لو لم ينتقد
البابا تهديدات الرئيس الأمريكي النابية لإيران لما كان هناك قيمة حقيقية للقيم الدينية التي يمثلها
الفاتيكان، ولَحَمَل العالمُ المسيحيُّ وزرَ دونالد
ترامب الذي هزّ الضمير العالمي بتصريحاته ومواقفه وعدوانيته المقزّزة. والواضح أنه يستمتع بخطابه الاستعلائي ويشعر في داخله بداء العظمة، ويستهدف بعدوانيته من يتعرّض له بنقد أو اعتراض.
وكان الرئيس الامريكي قد كتب على وسائل التواصل الاجتماعي يوم الثلاثاء 7 أبريل، قبل انتهاء المهلة التي سبق أن حدّدها لإيران للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة عبارة لم يتوقّعها أحد: “حضارة بأكملها ستفنى الليلة، ولن تعود أبدًا. لا أريد أن يحدث ذلك، لكنه سيحدث على الأرجح”. فقد شعر العالم أنه يعيش على كفّ عفريت، لأن كبرى دول العالم وأقواها عسكريا تُدار من شخص مستعد لارتكاب جرائم لم يسبقها له زعيم آخر في التاريخ المعاصر. فلو كانت تصريحا لفظيا عابرا لكان لها وقع كبير وإن كان هناك مجال لتبريرها بأنها “زلّة لسان”. ولكن التهديد جاء مكتوبا، أي أنّ الرئيس الأمريكي لا بدّ أنه فكّر فيه مليًّا، وكتبه بوعي وإرادة وإصرار. وهذا ما أحدث صدمة كبيرة للضمير العالمي، فحدثت انتفاضة عبّر عنها الفاتيكان بقدر من الوضوح.
البابا ليو الرابع عشر ذو الأصل الأمريكي قال: “اليوم كما يعلم الجميع، طُرح تهديد موجه إلى الشعب الإيراني، وهذا غير مقبول حقاً، فهناك بالطبع قضايا تتعلق بالقانون الدولي، لكن الأمر يتجاوز ذلك بكثير، فهو مسألة أخلاقية تتعلق بخير شعب كامل”. ودعا البابا إلى التفكير في المدنيين الأبرياء بمن فيهم الأطفال وكبار السن، مضيفًا: “إنهم أبرياء تماماً وسيكونون ضحايا لهذا التوتر المتصاعد، وبدأ تصعيد هذه
الحرب بالفعل منذ الأيام الأولى، وكنا نقول حينها فلنعد إلى الحوار والمفاوضات والبحث عن حلول قبل الوصول إلى هذه المرحلة”. هذا التصريح البابوي أغضب ترامب كثيرا، فردّ عليه واصفا إياه بأنه “سيئ للغاية”، كما وصفه بالضعيف أيضا.
ولكن الواضح أن تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير إيران ما لم ترضخ لمطالبه أثار انتقادات من جميع أنحاء العالم بل أثار أيضا قلق بعض مساعديه ومؤيديه. وليس مستبعدا أن تكون تلك التصريحات وردود الفعل عليها قد حسمت تاريخ ترامب السياسي، لأنه أصبح في مواجهة العالم وأحرج أمريكا، وكشف نوايا خطيرة تهدد أمن العالم وسلمه.
وقد تواصل السجال حول المواجهة العلنية بين ترامب والبابا، وطُرحت مقارنات بين دونالد ترامب وأدولف هتلر، من قبل بعض المؤرّخين والمعلّقين، على أساليب شعبوية مشتركة، مثل استخدام “عنف اللغة” في الخطابات، واستهداف الأقليّات، وتبنّي سرديات قومية متطرفة، واستغلال الآليات الديمقراطية للوصول إلى السلطة. فمن الناحية النظرية يُعتبر ترامب رئيسا منتخبا على رأس نظام “ديمقراطي”، ولذلك تكتسب كلماته أهميّتها. بينما البابا زعيم ديني انتخبته نخبة دينية معنيّة بذلك.
