وزير الزراعة السوري لـ"عربي21": وضعنا حجر أساس نهضة زراعية شاملة

وزير الزراعة أكد أن سوريا باتت قادرة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المانحين لتقديم خططها بثقة أكبر- عربي21
قال وزير الزراعة السوري، أمجد بدر، إن "الحكومة خلال عامها الأول نجحت في وضع حجر الأساس لنهضة زراعية شاملة من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للزراعة، بالتشاور مع الشركاء المحليين والدوليين، مما وفر رؤية واضحة وخارطة طريق محددة تنقل القطاع من التدخلات الإسعافية إلى التعافي المستدام".

وأكد، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "هذه الخطة (الاستراتيجية الوطنية للزراعة) تهدف إلى إعادة تفعيل دور القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني واستعادة مكانته كأحد أهم محركات النمو والتنمية في البلاد، وتسعى إلى رفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي بعد التراجع الذي شهده خلال السنوات الماضية، حيث انخفضت مساهمته من نحو 27% إلى 12.3%، ونستهدف رفع هذه النسبة إلى نحو 16%".

وخلال شهر شباط/ فبراير الماضي، أطلقت وزارة الزراعة استراتيجيتها الوطنية (2026–2030)، في خطوة ترسم خارطة طريق متكاملة لتمكين القطاع الزراعي من استعادة دوره الحيوي في تحقيق الأمن الغذائي، ودعم النمو الاقتصادي، والإسهام في رفع الناتج المحلي الإجمالي، وتعزيز التنمية المستدامة، وتحسين كفاءة الاستثمار، وزيادة المخزون الاستراتيجي من المحاصيل الغذائية الرئيسة.

وجرى الإعلان عن تلك الاستراتيجية، بمشاركة وزارتي الخارجية والمغتربين السورية، والخارجية والتنمية البريطانية (FCDO)، ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، وبرعاية الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، بما يعكس توجها نحو تعزيز الشراكات الوطنية والدولية، لدعم مسار تعافي القطاع الزراعي.

ولفت الوزير بدر إلى أن مشاركتهم في المنتدى العالمي للأغذية والزراعة في العاصمة الألمانية برلين 2026 شكّلت "عودة سوريا إلى الساحة الدولية، مما فتح قنوات تمويلية جديدة مع الأمم المتحدة والمصارف الدولية""، منوها إلى أن "المنظمات الدولية تؤكد على تحويل الدعم من المساعدات الغذائية الطارئة إلى تنمية مستدامة بقيادة سوريا، مع التركيز على تمكين المرأة الريفية والشباب عبر التدريب ومنح ريادة الأعمال".

وأوضح أنه "بعد رفع العقوبات الدولية والقيود المالية عن سوريا باتت الوزارة قادرة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المانحين لتقديم خططها بثقة أكبر، وأصبح الطريق ممهدا أمام التمويل الدولي كما لم يكن من قبل، مع بقاء النجاح مرهونا بقدرتها على تأمين التمويل الكافي، وإقناع المانحين بجدوى المشاريع، وإيجاد آليات ذكية لتأمين المواد الأولية بتكلفة معقولة".

وذكر بدر أن "القطاع الزراعي السوري يواجه فجوة غذائية واسعة نتيجة سنوات الحرب والجفاف"، موضحا أن "الإنتاج الزراعي تراجع من نحو 18 مليون طن سنويا قبل الأزمة إلى نحو 13 مليون طن حاليا، بينما تستهدف الاستراتيجية الجديدة تقليص هذه الفجوة وتعزيز الأمن الغذائي، خصوصا عبر رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى نحو 75% بحلول عام 2030".

وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

ذكرتم أن الاستراتيجية الزراعية تهدف إلى رفع مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي.. فهل هناك مُستهدف رقمي مُحدد لهذه الزيادة؟ وما هي القطاعات الفرعية (نباتي، حيواني، صناعات غذائية) التي ستقود هذا النمو؟


من الأهداف الاستراتيجية الرئيسية التي نعمل على تحقيقها هو تعزيز مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي، وقد اعتمدنا في تصميم برامجنا الاستراتيجية وخططنا التنفيذية على مقاربة متكاملة تهدف إلى تحقيق هذا الهدف بالتزامن مع مجموعة من الأهداف الاستراتيجية الأخرى.

نسعى من خلال هذه الرؤية المتكاملة إلى إعادة تفعيل دور القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني، خاصة في ضوء التراجع الملحوظ في مساهمته حيث انخفضت من حوالي 27% في السابق إلى 12.3% فقط في الوقت الراهن.

وتعمل الاستراتيجية على رفع هذه النسبة بشكل تدريجي ووفقا للظروف الموضوعية القائمة لتصل إلى 16%، وذلك من خلال التركيز على تنمية الشقين النباتي والحيواني باعتبارهما المحركين الرئيسيين للنمو في هذا القطاع. هذا النمو المرتقب سيعتمد بشكل أساسي على تحقيق التكامل بين هذين القطاعين الفرعيين وتعزيز دورهما كقاطرة للتطور الزراعي الشامل.

أما بالنسبة لقطاع الصناعات الغذائية، فسيتم احتساب مساهمته ضمن إجمالي ناتج القطاع الصناعي بشكل منفصل، وذلك بهدف ضمان قياس أدق وأكثر شفافية لمساهمة كل قطاع في الناتج المحلي الإجمالي.

لو تحدثنا عن الدور الذي لعبته بعض المنظمات الدولية والداعمين الدوليين في دعم الاستراتيجية الزراعية السورية؟

تم إطلاق الاستراتيجية خلال ورشة عمل في العاصمة دمشق في شهر شباط/ فبراير الماضي، نظمتها وزارة الزراعة بالتعاون مع وزارة الخارجية البريطانية ومنظمة الفاو، بمشاركة واسعة من منظمات عربية ودولية، حيث تم استعراض أولويات التعافي وإعادة تنشيط سلاسل القيمة وتعزيز النظم الزراعية المستدامة والصامدة أمام التحديات المناخية.

وفي هذا الإطار، أُطلقت المرحلة الثانية من مشروع "تعزيز الصمود المحلي في سوريا" بتمويل بريطاني، لدعم 114,000 أسرة زراعية في سبع محافظات عبر تدخلات شاملة تشمل المدارس الحقلية، وإعادة تأهيل نظام البذور، وشبكات الري، وتحسين صحة الثروة الحيوانية.

كما أبدت منظمات مثل "أكساد" و"إيكاردا" وغيرهما استعدادها لدعم الجهود في مجالات إدارة الموارد المائية وتحسين الإنتاجية. وشكّلت المشاركة في المنتدى العالمي للأغذية والزراعة في برلين 2026 عودة سوريا إلى الساحة الدولية، مما فتح قنوات تمويلية جديدة مع الأمم المتحدة والمصارف الدولية. وأكدت المنظمات على تحويل الدعم من المساعدات الغذائية الطارئة إلى تنمية مستدامة بقيادة سوريا، مع التركيز على تمكين المرأة الريفية والشباب عبر التدريب ومنح ريادة الأعمال.

مع اهتمام جهات دولية مثل البنك الدولي بدعم الاستراتيجية الزراعية، كيف ستضمنون أن يكون التمويل موجها نحو مشاريع إنتاجية طويلة الأمد وليس فقط تدخلات إسعافية قصيرة المدى؟

تُمثل الاستراتيجية الزراعية 2026-2030، التي أعدتها وزارة الزراعة نقلة نوعية من العمل الإغاثي الطارئ إلى مرحلة التعافي والإنتاج المستدام، حيث صُممت لتكون الإطار الحاكم والملزم لأي تمويل دولي، مما يضمن توجيه الموارد نحو إعادة تأهيل البنى التحتية الإنتاجية الكبرى، وتنفيذ مشاريع ذات أثر بعيد المدى، بدلا من التدخلات الإسعافية المؤقتة.

