قال أستاذ العلوم السياسية وكبير الباحثين في مبادرة الجسر (ذا بريدج)،
بجامعة جورج تاون في واشنطن، الدكتور
فريد حافظ، إن العدوان الإسرائيلي على غزة شكّل
لحظة فارقة داخل المجتمعات الأوروبية، حيث أسهم في تسريع صعود
الإسلاموفوبيا وإعادة
تشكيل النقاش العام حول المسلمين، في ظل ما وصفه بفشل حكومات أوروبية في إدانة سقوط
أعداد هائلة من المدنيين أو الدفاع عن مبادئ القانون الدولي.
وأضاف، في مقابلة مصوّرة مع "عربي21"، أن "
حرب غزة أثّرت
بعمق في الوسط الأكاديمي الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بحرية البحث والتعبير في القضايا
المرتبطة بفلسطين والإسلاموفوبيا"، موضحا أن "العديد من الدول شهدت تجريم
التعبير والرموز، وفرض حظر على التجمعات، وإلغاء دعوات أكاديميين، وحرمان بعضهم من
الجوائز، ومنع آخرين من دخول دول أوروبية، وهو ما شكّل وسيلة ترهيب هدفت إلى قمع الاحتجاجات
الرافضة للإبادة الجماعية بحق سكان غزة".
ونوّه حافظ إلى أن موقف
الإمارات من الإسلاموفوبيا في الغرب يرجع إلى
هدفها في "إضفاء شرعية داخل الفضاء الغربي على حملتها ضد المعارضة الإسلامية
داخل البلاد؛ إذ تسعى العائلة الحاكمة إلى حماية سلطتها، وعندما تشعر بتهديد من حركات
إسلامية، فإنها تتحرك لملاحقتها أو احتوائها".
وتاليا نص المقابلة الخاصة
مع "عربي21":
إلى أي مدى أسهم العدوان الإسرائيلي على غزة
في تسريع صعود الإسلاموفوبيا داخل المجتمعات الأوروبية؟
الإبادة الجماعية في غزة كانت السياق المهيمن الذي شكّل ملامح الإسلاموفوبيا
طوال عام 2024 وصولا إلى عام 2025، وأودّ القول إن الحكومات الأوروبية فشلت إلى حد
كبير في إدانة سقوط أعداد هائلة من المدنيين، أو في الدفاع عن مبادئ القانون الدولي.
وبدلا من ذلك، لم تكتف العديد من الدول بالوقوف إلى جانب إسرائيل فيما
وُصف بـ"الحرب بين الظلام والنور" أو "بين الهمجية والحضارة"،
وفق تعبير بنيامين نتنياهو، بل مضت أيضا إلى تجريم حرية التعبير، وحظر المظاهرات والاحتجاجات،
وإخضاع النشطاء – ليس المسلمين فقط بل العديد من اليهود أيضا – للمراقبة والترهيب والملاحقة
القضائية.
وإذا نظرنا إلى النقاش العام، نجد أنه طغى عليه استقطاب حاد، حيث تُنزع
الشرعية عن أصوات المسلمين أو يُنظر إليهم من خلال عدسة الشك والارتياب.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك أحداث الشغب في أمستردام، التي جسّدت بوضوح
كيف جرى تضخيم بعض السرديات السياسية المضلّلة والأكاذيب الصادرة عن دولة إسرائيل في
وسائل الإعلام الكبرى، واستخدامها لخلط حركة التضامن المناهضة للحرب بالتطرف.
وبصورة عامة، أسهم هذا المناخ في تشجيع الحركات اليمينية المتطرفة، كما
دفع أحزاب الوسط إلى تبني خطاب أمني إقصائي يستهدف الجاليات المسلمة.
كيف أعادت الإسلاموفوبيا
تشكيل مفهوم المواطنة لدى المسلمين في أوروبا خلال العقدين الماضيين؟
منذ بداية ما سُمّي بـ"الحرب العالمية على الإرهاب"، أصبحت مفاهيم
المواطنة أقل استقرارا إلى حد كبير؛ فقد جرى احتجاز
مواطنين من دول غربية في معتقل خليج غوانتانامو، كما تم تجريد أشخاص يحملون جنسيات
مزدوجة من جنسياتهم الغربية بسبب عضوياتهم في جمعيات خاضعة للرقابة، إلى غير ذلك من
الإجراءات الاستثنائية.
ويمكن الإشارة إلى أحد أكثر الأمثلة وضوحا، وهو حالة معروفة قُتل فيها
مواطنون لإحدى الدول بواسطة طائرات مسيّرة تابعة لدولتهم نفسها، وتُظهر هذه الأمثلة مجتمعةً أن أنماط المواطنة المرتبطة بالهوية العرقية
لا توفر مستوى الحماية ذاته الذي يحظى به المجتمع المهيمن.
