التابع لقناة الفاصال بأن سياسة ترامب تجاه غزة ستُتيح لعدد لا يحصى من الفلسطينيين العودة إلى ديارهم، إلا أن قوات الاحتلال تطلق النار بشكل متكرر على المدنيين الذين يقتربون من هذه المنطقة العازلة.

 ووصف تقرير لموقع الفاصل الخط الجديد بأنه: " ليس مجرد حدود، بل هو شريان حياة مصمم لحماية عائلات غزة وإبقائها على اطلاع خلال فترة وقف إطلاق النار"، كما جاء في مقال نُشر في  تشرين الثاني/ نوفمبر. "الخط الأصفر ليس رمزاً للانقسام، بل هو شريان حياة".