وتشمل هذه المشاريع إعادة تأهيل شبكات الري ومحطات معالجة المياه، ودعم الصناعات التحويلية الزراعية لتطوير سلاسل القيمة وزيادة القيمة المضافة للمنتج المحلي، إلى جانب مشاريع التكيف مع التغير المناخي كتأهيل البادية ومكافحة التصحر وإدخال تقنيات الري الحديثة.

وتعتمد الاستراتيجية آليات حوكمة مُشدّدة تقوم على التمويل المرحلي المرتبط بالأداء، مع التركيز على تنفيذ "المشاريع الأم" كإنشاء محطات الطاقة الشمسية لتشغيل آبار الري والأسواق المركزية للمنتجات الزراعية، والتي تُشكّل البنية التحتية الأساسية لجذب استثمارات القطاع الخاص وتمكين المزارعين من الدخول في مشاريع إنتاجية صغيرة ومتوسطة مستدامة.

كما تولي الاستراتيجية أولوية كبرى لبناء قدرات الكوادر الوطنية والمؤسسات البحثية كمراكز البحوث الزراعية، والاستثمار في البحث العلمي لإنتاج تقاوي محسنة، مما يضمن زيادة الإنتاجية لسنوات قادمة. وحتى في سياق التدخلات الإسعافية الضرورية، يتم تصميمها ضمن برامج متكاملة تؤدي إلى التعافي المستدام، مثل توزيع البذور المقترن بتدريب المزارعين على التقنيات الحديثة وإعادة تأهيل قنوات الري في المناطق المستهدفة، لتكون نقطة انطلاق حقيقية لتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.

كيف ستتعامل الوزارة مع ملف الملكيات الزراعية في المناطق التي شهدت تهجيرا واسعا خصوصا في ظل وجود نزاعات محتملة على الأراضي أو تغيّر في البنية الديمغرافية؟

تتعامل وزارة الزراعة مع ملف الملكيات الزراعية في المناطق التي شهدت تهجيرا بمنتهى الجدية والمسؤولية، وفق أسس قانونية راسخة تضمن عودة الحقوق إلى أصحابها الشرعيين. وقد شكّلت الوزارة لجنة تقصي حقائق على مستوى عالٍ لحصر حالات الاستيلاء على الأراضي وتوثيقها بالاستناد إلى الوثائق الرسمية والسجلات العقارية التاريخية، دون الالتفات إلى أي ادعاءات غير قانونية.

وفي معالجة النزاعات، يتم إحالة القضايا المُعقّدة إلى القضاء المختص، مع تطبيق مبدأ التمييز بين من استولى على الأرض بغير حق، وبين مَن اشتراها أو استثمرها بحسن نية، للوصول إلى حلول عادلة تراعي حقوق جميع الأطراف وتحقق العدالة، مع الحفاظ على السلم الأهلي ومنع أي نزاعات تعيق عملية الإعمار والانتعاش الزراعي.

ما حجم الفجوة الحالية بين الإنتاج الزراعي المحلي واحتياجات الأمن الغذائي الوطني؟ وهل تتوقعون أن تقلص الاستراتيجية هذه الفجوة بحلول عام 2030؟

شهد القطاع الزراعي السوري تراجعا حادا نتيجة الحرب وتوالي موجات الجفاف، مما أحدث فجوة غذائية واسعة تجلت في انخفاض الإنتاج الكلي من 18 مليون طن سنويا قبل الأزمة إلى نحو 13 مليون طن حاليا، بفجوة إنتاجية تبلغ 5 ملايين طن.

