خبير لـ"عربي21": رسوم الجمارك الجديدة أصابت تجار العراق بالصدمة وعطلت التوريد

قال النائب أمير المعموري قال إن الرسوم الجمركية الجديدة والضرائب أدت لتضرر 20 مليون عراقي ما بين عامل ومواطن وموظف- غرفة تجارة بغداد
تحول ملف الضرائب والجمارك في العراق من ورقة "إصلاح مالي" تمنع هدر المال العام وتنظم الجباية كما تعلن الحكومة، إلى أزمة اقتصادية واجتماعية مفتوحة منذ عدة أسابيع، مهددة تداعياتها باندلاع موجة غضب شعبي باتت بوادرها تلوح في الأفق.



ومع انطلاق العام 2026، بدأت الحكومة العراقية تطبيقًا شاملاً لقرارات جمركية استنادًا لقانون يعود لعام 2010، ورغم العمل بالنظام في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2025، وشمل سلعًا مثل السيارات والذهب والمجوهرات وأجهزة التبريد، بات اليوم إلزاميًا على جميع السلع والبضائع.

تفعيل بعد تأخير لسنوات

ولم تُطبق إجراءات التعرفة الجمركية فعليًا طوال السنوات الماضية، ولكن مع أزمة السيولة النقدية، بدأ البحث عن مصادر لتعزيز الإيرادات غير النفطية، وبموجبها فُرِضت رسوم ما بين 5 وصولًا إلى 30 في المئة، بعد أن كانت تُحصَّل سابقًا بنحو 2500 دولار للحاوية بغض النظر عن نوعية السلع وقيمتها.

وتغطي هذه النسب كامل سجل التعريفة الجمركية المؤلف من 99 فصلاً يضم نحو 16.4 ألف بند جمركي، وهي بنود معتمدة عالميًا، إلا أن عدم وضوح بعض بياناتها تسبب برفع أسعار سلع أخرى أكثر من النسب المفروضة عليها.

وتسعى الحكومة لرفع واردات الجمارك بنحو أربعة أضعاف، ولكن على ما يبدو أن فرض ضرائب ثقيلة على المواطن جاء لتأمين النفقات وسط حديث عن وجود عجز مالي لتسديد الرواتب، بحسب النائب عامر عبد الجبار.
 

 

قرار يصطدم برفض سياسي وشعبي

قال النائب أمير المعموري إن الرسوم الجمركية الجديدة والضرائب أدت لتضرر 20 مليون عراقي ما بين عامل ومواطن وموظف، حيث تم غلق المحال التجارية والصناعية والشركات والمشاريع وتسريح العمال، مع زيادة ملحوظة في أسعار المواد الأساسية في الأسواق.


 

سلبيات رافقت تطبيق نظام الجمركة الجديد

ويقول مختصون اقتصاديون إنه كان يفترض تنفيذ نظام التعرفة الجمركية عبر مراحل زمنية من قبل الحكومة، منتقدين الإجراءات الحالية بالنظر إلى أن القطاع الخاص غير مهيأ لسد فراغ السلع الخاضعة للطلب والتي سيتوقف استيرادها.

المستشار الاقتصادي زياد الهاشمي، وفي تصريح خاص لـ"عربي21"، أكد أن هناك الكثير من السلبيات التي شابت تطبيق نظام الجمركة الجديد، خاصة وأن العمل به تم تحديده خلال يوم واحد ما تسبب بنوع من الصدمة للقطاع الاقتصادي، حيث لم يكن هناك استعداد كافٍ من قبل التجار للتكيف معه.

وأضاف أن التغير المفاجئ من النظام السابق الذي كان فيه الكثير من المرونة في عملية تحريك واستيراد البضائع، لربما كان العامل الأبرز الذي استفز التجار، إضافة إلى الرسوم التي عدوها غير عادلة والتي ستكلفهم مبالغ طائلة تكاد تخلو من الأرباح عند استيرادهم للبضائع.

وحذر الهاشمي من أن استمرار إضراب التجار إلى فترات أطول رفضًا للرسوم الجمركية، سيعرقل جني العوائد وتأمين الحكومة للنفقات والمصاريف العامة بسبب شحة السيولة النقدية، وبالتالي فإن الكرة باتت في ملعب الحكومة للتحرك وإبداء المرونة اللازمة ومعالجة الأخطاء.

وأعلن اتحاد الغرف التجارية وغرفة تجارة بغداد، الاثنين، إغلاق أبوابها حتى إشعار آخر، احتجاجاً على الزيادة في التعرفة الجمركية، وتضامناً مع التجار.



من جهته، أفاد الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، بأن نظام "الأسيكودا" الذي تطبقه الحكومة العراقية تسبب بانخفاض التعاملات التجارية وتراجع الإيرادات المتحققة من الجمرك في البلاد، بعد تردي الواقع الاقتصادي جراء تطبيق التعرفة الجمركية.