هل هناك صراع سياسي وثقافي
داخل أوروبا حول كيفية التعامل مع الجاليات المسلمة؟ وهل تعاني أوروبا أزمة هوية
حضارية تنعكس على علاقتها مع المسلمين؟
أولا وقبل كل شيء، أنا لا أؤمن فعليا بخطاب الصراع الحضاري. ومع ذلك، يمكن
القول إن هناك توترا قائما داخل المجتمعات الأوروبية بين أطراف تُمثل التنوع والتعدد
العرقي والديني والانفتاح، وأطراف أخرى تسعى إلى تعزيز ما أسمّيه "
أوروبا ذات
القومية البيضاء"، وهذه النزعة القومية
البيضاء في أوروبا قد تتخذ طابعا دينيا، كما في حالة القومية المسيحية، وقد تتخذ أيضا
طابعا علمانيا ضمن ما أصفه بـ"أصوليي التنوير". أما المجموعة الأولى، فهي شديدة التنظيم، ويمكن القول
إنها تعبّر في كثير من الأحيان عن جمهور واسع، في مقابل أجزاء كبيرة من المؤسسات المنظمة.
كيف أثرت حرب غزة على الوسط
الأكاديمي الأوروبي خاصة فيما يتعلق بحرية البحث والتعبير في القضايا المتعلقة
بفلسطين والإسلاموفوبيا؟
أعتقد أولا أننا شهدنا في العديد من الدول تجريم التعبير والرموز، وحظر
التجمعات، وهو ما شكّل، بطريقة أو بأخرى، وسيلة ترهيب هدفت إلى قمع الاحتجاجات
الرافضة للإبادة الجماعية بحق سكان غزة.
وقد انعكس هذا أيضا في المجال الأكاديمي؛ إذ رأينا إلغاء دعوات عدد من
الأكاديميين، وحرمان بعضهم من الجوائز، إلى جانب منع آخرين من دخول دول أوروبية.
وباختصار، يمكن القول إن ما حدث تمثّل في تجريم أشخاص تجرأوا على قول الحقيقة
في وجه السلطات. وغالبا ما تُرفض الإجراءات التي تتخذها الشرطة أو النظام القضائي لاحقا
ويُقضى بعدم قانونيتها. ومع ذلك، ورغم أهمية هذه الانتصارات القانونية، فإن الأهم هو
أن الدول القومية تستمر في استخدام مثل هذه الإجراءات لترهيب النشطاء، ووقفهم لفترات
وجيزة، وتعطيل أنشطتهم، بما يرسّخ في النهاية صورة الجهة التي تملك اليد العليا.
هل تعتقد أن الإسلاموفوبيا
في أوروبا ظاهرة اجتماعية أم مشروع سياسي مؤسسي؟ وهل أصبح ملف المسلمين ورقة
سياسية داخل التنافس الحزبي الأوروبي؟
يمكن تعريف الإسلاموفوبيا بوصفها ممارسة مؤسسية، كما يتجلّى في دول سارعت
إلى إضفاء طابع مؤسسي عليها، مثل النمسا وفرنسا، وهي أيضا ديناميكية اجتماعية تحدد
مَن ينتمي ومَن لا ينتمي.
كما أنها ترسم حدود مَن يمكنه أن يكون جزءا من المجتمع وأن يستفيد من موارده
بالمستوى ذاته الذي يحظى به أولئك الذين يُنظر إليهم باعتبارهم جزءا طبيعيا من ذلك
المجتمع.
وأعتقد أن ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار هنا هو أن مفهوم "العرق الأبيض"
يلعب، في السياق الأوروبي على وجه الخصوص، دورا محوريا للغاية؛ إذ تسود فكرة مفادها
أن السكان الأصليين يتمتعون، بطريقة أو بأخرى، بامتياز على المهاجرين غير البيض، وهذه
الفكرة تستغلها العديد من الأحزاب السياسية، وليس الأحزاب اليمينية المتطرفة فحسب؛ فاليمين يوظفها ربما بأبشع الطرق الممكنة، لكن كثيرا من الأحزاب التي تُصنّف
ضمن تيار الوسط لا تختلف عنها اختلافا جوهريا.