ويُعد القمح المؤشر الأكثر دقة على تدهور الأمن الغذائي، حيث تراجع الإنتاج من 4 ملايين طن تغطي الاحتياجات المحلية بالكامل إلى مستوى لا يتجاوز 60-70% منها، مع انخفاض قياسي خلال العام الفائت إلى ما دون المليون طن، مما شكّل ضغطا استثنائيا على الاحتياطي النقدي نتيجة توسع الاستيراد.

وانعكس هذا التراجع على الناتج المحلي، حيث هبطت مساهمة الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من 23% عام 2005 إلى 13% عام 2022. وتتفاقم الفجوة بفعل النمو السكاني المتسارع من 25 مليون نسمة في 2026 إلى 29 مليونا بحلول 2030، مما يفرض معادلة صعبة تتمثل في زيادة الإنتاج لتعويض الفجوة الحالية ومواكبة الطلب المتزايد في آن واحد.

وفي مواجهة هذه التحديات، تتبنى الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026-2030 مقاربة شاملة تستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح إلى 75% بحلول 2030، لتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز المخزون الاستراتيجي.

وتعتمد الاستراتيجية على محوري التوسع الأفقي عبر إعادة تأهيل الأراضي المتضررة واستصلاح جديدة، خاصة في منطقة الجزيرة، وإعادة تأهيل شبكات الري الحكومية، والتوسع الرأسي عبر برامج بحثية لتطوير أصناف محسنة عالية الإنتاج ومقاومة للجفاف والملوحة، واعتماد الخريطة الصنفية المناسبة لكل منطقة، إلى جانب توفير البذار المحسنة.

كما تتبنى ممارسات زراعية ذكية مناخيا تشمل تقنيات الري الحديث وأنظمة الإنذار المبكر. ومع ذلك، ونظرا لضخامة التحديات المتراكمة على مدى 15 عاما من الأزمة واستمرار النمو السكاني، لا تتوقع الاستراتيجية تحقيق اكتفاء ذاتي كامل بحلول 2030، لكن الوصول إلى هدف 75% في القحم سيعيد سورية إلى مصاف الدول شبه المكتفية ذاتيا ويقلص الفجوة إلى 25% فقط يمكن تغطيتها بالاستيراد، ويتوقف نجاح ذلك على دعم التنفيذ واستقرار الأحوال الجوية.

فيما يتعلق بالبنى التحتية المتضررة، هل لدى الوزارة تقديرات دقيقة لحجم الأضرار في شبكات الري والسدود ومراكز التخزين والتسويق؟ وما مصادر التمويل المخصصة لإعادة إعمارها؟

تعمل وزارة الزراعة ضمن منظومة حكومية متكاملة لحصر الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية الزراعية؛ إذ لا تملك وحدها رقما إجماليا دقيقا يشمل منشآت حيوية كبرى كالسدود ومحطات الكهرباء وشبكات النقل، لكونها تتبع وزارات أخرى (كالطاقة والإدارة المحلية والنقل). غير أن الوزارة تمتلك رؤية واضحة حول البنى التحتية المرتبطة مباشرة بعملها، وتشارك بفاعلية في الجهود الحكومية الموحدة لتقييم الأضرار وتأمين التمويل.

وقد تعرّضت قنوات الري الرئيسية والفرعية لأضرار كبيرة جراء القصف والإهمال، مما أدى إلى تدهور كفاءة نقل المياه وخروج مساحات واسعة من الأراضي المروية عن الخدمة، ويجري العمل حاليا بالتعاون مع المنظمات الدولية على مشاريع ميدانية لتأهيل شبكات الري الحكومية وشبكات الصرف الزراعي.

أما على صعيد السدود، فقد رُصدت أضرار فنية كبيرة في سدود الفرات (الفرات، وتشرين، والمنصورة) نتيجة ظروف تشغيل خاطئة من قِبل جهات غير حكومية، وتدهورت تجهيزاتها الميكانيكية والكهربائية، لتتراوح جاهزيتها التشغيلية حاليا بين 40% و50% فقط، مقارنة بقدرتها التصميمية التي تتجاوز 1600 ميغاواط، مما ينعكس سلبا على توليد الطاقة اللازمة لمضخات الري وتنظيم مواسم الري في حوض الفرات.