وقال المرسومي في منشور له، إن النشاط التجاري في العراق حالياً هو الأكثر أهمية، إذ هناك أكثر من 350 ألف منشأة تجارية، وأكثر من مليون تاجر يتعاملون بسلع مستوردة ومحلية بعشرات المليارات من الدولارات، ويشغلون ملايين الأيدي العاملة.



وأضاف أنه حسب المعلومات الرسمية، فقد انخفضت المعاملات التجارية للعراق مع العالم الخارجي إلى النصف، وإلى خسائر كبيرة للتجار وللحكومة، حيث تراجعت الإيرادات الجمركية في شهر كانون الثاني/يناير الماضي بمقدار 71 مليار دينار بالمقارنة مع الأشهر التي سبقته.
 

تكدّس الحاويات في الموانئ

يصف رئيس مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية منار العبيدي، بأن الوضع في العراق لم يعد في مرحلة التحذير أو الاستشراف، بل في "قلب العاصفة ذاتها"، موضحًا أنّ ما يحدث الآن يشبه "دوّامة إعصار حقيقي"، خرجت فيه الأمور عن السيطرة، وأدخلت البلاد فعلًا في مرحلة جديدة من الخطر.

الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، قال إنه لا اعتراض لدى التجار على تنفيذ نظام الحوكمة، وجل مطالبهم تنحصر في مسألة إعادة النظر بمقدار التعريفات المفروضة وضرورة مراجعتها وتقليلها وتقديم جداول جديدة تساعد المستوردين على إدامة حركتهم التجارية.

وأكد الهاشمي أن حال إصرار الحكومة على تطبيق نظامها الجديد، فسيخلق نوعاً من الاختلال في سلاسل التوريد التي تدخل إلى العراق، ونرى ذلك من خلال توقف العديد من التجار عن تخليص بضائعهم، وهو ما تسبب بتكدس الحاويات في الموانئ العراقية.
 


ارتفاع أسعار السلع الأساسية

الهاشمي وثّق ارتفاع أسعار السلع في العراق بعد تسجيل شُحّ في الكثير من المنتجات والبضائع داخل الأسواق بسبب تعثر انسيابية التوريد المتحركة، وهو ما انعكس سلبًا على المواطن العراقي الذي يعاني أساسًا من قدرة شرائية ضعيفة، وهي أزمة جاءت بالتزامن مع قرب دخول شهر رمضان.

وأوضح الخبير الهاشمي أن الحل الأمثل للأزمة حاليًا هو إعطاء مهلة للتجار، أو تصنيف السلع والبضائع إلى فئات وبدء التنفيذ بشكل متدرج خلال 8 أشهر أو حتى سنة إلى تطبيق كامل للبرنامج دون أن يسبب صدمة مباشرة على القطاع التجاري وعلى الاقتصاد العراقي.

شمول منافذ إقليم كردستان العراق

ومن المقرر أن يسري القرار الاتحادي على إقليم كردستان العراق، وهو ما دفع غرفة تجارة وصناعة محافظة دهوك إلى إطلاق تحذيرات من تداعيات اقتصادية وصفتها بـ"الكبيرة"، تنعكس سلبًا على سلع مستوردة ومنها اللحوم والأسماك والشاي والمواد الاستهلاكية اليومية الأخرى.

وقال رئيس الغرفة شكري جميل، إن قرارات الزيادة هذه دخلت حيز التنفيذ منذ بداية العام الحالي بنسب تصل إلى 30 في المئة بعد أن كانت واحد في المئة، مشيرًا إلى أن الشركات والتجار في الإقليم باتوا يعانون من صعوبة إدخال البضائع عبر منفذ إبراهيم الخليل مع تركيا إلى باقي المحافظات العراقية.

وهنا، أكد الخبير زياد الهاشمي على ضرورة دخول الحكومة في مفاوضات مع سلطات إقليم كردستان لإخضاع المنافذ الحدودية شمال العراق للبرنامج الجديد، وإلا فسيجد التجار منافذ أخرى لتوريد بضائعهم بطريقة لن تتمكن الحكومة من استحصال العائدات وتنويع مصادر دخلها. 

وبالتالي، فالأسئلة التي يتداولها الشارع اليوم لا تتعلق فقط بـ"كم" سيُدفَع من رسوم، بل بـ"مَن" سيدفع، و"لصالح مَن" تُفرض هذه الأعباء، وهل يجوز أصلًا الحديث عن "إصلاح اقتصادي" في بنية سياسية ومالية ما زالت تجامل الفاسدين، بينما يُطلب من المواطن والتاجر تحمّل كلفة التصحيح وفقًا لما يؤكده رئيس غرفة تجارة بغداد.