يواصل الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد
الأقصى المبارك لليوم السابع والثلاثين على التوالي، وكانت الجمعة الماضية هي التاسعة التي تمر دون صلاة فيه، متذرعًا بالأوضاع الأمنية لإغلاقه.
وخرجت مظاهرات في عدة دول عربية وإسلامية، حثّ فيها المتظاهرون الحكومات والنخب وعلماء الدين على التحرك لإنقاذ المسجد الأقصى ونصرته، خاصة في ظل تزايد الدعوات الإسرائيلية لهدمه وبناء الهيكل المزعوم.
وللحديث عن دور العلماء وما المطلوب منهم، التقت "عربي21" برئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور علي محيي الدين
القره داغي، الذي أكد أن "الاتحاد عقد مؤتمرات وسيعقد غيرها لأجل قضية الأقصى".
كما حثّ القره داغي "الأمة، وخاصة الحكام والعلماء، على القيام بدورهم وواجبهم تجاه المسجد الأقصى".
وأكد أن "الإدانات الرسمية جيدة، وهي جزء من الرفض، لكن لا يجب الاكتفاء بها، بل يجب استخدام جميع الوسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية للضغط على الاحتلال".
وتاليًا نص الحوار كاملًا:
طالبتَ في بيان سابق الأمة الإسلامية بالتحرك ضد قرار إغلاق المسجد الأقصى، لكن ماذا سيفعل العلماء، سواء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أو من هم خارج إطاره؟ وما هو دورهم؟
في البداية، أود أن أقدم شكري للوسائل الإعلامية الجيدة التي تقف مع قضايا الأمة، مثل "عربي21" و"الجزيرة" وغيرهما؛ فالشكر والتقدير لهم، وهذا أيضًا واجبهم، فالإعلام سلاح قوي في خدمة القضايا. فبارك الله في كل من يستعمل هذا السلاح لخدمة قضايا الأمة والنهوض بها.
يسعى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بكل قدراته وطاقاته، إلى الوقوف مع قضايا الأمة، ولم يتخلَّ، والحمد لله، منذ تأسيسه في عهد شيخنا القرضاوي، وحتى يومنا هذا، عن قضايا الأمة في أي مكان.
ومن المؤتمرات التي سيعقدها الاتحاد مؤتمرٌ سيكون هذا الأسبوع، يوم الأحد إن شاء الله، تحت عنوان "الأقصى يستغيث"، وستنظمه لجنة القدس وفلسطين التابعة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
كما سيُعقد مؤتمرٌ آخر قريبًا، إن شاء الله، على مستوى أوسع بكثير، وهكذا نحاول بشتى الوسائل، بما لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
المسجد الأقصى قبلتنا الأولى، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكان إمامته بالأنبياء، ومحل عروجه إلى السماء، وهو في الأرض المباركة؛ ولذلك له ميزات لا توجد في غيره، ما عدا المسجدين: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.
بناءً على ذلك، نحن نتابع القضية بقوة، ووجدنا أن الصهاينة، بصراحة، يريدون الوصول إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه؛ وبناءً على ذلك وجهنا نداء إغاثة، وقلنا إن الأقصى يستغيث، ونحن نستغيث.
ونطالب أمتنا، بكل ما تعني الكلمة، حكامًا أن يقوموا بواجبهم، وعلماء أن يقوموا بواجبهم.
وسؤالكم حول دور العلماء، وبخاصة الاتحاد، نحن كما قلت دائمًا ننبه ونحذر الأمة من مخاطر العدوان والاعتداء على المسجد الأقصى وعلى القدس، في كل المناسبات، فـ"ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين".
كما ندعو أمتنا إلى التظاهر، وقد نلقى استجابة، وبخاصة في غير العالم العربي، مع الأسف الشديد؛ في باكستان وإندونيسيا وماليزيا وتركيا، إذ يستجيبون لنا. كذلك ندعو خطباء الأمة الإسلامية لإثارة هذا الموضوع على مستوى المنابر.
ونحن، الحمد لله، في الاتحاد لدينا عشرات الآلاف من العلماء، وأكثر من 64 جمعية علمائية، وبعض هذه الجمعيات تضم عشرات الآلاف من العلماء، ونسعى من خلال هذه الجهود إلى دفع الأمة للحركة الدائبة المستمرة التي تؤثر في قرارات أصحاب القرار، سواء على مستوى دولنا الإسلامية أو على مستوى العالم.
نحن، بصراحة، لسنا جهة عسكرية ولا جهة سياسية، وإنما جهة علمائية؛ دورنا البيان والتوجيه والإنذار، وإقامة الندوات والمؤتمرات. وفعلاً، قمنا ونقوم بعدد كبير من المؤتمرات، وتقريبًا لا يمر وقت إلا وعقدنا مؤتمرًا، وجمعنا العلماء وكذلك المفكرين والمصلحين حول هذه المسألة.
هذا ما نستطيع أن نفعله، وقد فعلناه. وبالمناسبة، قد يكون لهذه الجهود دور وتأثير؛ ففي قضية غزة، حينما عقدنا مؤتمرًا كبيرًا في إسطنبول لمدة ثمانية أيام، وكانت هناك ورش عمل يومية، وكانت النتائج تُنشر أولًا بأول.