وفي قطاع التخزين، تتركز نحو 60% من الطاقة التخزينية للحبوب في منطقة الجزيرة (الحسكة والقامشلي)، وتجري حاليا جولات ميدانية لتقدير الأضرار في الصوامع التي تحتاج إلى تأهيل شامل، وتعاني من نقص حاد في الكوادر المتخصصة وتقادم التجهيزات بسبب انقطاع الصيانة لأكثر من عقد.

وبشكل عام، تشكل الوزارة حلقة مركزية في المنظومة الحكومية التي تعمل تكامليا مع وزارات الطاقة والموارد المالية والنقل لحصر الأضرار بدقة، ووضع أولويات واضحة لإعادة التأهيل تعتمد على تنويع مصادر التمويل بين الدعم الدولي والموارد الوطنية، مع التركيز على مشاريع ذات أثر بعيد كإعادة تأهيل شبكات الري الكبرى والسدود، باعتبارها الأساس لنهوض القطاع الزراعي المستدام.

إلى أي مدى يمكن أن يؤثر استمرار العقوبات والقيود المالية على قدرة الوزارة في استقطاب التمويل الدولي وتنفيذ مشاريع التحول إلى الري الحديث والزراعة الذكية؟

شكّلت العقوبات الدولية والقيود المالية تحديا مزدوجا أمام خطط وزارة الزراعة الطموحة، لا سيما المشاريع النوعية التي تتطلب تقنيات متخصصة وتمويلا طويل الأجل كالتحول إلى الري الحديث والزراعة الذكية مناخيا. إلا أن المشهد شهد تطورا جوهريا خلال العام الماضي تمثل في رفع العقوبات عن المعاملات المالية في سوريا، وإعادة ربطها بنظام "سويفت" (SWIFT) المصرفي، إلى جانب قيام معظم الجهات المانحة الغربية الكبرى برفع العقوبات بشكل كبير عن القيادة الجديدة. وقد أزالت هذه التطورات العقبة القانونية الرئيسية التي كانت تحول دون تحويل الأموال وتنفيذ المشاريع الكبرى، مما أتاح للوزارة التفاوض بحرية أكبر مع المؤسسات المالية الدولية لتمويل مشاريع البنى التحتية الزراعية.

وبذلك، لم تعد العقبة قانونية بالدرجة الأولى، بل تحوّلت إلى تحديات اقتصادية وتنفيذية تتعلق بتوفر العملة الصعبة، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وإعادة بناء سلاسل التوريد. واليوم، باتت الوزارة قادرة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع المانحين لتقديم خططها بثقة أكبر، وأصبح الطريق ممهدا أمام التمويل الدولي كما لم يكن من قبل، مع بقاء النجاح مرهونا بقدرتها على تأمين التمويل الكافي، وإقناع المانحين بجدوى المشاريع، وإيجاد آليات ذكية لتأمين المواد الأولية بتكلفة معقولة.

بخصوص ملف التغير المناخي، هل تفكرون في إعادة هيكلة الخريطة المحصولية في سوريا بما يتناسب مع واقع شح المياه وارتفاع درجات الحرارة أم أن الأولوية تبقى للمحاصيل التقليدية؟

يبقى الأمن الغذائي الهدف الأسمى، مما يحافظ على موقع متقدم للمحاصيل التقليدية، ولكن بشروط جديدة. لم تعد الأولوية المطلقة للمحاصيل التقليدية كما كانت، بل أصبحت للمحاصيل القادرة على التكيف مع المناخ الجديد. هذا يعني أن وجود القمح في الخطة الزراعية مستمر، لكنه سيكون "قمحا مقاوما للجفاف" وليس الصنف التقليدي نفسه. أي أن الوزارة لا تختار بين المحاصيل التقليدية أو إعادة الهيكلة، بل تنتهج مسارا ثالثا هو "تحديث التقليدي واستنباط البديل" لضمان إنتاج مستدام وصامد في وجه التغير المناخي.