يُنتخب بابا الفاتيكان عبر مجمع الكرادلة المغلق، وهو اجتماع سرّيٌّ للغاية يعقده كرادلة الكنيسة الكاثوليكية (ممن هم دون سن الـ 80) في كنيسة سيستينا بالفاتيكان. ويتطلب الفوز أصوات أغلبية الثلثين، ويتم الاقتراع سرًّا، مع إعلان النتيجة بتصاعد دخان أبيض من مدخنة الكنيسة، بينما يشير الدخان الأسود إلى فشل التصويت.
في الأسبوع الاول من شهر مايو الماضي حدث انتخاب الكاردينال الأمريكي روبرت بريفوست، “البابا ليو الرابع عشر”، على رأس الكنيسة الكاثوليكية، ولقي ترحيبا عالميا وتفاؤلا بأن تسهم الكنيسة تحت قيادته في السلام والتفاهم في العالم، سيما وقد كانت أولى كلماته عن السلام.
وهنّأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب البابا ليو الرابع عشر عبر منصته “تروث سوشال”، قائلاً: “إنه لشرف كبير أن ندرك أنه أول بابا أمريكي. يا للحماسة ويا له من شرف عظيم لبلدنا!” وأضاف أنه يتطلع إلى لقاء البابا قريبًا. هذا الترحيب لا يعني إذعان الرئيس الأمريكي لقيادة البابا. فقد اختلف ترامب سابقًا مع البابا فرنسيس حول سياسات الهجرة، وجاء هذا التصريح بمثابة خطوة إيجابية نحو تحسين العلاقات بين واشنطن والفاتيكان. ولكن الواضح أن هناك صراعا عميقا بين ما يمثله ترامب من سياسة وقيم وممارسات يعتبرها الكثيرون خالية من المعايير الأخلاقية والقيم، وما يمثله البابا من مرجعية روحية لقرابة المليار ونصف من سكان الأرض، وقيم ومبادئ يُفترض أنها مكتسبة من حياة السيد المسيح عليه السلام.
كما تطرق السّجال إلى قضايا كبرى على رأسها النظام الديمقراطي الذي كثرت الدعوات لإعادة النظر فيه. وقبل أسبوع حذّر البابا ليو من خطر انزلاق الديمقراطيات إلى “استبداد الأغلبية”، وذلك في رسالة أصدرها الفاتيكان بعد يومين من هجوم الرئيس الأمريكي على رأس الكنيسة الكاثوليكية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكتب أوّل بابا أمريكي، في رسالة موجّهة إلى المشاركين في اجتماع بالفاتيكان بشأن استخدام السلطة في المجتمعات الديمقراطية، أن الديمقراطيات لا تبقى سليمة إلا إذا كانت متجذرة في القيم الأخلاقية. وخلال جولته الأسبوع الماضي التي شملت أربع دول أفريقية انتقد البابا الأجانب الذين “ينهبون” ثروات القارة الأفريقية، قائلا إنهم يسهمون في انتشار الفقر والتخلف.
وفي كلمة ألقاها في الكاميرون، قال البابا: “لقد حان الوقت، اليوم وليس غدًا، الآن وليس في المستقبل، لاستعادة الوحدة من خلال الجمع بين التنوع والثروة في البلاد (الكاميرون) والقارّة”. هذه التصريحات لا تنسجم مع النظام الإمبريالي الذي تمثله أمريكا خصوصا تحت رئاسة ترامب. ولذلك وُجّه المزيد من الانتقادات للبابا حول تصريحاته. فقال جيه دي فانس -نائب الرئيس الأمريكي الذي اعتنق الكاثوليكية في 2019- إنّ “البابا أخطأ عندما قال إن تلاميذ المسيح لا يقفون أبدًا إلى جانب أولئك الذين كانوا يسلّطون السيف في الماضي ويقذفون القنابل اليوم…، وإنّ من المهمّ جدًّا جدًّا أن يتوخى البابا الحذر عندما يتحدث عن مسائل لاهوتية”. لذلك أصبح واضحا وجود حالة استقطاب أيديولوجي وديني بين الفاتيكان وواشنطن، وهو ظاهرة مرشحة للاستمرار للسنوات الثلاث المقبلة التي سيظل ترامب خلالها رئيسا لأمريكا.