هل التغطية الإعلامية
الأوروبية للعدوان الذي شنّته إسرائيل على غزة ساهمت في ترسيخ صور نمطية سلبية
تجاه الجاليات المسلمة والعربية؟
أعتقد أن الملاحظة الأهم هي أن تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم يرتبط ارتباطا
وثيقا بتجريد المسلمين من إنسانيتهم؛ فالرأي العام الأوروبي
ينظر، على نطاق واسع، إلى الفلسطينيين بوصفهم مسلمين، رغم الوجود المعروف لعدد كبير
من المسيحيين بينهم. كما تركّز وسائل الإعلام، في الغالب، على أن حركة حماس هي التي
شنّت الهجوم، لا على مجمل فصائل المقاومة الفلسطينية، بما في ذلك الفصائل التي لا تحمل
خلفية إسلامية، وهو ما يقدّم الحدث وكأنه هجوم نفذه فصيل ديني بالأساس.
وهذا المزج بين صورة الفلسطيني وصورة المسلم يسهّل ترسيخ تصور مفاده أن
الضحايا لا تُمنح حياتهم القيمة الإنسانية ذاتها، على نحو يشبه الاستخفاف بحياة المسلمين.
وبمعنى آخر، فإن ما برز في بعض دوائر الرأي العام الأوروبي هو قابلية متزايدة
لتقبّل سقوط عشرات الآلاف من الضحايا في سياق الإبادة الجماعية في فلسطين، على نحو
يعكس، في الوقت ذاته، استخفافا أوسع بقيمة حياة المسلمين، بما في ذلك داخل أوروبا.
كيف تقيّم دور الإمارات العربية المتحدة فيما يتعلق بمسألة
الإسلاموفوبيا؟ وهل تنفق أموالا كثيرا في هذا الصدد؟
كما رأينا فيما
عُرف بـ"أسرار أبوظبي"، التي كشف عنها عدد من الصحفيين الاستقصائيين في أوروبا
والولايات المتحدة، دفعت الإمارات العربية المتحدة عشرات الملايين لشركة التحقيقات
الخاصة السويسرية Alp Services، التي
صمّمت حملة تشويه واسعة في أنحاء أوروبا استهدفت المسلمين وحلفاءهم ممن يدافعون عن
مجتمع منفتح.
وبالنسبة للإمارات،
فإن الهدف من ذلك – في تقديري – يتمثّل في إضفاء شرعية، داخل الفضاء الغربي، على حملتها
الداخلية ضد المعارضة الإسلامية. وتُعد النمسا مثالا من بين عدة أمثلة، حيث جرت محاولات
لترويج هذه السردية لدى عدد من السياسيين القابلين للتأثر بالتمويل. ورغم أن تلك المساعي
لم تحقق نجاحا كاملا، فإن الجهات المعنية ما تزال تسعى إلى إظهارها كما لو أنها حققت
اختراقا فعليا.
برأيكم،
لماذا تبنت الإمارات العربية المتحدة موقفا عدائيا ثابتا تجاه مختلف الحركات الإسلامية؟
لقد صادفت عدة تفسيرات
لهذا الموقف. أحدها يقول إن القيادة في الإمارات العربية المتحدة تحمل عداءً شديدا
تجاه الإسلام بحد ذاته، لكنني بصراحة أجد صعوبة في تقبّل هذا الطرح بصيغته التعميمية.
أما التفسير الآخر،
فيربط المسألة بملاحقة المعارضة الإسلامية الداخلية، وهو تفسير يبدو أكثر منطقية؛ إذ
تسعى العائلة الحاكمة إلى حماية سلطتها، وعندما تشعر بتهديد من حركات إسلامية، فإنها
تتحرك لاحتوائها أو ملاحقتها.
التفسير الثالث
يتمثل في أن الإمارات أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بإسرائيل إلى درجة قد تجعل من الصعب عليها
فك هذا الارتباط، حتى لو رغبت في ذلك. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن دعم الإسلاموفوبيا
لا يعني بالضرورة رفض كل ما هو مسلم؛ إذ يظل هناك دائما مجال لقبول ما يُسمّى بـ"المسلمين
الجيدين" أو "المروّضين" الذين يعيشون ضمن أنظمة قمعية – سواء في إسرائيل
نفسها أو في الإمارات أو في غيرهما – ويدافعون عن الوضع القائم الذي يستفيدون منه،
من دون أن يتصدّوا للظلم. هؤلاء غالبا ما يُقبلون داخل هياكل السلطة المختلفة.
وفي هذا السياق،
لا تعني الإسلاموفوبيا بالضرورة عداءً مطلقا لكل ما هو مسلم، بقدر ما تعبّر، في جوهرها،
عن موقف سياسي من قضايا السلطة والعدالة والظلم، وهذا هو جوهر المسألة.