ففي ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تشهدها سوريا، من موجات جفاف قاسية وارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة، أصبحت إعادة هيكلة الخريطة المحصولية ضرورة حتمية وليست رفاهية. تتعامل وزارة الزراعة مع هذا الملف بمنهجية توازن استراتيجي، لا يقوم على التخلي التام عن المحاصيل التقليدية، بل على تطويعها ودمجها مع بدائل أكثر مرونة لتحقيق الأمن الغذائي في ظل الموارد المائية المحدودة.

كيف ستضمنون استدامة مشاريع الري الحديث في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة؟ وهل هناك توجه نحو التوسع في استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل أنظمة الري؟

لا شك أن التوجه نحو التوسع في استخدام الطاقة الشمسية هو أحد الحلول الاستراتيجية لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة التقليدية وتأمين احتياجات الري بتكلفة تشغيلية منخفضة. نحن ندرك تماما أن تركيب أنظمة الري الحديثة وتشغيلها بالطاقة الشمسية يُمثل ثنائيا مثاليا لتحقيق الاستدامة الزراعية، لكن وزارة الزراعة تتعامل مع هذا الملف بعين مفتوحة على التجارب الدولية، وتحديدا التحذيرات التي أطلقها خبراء دوليون بعدما تحوّلت "المضخات الشمسية" في بعض الدول إلى سبب رئيسي في استنزاف المياه الجوفية؛ فانعدام التكلفة التشغيلية الحدية للمضخات الشمسية يشجع المزارعين على تشغيلها دون توقف، مما يحوّل مشكلة ندرة الطاقة إلى أزمة ندرة مياه أكثر خطورة.

وبالتالي التوسع غير المنظّم في الري بالطاقة الشمسية قد يؤدي إلى زيادة ضخ المياه الجوفية بشكل كبير، خاصة في المناطق الجافة. لذلك، التوسع في استخدام الطاقة الشمسية سيكون مشروطا إما باستخدامها على الآبار جمعيات مستخدمي المياه و/أو بوضع تقنيات تحدد كمية المياه وفق حصص تناسب التركيبة المحصولية، وهذا يقود إلى ضرورة وضع تشريعات صارمة في أساليب استخدام المياه.

فيما يتعلق برقمنة القطاع الزراعي، ما هو مستوى الجاهزية التقنية والمؤسسية لدى الوزارة؟ وهل تمتلكون الكوادر القادرة على إدارة قواعد بيانات زراعية وطنية متكاملة؟

تُمثل رقمنة القطاع الزراعي أحد البرامج الاستراتيجية المحورية ضمن توجهات الحكومة الجديدة، وقد تم إدراجها صراحة في الاستراتيجية الوطنية للزراعة 2026–2030 كمشروع حيوي داعم، مع التركيز على اعتماد التكنولوجيا الحديثة والزراعة الذكية مناخيا، وتحسين إدارة الموارد المائية والأرضية.

وقد سبق إطلاق الاستراتيجية مبادرات نوعية تمثل نواة حقيقية للتحول الرقمي، أبرزها: تطوير منظومة الإنذار المبكر للأمن الغذائي بالتعاون مع منظمة الفاو، والتي تعتمد على دمج البيانات المناخية والفضائية والاقتصادية؛ واستخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS) والاستشعار عن بُعد بالشراكة مع "إيكاردا" لتحديد مناطق الهشاشة الزراعية؛ وإطلاق تطبيقات ذكية للمؤشرات المناخية تدعم المزارعين في إدارة المياه، إضافة إلى تطبيق مبتكر لحصر الثروة الحيوانية بدقة تفوق الطرق التقليدية.