الواضح أن هناك صراعا عميقا بين ما يمثله ترامب من سياسة وقيم وممارسات يعتبرها الكثيرون خالية من المعايير الأخلاقية، وما يمثله البابا من مرجعية روحية لقرابة المليار ونصف من سكان الأرض
وازداد الغضب المسيحي تجاه ترامب بعد أن نشر صورة لنفسه يظهر فيها كأنّ “السيد المسيح” يعانقه، بينما عيناه مغمضتان، ويلامس جبينه جبين “السيد المسيح” وهو يقف في وضع مشابه. وفي الخلفية علمٌ أمريكي. وترافق المنشور الأصلي مع تعليق تضمن عبارة “ربما يستخدم الربُّ ورقته الرابحة!”. وأضاف ترامب في منشوره “قد لا يعجب هذا المجانين اليساريين المتطرفين، لكنني أعتقد أنه لطيف جدًّا”. ويتمتع ترامب بقاعدة كبيرة من الناخبين المسيحيين، بما في ذلك الكاثوليك. إلّا أن هذا القطاع لم يعترض بقوّة على ترامب. وانحصرت الاعتراضات ببعض التصريحات، ومنها ما قاله دوج هاي، المدير السابق للاتصالات في اللجنة الوطنية بالحزب الجمهوري، في مقابلة مع صحيفة ذا هيل: “إذا كنت مسيحيًا محافظًا، فلن يعجبك هذا”. مضيفًا: “لقد كنت من أشدّ المؤيدين لرئاسة ترامب لفترة طويلة، لكن هذا تجاوزٌ للحدود بالنسبة لك.
ونحن نعلم أنه يدرك ذلك لأنه حذف المنشور”. كما كتبت ميجان باشام، وهي صحفية مسيحية محافظة بارزة، في منشور على منصة التواصل الاجتماعي X، ردًّا على صورة ترامب: “لا أعرف ما إذا كان الرئيس يعتقد أنه كان مضحكاً أم أنه تحت تأثير مادة ما أو ما هو التفسير المحتمل الذي يمكن أن يقدمه لهذا الازدراء الفظيع”.
وجاء خلافه مع البابا ليو الرابع عشر الذي هو أول زعيم للكنيسة الكاثوليكية والمولود في الولايات المتحدة، ليضعف ما لديه من شعبية، خصوصا أن البابا ناقد صريح للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ولذلك يزداد السجال حول ترامب ورئاسته ونمط إدارته واستخفافه بالآخرين، وليس مستبعدا أن يصل الأمر إلى حد استجوابه في الكونغرس لتمهيد الطريق لعزله قبل انتهاء فترته الرئاسية.
وهكذا تتفاعل الأوضاع العالمية أيديولوجيًّا مشيرة لاحتمال حدوث تغيّرات في المسارات السياسية خصوصا لدى الزعماء الغربيين. ومن المؤكّد أن يتناول هذا التفاعل المقولات القديمة – الجديدة حول العلاقة بين الدّين والسياسة من جهة وبين المؤسسات الدينية الكبرى التي تمثل الأديان خصوصا المسيحية والإسلام، والأنظمة السياسية والحكومات من جهة ثانية.
إنها واحدة من الحقب التاريخية الصعبة التي تتطلب اهتماما وهدوءا وعقلا، وفوق ذلك كله، قيادات حكيمة ذات نزعات إنسانية حقيقية، بعيدة عن التنمّر ومشاعر التدمير والعدوان.
القدس العربي
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.