إلى أي مدى يتأثّر الاقتصاد العراقي بالحرب القائمة مع إيران؟

تتراوح صادرات إيران التجارية إلى العراق ما بين 3 إلى 4 مليار دولار مقتصرة على الخضار والفواكه وبعض الصناعات الأخرى- عربي21
في ظل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، تدور تساؤلات عدة بشأن مدى انعكاسها على الاقتصاد العراقي، الذي تشكل صادراته النفطية نحو 90 بالمئة من إيراداته المالية، إضافة إلى اعتماد البلد بشكل كبير على السلع المستوردة، والتي تصل مع الجانب الإيراني إلى 4 مليار دولار سنويًا.

ورغم إقبال المتسوقين على الأسواق المحلية، لكن الأسعار ما زالت على حالها دون أن يطرأ عليها أي تغيير بعد اندلاع الحرب، فيما تتركز خشية العراقيين على مدى التزام الحكومة في تأمين الرواتب، خصوصًا بعد إعلان إيران غلق مضيق هرمز الذي تمر منه صادرات العراق النفطية.

استقرار مشروط

وفي رصد أجرته "عربي21" للأسواق المحلية العراقية ومدى تأثرها بالحرب الدائرة في المنطقة، أكد عدد من أصحاب المحال التجارية أن السلع ما زالت متوفرة بشكل اعتيادي، إضافة إلى أن حركة التسوق تسير بشكل طبيعي، حتى مع ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الدينار العراقي.

وقال تاجر المواد الإنشائية والبناء في بغداد حامد الشمري لـ"عربي21" إن "الإقبال على المواد يسير بشكل اعتيادي ولم يتأثر، وهذا بالتأكيد يشير إلى استمرار حركة البناء في البلد، رغم ارتفاع أسعار البضائع قليلاً بسبب فرض الضرائب قبل اندلاع الحرب في المنطقة".

وأشار إلى أن "البضائع المستوردة التي تباع في الأسواق ما زالت متوفرة لاحتواء مخازن التجار على كميات كبيرة من السلع، بل إنها مكدسة، لذلك لن تتأثر على مدى أسبوع أو حتى شهرين، لكن إذا استمرت الحرب مدة أطول قد نشهد فقدان بعض المنتجات التي تأتي من الصين وبلدان أخرى عبر البحر".

من جهته، قال الخبير الاقتصادي حازم هادي لـ"عربي21" إن "السلع الاستهلاكية التي يستوردها العراق من إيران بالإمكان الاستعاضة عنها، لأنه ثمة مساحة كبيرة من البدائل في البلدان، لكن قرب البلدين يسهل التبادل التجاري، إضافة إلى التقارب بين الحكومتين في بغداد وطهران".

ولفت إلى أن "الخزين المتوفر لدى العراق من السلع والخدمات كبير جدا في الوقت الحالي، نظرا لكون الاستيراد كان مفتوحا بشكل كبير جدا من الأقطار المجاورة، وبالتالي فإن التأثير سيظهر ربما بعد 8 أشهر في حال استمرت الحرب في المنطقة".

وأكد هادي أن "الاقتصاد العالمي لا يحتمل استمرار الحرب لأن تكاليف الإنتاج سترتفع جراء ارتفاع أسعار الطاقة، وأن الكثير من الدول تعتمد على واردات النفط من منطقة الخليج العربي، وبالتالي انقطاعها سيؤثر بشكل كبير".

كما أوضح هادي أن "الأسواق العراقية اليوم تعج بوفرة البضائع ولا توجد شحة في أي من المواد الأساسية، وأن بعض الأسواق المدعمة من الدولة جرى تخفيض الأسعار فيها بنحو 10 إلى 15 بالمئة، وهذا يعطي اطمئنانا للمواطن للحصول على هذه السلع".

وجود خَزِّين كافٍ

على الصعيد ذاته، قال الخبير الاقتصادي ضرغام محمد علي، لـ"عربي21" إنه "بالنسبة للاستيرادات الخارجية، فإن العراق لديه اكتفاء ذاتي لسنة كاملة في المواد الغذائية الأساسية مثل الدقيق والزيت والرز والسكر، وأن وزارة التجارة لديها خزين يكفي طيلة هذه المدة".