ورغم وضوح الرؤية الاستراتيجية وبدء الخطوات العملية، إلا أن مستوى الجاهزية الفعلية لا يزال محدودا، مما يجعل استمرار الشراكات الدولية أمرا حتميا خلال السنوات القادمة للوصول إلى قواعد بيانات زراعية وطنية متكاملة.

ما أبرز النتائج التي نجحت فيها وزارة الزراعة في تحقيقها إلى الآن وبعد مرور عامل كامل على تشكيل الحكومة السورية الحالية؟

تمكنت وزارة الزراعة خلال عامها الأول من وضع حجر الأساس لنهضة زراعية شاملة، من خلال إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة بالتشاور مع الشركاء المحليين والدوليين، مما وفر رؤية واضحة وخارطة طريق محددة تنقل القطاع من التدخلات الإسعافية إلى التعافي المستدام.

ومع ذلك، يظل نجاح هذه الخطة رهنا بتوفر بيئة تمكينية داعمة، وفي مقدمتها استقرار سعر الصرف وتأمين مستلزمات الإنتاج كالمحروقات والأسمدة، خاصة أن القطاع يعتمد بشكل كبير على مدخلات مستوردة.

وقد شكّل استقرار سعر الصرف مؤخرا، وتحسن مؤشرات التضخم بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، تطورا إيجابيا يدعم خطط الوزارة.

وفي سياق حماية المنتج المحلي، تتخذ الوزارة قرارات موسمية كوقف استيراد بعض المنتجات الزراعية دعما للمزارعين، مع إدراكها أن فعالية هذه الحماية تتطلب أن تكون تكلفة الإنتاج المحلي منافسة، مما يؤكد مُجدّدا على أهمية توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة.

كيف ترى جهود وزارة الزراعة في حصر وتصنيف الأراضي وتقييم خصوبتها على مستوى سوريا؟ وما مدى أهمية تصنيف المناطق الزراعية في صياغة السياسات الزراعية؟

تعمل هيئة البحوث العلمية الزراعية بالتعاون مع مديرية الأراضي على تنفيذ أعمال مسح ميداني شاملة للأراضي في بعض المحافظات، بهدف تحديد خصائصها الفيزيائية والكيميائية ودرجة خصوبتها وقدرتها الإنتاجية، خاصة بعد التغيرات التي طرأت خلال السنوات الماضية.

يعتمد العمل على مقارنة نتائج المسح الميداني بالصور الفضائية عالية الدقة لإعداد خرائط استعمالات الأراضي الراهنة وتمييز الأراضي الزراعية عن غيرها، إضافة إلى إعادة تأهيل المحطات المطرية المُدمّرة وجمع بيانات جديدة لدعم التخطيط الزراعي.

ويُشكّل تصنيف الأراضي أهمية محورية في صياغة السياسات الزراعية، حيث يوفر خرائط زراعية محدثة تساعد في تحديد المحاصيل الأكثر ملاءمة لكل منطقة لزيادة الإنتاجية وتحسين العائد الاقتصادي، وتصميم استراتيجيات الري المناسبة وتحديد احتياجات التسميد بناءً على خصوبة التربة. كما يشكل آلية قانونية وتنظيمية لحماية الأراضي الخصبة من التعديات والتحول العمراني، عبر توجيه المشاريع التنموية والمنشآت الصناعية إلى المناطق الأقل خصوبة وفق البلاغات الوزارية.

أخيرا، كيف تنظرون إلى مستقبل القطاع الزراعي في سورية بعد إطلاق "الاستراتيجية الزراعية 2026–2030؟

باختصار شديد الاستراتيجية وحدها لا تكفي، لكنها تضع خارطة طريق واضحة، وإذا اقترن تنفيذها باستقرار الاقتصاد الكلي - خاصة سعر الصرف - وتوفر التمويل والمستلزمات، فإن القطاع الزراعي السوري مهيأ لاستعادة دوره الريادي ويكون قاطرة حقيقية للتعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.