وبدأنا المؤتمر في جامع السلطان أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، واختتمناه في جامع آيا صوفيا، ثم قابلنا فخامة الرئيس أردوغان، حفظه الله، وعرضنا عليه ما تم التوصل إليه، فقال: "أنا أتابعكم خطوة بخطوة"، وفرحنا بذلك.
ولما قدمنا له مشروعًا بأن يقوم بجمع الدول المؤثرة على أمريكا، مثل تركيا وقطر والسعودية وباكستان وإندونيسيا وماليزيا والأردن ومصر، ثم يطلبون مباشرة من ترامب وقف هذا العدوان، وإلا ستترتب على ذلك نتائج خطيرة على مصالحكم ومصالحنا.
وقال فخامة الرئيس أردوغان فورًا: "هذا مشروع، ومن الآن أنا أتبناه وأوجه وزير الخارجية بترتيب الأمر"، وفعلاً جزاه الله خيرًا قام بترتيب الاجتماع، وكان له تأثير في إيقاف العدوان، وإن لم يكن بالشكل المطلوب، لكن الحمد لله توقف العدوان مؤقتًا، والآن سُمح، على الأقل، بإدخال المساعدات إلى غزة.
في الحقيقة، بعض قادتنا يستمعون إلى كلام العلماء، الذي يندرج ضمن دائرة النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
هل هناك خطوات عملية يمكن للعلماء القيام بها إزاء هذا التصعيد الخطير؟
نعم، هناك خطوات عملية قمنا بها، ومن أهمها المظاهرات، وحث الناس على التظاهر أمام السفارات والمؤسسات الدولية، وقد شارك في هذه المظاهرات بعض أعضاء الاتحاد.
ومن هذه الخطوات أيضًا مشاركة بعض أعضاء الاتحاد في السفن التي اتجهت لكسر الحصار على غزة، إضافة إلى حث الخطباء على تناول هذه القضية في خطبهم، وقد استجابوا لذلك.
بالإضافة إلى المؤتمرات والندوات واللقاءات مع قادة الأمة والمسؤولين، وأنا سافرت إلى بعض البلدان لأجل هذه المسألة، وقابلت عددًا من كبار المسؤولين بشأنها.
هل يمكن أن يصدر الاتحاد فتوى حول القرارات الإسرائيلية تجاه المسجد الأقصى؟
لدى الاتحاد لجنة تُسمى لجنة الاجتهاد والفتوى، وقد عُرضت هذه المسألة عليها عدة مرات، وأصدرت فيها فتاوى سابقة قوية جدًا، حتى إن بعضها وصل إلى حد دعوة المسلمين إلى النفير العام لإنقاذ المسجد الأقصى.
وسوف تناقش اللجنة هذه القضية مرة أخرى في ظل إغلاق المسجد الأقصى. ونحن لن نبخل بأي من إمكانياتنا، خاصة ما يتعلق بالفتاوى والمؤتمرات، في سبيل قضيتنا الأولى، وبشكل خاص المسجد الأقصى.
برأيك، هل إدانات الحكومات العربية كافية؟ وما المطلوب منها؟
الإدانات هي جزء من الرفض، وهذا أمر جيد. بعض الإخوة يستهينون بها، وهذا خطأ، لأن الإدانة تعبير عن الرفض، خاصة أن هناك دولًا لا تقوم حتى بالإدانة، بل إن بعض الجهات تصمت أو تؤيد الطرف الآخر.
لكن لا يمكن الاكتفاء بالإدانة؛ فهي قد تصدر عن جهات مدنية، أما الحكومات فدورها لا يقتصر على ذلك، بل يشمل التحرك العملي دوليًا وسياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
وأقصد بالاقتصاد استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، وأن تستعمل الحكومات جميع إمكانياتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للضغط على دولة الاحتلال والدول الداعمة لها.
فمثلًا، تستطيع الولايات المتحدة التأثير في إسرائيل، وكذلك أوروبا؛ وبالتالي لا بد من استغلال هذه الأوراق المتاحة لدى الحكومات العربية والإسلامية. وإذا لم تُستخدم هذه الأوراق لأجل المسجد الأقصى، قبلتنا الأولى، فَلأي شيء آخر ستُستخدم؟
ما كلمتك الأخيرة للأمة الإسلامية؟
كلمتي هي الدعوة إلى الوحدة والعودة إلى المرجعية الإسلامية؛ فبدون الوحدة سيكون الفشل، كما قال تعالى: "ولا تنازعوا فتفشلوا".
كما يجب أن تكون وحدتنا قائمة على الإسلام الذي أعزنا الله به، وكما قال عمر بن الخطاب: "نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله".
لقد جربنا، خلال مئة عام بعد سقوط الدولة العثمانية، مختلف المشاريع والأفكار، من الرأسمالية والليبرالية إلى الشيوعية والاشتراكية، ولم ننجح؛ فلماذا لا نعود إلى التجربة التي صنعت "خير أمة أخرجت للناس"، وهي تجربة الإسلام؟