قضية "المسامرة الرمضانية".. حكم جديد بـ20 عاما سجنا بحق الغنوشي ورفاقه

بصدور الحكم الجديد ترتفع حصيلة الأحكام ضد الغنوشي في ملفات عديدة لتتجاوز 60 عاما- جيتي
بصدور الحكم الجديد ترتفع حصيلة الأحكام ضد الغنوشي في ملفات عديدة لتتجاوز 60 عاما- جيتي
شارك الخبر
قضت محكمة تونسية فجر الأربعاء، بالسجن 20 سنة ضد رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، وعدد من قيادات الحركة، وذلك في القضية المعروفة باسم "المسامرة الرمضانية"، والتي تسببت في اعتقال الغنوشي في 17 نيسان/ أبريل 2023.

وقضت المحكمة أيضا بالسجن 20 عاما ضد مدير مكتب الغنوشي أحمد المشرقي وعضو مجلس الشورى يوسف النوري، فيما قضت بالسجن مدة 3 سنوات بحق المتهمين المحالين بحالة سراح محمد القوماني وبلقاسم حسن.

وبصدور الحكم الجديد ترتفع حصيلة الأحكام ضد الغنوشي في ملفات عديدة لتتجاوز 60 عاما، في وقت طالبت فيه الأمم المتحدة بإطلاق سراحه فورا، مشددة على أن احتجازه ينتهك بشكل صارخ الحقوق الإنسانية والقانونية .

وفور صدور الأحكام أعلنت هيئة الدفاع عن الغنوشي رفضها المطلق "لحكم الإدانة للصبغة السياسية للقضية، والتي تستهدف حرية الرأي والتعبير والحق في ممارسة العمل السياسي المرخص فيه قانونا".

وأكدت في بيان وصل "عربي21"، نسخة منه أن ما صرح به راشد الغنوشي في المسامرة الرمضانية، فيه دعوة للتعايش المشترك ونبذ الفرقة والخلاف وعدم الإقصاء، ودعا فيه أن تكون تونس لكل التونسيين .

اظهار أخبار متعلقة



وشددت "على تمسكها بجميع حقوق منوبها القانونية بما فيها الطعن في الأحكام، رغم توقعها بأن  الغنوشي سيرفض ذلك لقناعته بأن القضاء أصبح وسيلة لتصفية الحسابات السياسية"، على حد تعبيرها.

يشار إلى أن تقريرا صادر عن الأمم المتحدة، قد طالب بإجراء تحقيق مستقل في ظروف اعتقال الغنوشي، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بالإضافة إلى صون حقوق المعارضين السياسيين والحريات العامة.

وحذر تقرير الأمم المتحدة من أن استمرار القمع السياسي في تونس يعرض البلاد لأزمة حقوقية حادة، ويهدد مسار الديمقراطية بعد أكثر من عقد على ثورة 2011، فيما يراقب المجتمع الدولي الوضع عن كثب مع تزايد الدعوات لضمان استقلال القضاء وحماية حقوق المعارضة السياسية.

من "مسامرة رمضانية" إلى حكم قضائي ثقيل في تونس


وتعود وقائع ما يُعرف بقضية "المسامرة الرمضانية" إلى لقاء سياسي عُقد خلال شهر رمضان من العام 2022، وضمّ عددا من الفاعلين السياسيين، من بينهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي. وقد جاء هذا اللقاء في سياق سياسي متوتر، كانت تعيشه تونس على وقع تصاعد الخلافات بين السلطة والمعارضة، وتزايد الجدل بشأن مستقبل المسار الديمقراطي في البلاد.

وبحسب المعطيات المتداولة، تخللت اللقاء نقاشات سياسية تناولت قضايا التعايش الوطني ورفض الإقصاء، غير أن مقاطع مصورة منه جرى تداولها لاحقا، اعتبرتها السلطات متضمنة لتصريحات يمكن تأويلها على أنها تمسّ بالأمن العام أو تحرّض على الانقسام.

على إثر ذلك، فُتح تحقيق قضائي في القضية، قبل أن تتطور إلى تتبعات شملت عددا من الشخصيات السياسية. وفي 17 نيسان/أبريل 2023، تم إيقاف راشد الغنوشي، في خطوة مثّلت حينها تحولا بارزا في التعامل مع الملف، وأثارت ردود فعل واسعة داخل تونس وخارجها.