أما عن الخضار والفواكه وغيرها من السلع التي يستوردها العراق من إيران، فإن هناك بدائل كثيرة خصوصًا من دول الجوار الأخرى، ذلك لا توجد أي ظروف تمنع البلد من الحصول على جميع احتياجاته من المواد الغذائية، لذلك لا توجد بوادر شُحّ في السوق، وفقًا للخبير.

وتابع محمد علي قائلاً: "العراق يعتمد بشكل ضئيل على إيران في استيراد مواده الغذائية، خصوصًا في ظل تعذّر نقل الأموال بسبب العقوبات الأمريكية إلى الجانب الإيراني، وهذا كان سببًا في تقليل اعتماد الجانب العراقي على إيران خلال السنوات الماضية".

وكشف الخبير أن "صادرات إيران التجارية للعراق تتراوح بين 3 إلى 4 مليار دولار، هذه تقتصر على الخضار والفواكه وبعض الصناعات الأخرى، ما عدا استيراد الغاز الذي يجري مبادلته بالنفط الأسود مع الجانب الإيراني.

وأكد محمد علي أنه "توجد في الوقت الحالي معامل إيرانية داخل العراق وتحديداً في إقليم كردستان لإنتاج الألبان، وذلك بعد تعذر نقل الأموال إليهم، لذلك العملية ليست استيرادية وإنما تدوير اقتصادي داخل البلد، إضافة إلى أن العراق يستورد مواد غذائية من تركيا والإمارات".
"تداعيات محتملة"

العراق يفتقر لمنافذ بديلة لتصدير النفط

على صعيد بيع النفط، قال الخبير الاقتصادي حازم هادي، إن "الحرب ستؤثر تأثيراً كبيراً على العراق لاحقاً، لكون تعاملاته بالدولار الأمريكي، ليتمكن من مواصلة سلسلة التوريد للمواد الأساسية، لكنه إذا تعرض لضائقة مالية فإنه يجب البحث عن البديل أو أنه يرفع الإنتاج الوطني لتغطية حاجة الأسواق المحلية".

وأشار إلى أن "تأثير الحرب إذا استمرت سينعكس سلباً على العراق، لأن نحو 90 بالمئة من واردات العراق تأتي من تصدير النفط، بالتالي فإن غلق مضيق هرمز تأثيره كبير على هذه الصادرات، نظراً لافتقار لمنافذ بديلة كافية للتصدير".

وأوضح هادي أن "المنافذ البديلة للصادرات النفطية طاقتها نحو 250 ألف برميل يومياً في حين يصدر العراق أكثر من 3.5 مليون برميل يومياً، لذلك فإن التأثير سيكون على الموجود النقدي من الدولار الذي يأتي من بيع النفط".

ونوه إلى أن "العراق لديه التزامات دولية وسداد قروض وخدمتها، إضافة إلى حجم رواتب الموظفين والمتقاعدين الضخم، بالتالي يتطلب إيجاد بدائل كبيرة وهذه من الصعوبة إيجادها في الظروف الحالية".

مخاوف من عدم تأمين الرواتب

من جهته، قال الخبير ضرغام محمد علي، إن "الصادرات النفطية العراقية في الحالات الاعتيادية يمكن أن تتوقف لمدة أربعة أيام في حال حصول أحوال جوية غير مستقرة في الخليج، بالتالي بالإمكان تعويضها في الأيام المقبلة".

وأردف: "لذلك لا يُتوقع أن يستمر إغلاق مضيق هرمز لفترات طويلة، إضافة إلى أنه ممكن إجراء تفاهمات ثنائية لعبور السفن العراقية من المضيق من دون التعرض لها، لكن المشكلة في شركات التأمين التي لن تغطي ذلك حتى لو كانت هناك تفاهمات ثنائية".

وتطرق محمد علي إلى أن "تخوف المجتمع العراقي من أن عرقلة صادرات النفط في مضيق هرمز يمكن أن تسبب أزمة في رواتب المواطنين، لكن الحكومة طمأنت الموظفين أن رواتبهم مؤمنة ولا توجد أي مشكلات".

وخلص إلى أن "أمام الحكومة خيارين لتمويل الرواتب: إما اقتراض داخلي أو إصدار نقدي جديد، لذلك لا نحتاج إلى الاحتياطي العراقي لدى البنك الفيدرالي الأمريكي لأنه بالدولار، وأن البنك المركزي العراقي لديه خزين من الدولار، ولدينا أرصدة كافية لتغطية الرواتب لمدة سنة كاملة".