في المقابل، تؤكد هيئة الدفاع أن القضية ذات طابع سياسي، مشيرة إلى أن التصريحات الواردة في "المسامرة" أُخرجت من سياقها، بل وتحدثت عن وجود "تلاعب" بالمادة المصورة المعتمدة في التتبعات. كما انتقدت اعتماد قانون مكافحة الإرهاب في ملف تعتبره بعيدا عن هذا الإطار، فضلا عن تسجيل ما وصفته بخروقات إجرائية خلال مراحل التحقيق الأولى.

وقد اكتسبت القضية أبعادا حقوقية دولية، خاصة بعد موقف مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاعتقال التعسفي، التي اعتبرت أن إيقاف الغنوشي يندرج ضمن الاعتقال التعسفي، مرجّحة أن يكون مرتبطا بممارسته لحقه في حرية التعبير، وهو ما زاد من حدة الجدل حول طبيعة القضية وخلفياتها.

وتُعدّ "المسامرة الرمضانية" اليوم من أبرز القضايا التي تعكس التوتر القائم بين السلطة والمعارضة في تونس، كما تطرح تساؤلات متزايدة بشأن حدود حرية التعبير واستقلالية القضاء، في ظل مسار سياسي لا يزال محلّ نقاش داخلي ومتابعة دولية.

قرارات رئاسية غيرت المشهد


وشهدت تونس منذ صيف 2021 تحولا جذريا في مسارها السياسي، عقب الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيّد في 25 تموز/يوليو 2021، والتي مثّلت نقطة انعطاف حاسمة في العلاقة بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة، وأدت تدريجيا إلى إعادة تشكيل النظام السياسي في البلاد.

في ذلك التاريخ، أعلن سعيّد تجميد أعمال البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، إضافة إلى إقالة رئيس الحكومة لاحقا، مع توليه السلطة التنفيذية بشكل مباشر، مستندا إلى تأويل خاص للفصل 80 من الدستور، في خطوة وُصفت من قبل أنصاره بأنها "تصحيح لمسار الثورة"، بينما اعتبرها معارضوه "انقلابا دستوريا".

لاحقا، عزز الرئيس مسار تركيز السلطة عبر سلسلة من القرارات، شملت حل البرلمان نهائيا في 2022، وتغيير القانون الانتخابي، وتنظيم استفتاء دستوري في تموز/يوليو 2022 أفضى إلى دستور جديد أرسى نظاما رئاسيا موسعا قلّص بشكل كبير من صلاحيات البرلمان والحكومة، مقابل تعزيز سلطات رئيس الجمهورية.

كما شهدت المرحلة اللاحقة إعادة تشكيل المشهد السياسي والقضائي، عبر إجراءات شملت إعفاءات وتغييرات في مناصب عليا، إلى جانب إصدار مراسيم وقوانين أثارت جدلا واسعا في الداخل والخارج بشأن توازن السلطات واستقلالية المؤسسات.

وفي هذا السياق، تصاعدت وتيرة الملاحقات القضائية والاعتقالات التي طالت عددا من السياسيين والناشطين ورجال الأعمال، بينهم شخصيات بارزة في المعارضة، وهو ما اعتبرته أطراف سياسية وحقوقية مؤشرا على تضييق متزايد على المجال العام، بينما تؤكد السلطات أن الإجراءات تأتي في إطار تطبيق القانون ومكافحة الفساد وحماية الدولة.

وقد انعكست هذه التطورات على مناخ الحريات في تونس، حيث برزت انتقادات من منظمات حقوقية دولية بشأن وضع القضاء وحرية التعبير، في مقابل خطاب رسمي يشدد على "سيادة القانون" و"تصحيح مسار الدولة".

ومنذ شباط/ فبراير 2023، جرى الزج بالعشرات في السجون التونسية، بينهم معارضون، ورجال أعمال، ووزراء سابقون، وأمنيون، وصحفيون، ونشطاء، في ملفات عديدة أبرزها "التآمر 1 و2"، وملف "الجوزارات"، و"أنستالينغو"، وغيرها وصدرت فيها أحكام "ثقيلة" بمئات السنين في مجموعها.

وفي المقابل، يؤكد الرئيس قيس سعيد أن البلاد في حرب تحرير وطني، وأنه لا عودة للوراء، وستتم محاسبة كل "الخونة والفاسدين"، على حد تعبيره، مشددا على أنه لا يتدخل في القضاء.
التعليقات (0)