محلل صيني لـ"عربي21": بكين تكثف تحركاتها لاحتواء أزمة هرمز وتوازن بحذر بين واشنطن وطهران

الصين ترفض "اللعبة الصفرية" وتتمسك بإدارة الخلاف مع واشنطن - جيتي
في ظل تصاعد التوترات الدولية الناجمة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من اضطرابات حادة في الملاحة وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، تكثّف الصين جهودها الدبلوماسية والاقتصادية لتقليل التداعيات وحماية مصالحها الاستراتيجية. 

وفي حوار خاص مع "عربي21"، كشف المحلل السياسي الصيني نادر رونغ هوان عن تفاصيل المقاربة الصينية للأزمة، مؤكدا أن بكين تتحرك على مسارين متوازيين: احتواء التصعيد سياسياً، وتأمين بدائل الطاقة اقتصادياً، مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران.

قال المحلل السياسي الصيني، إن بلاده تبذل "أقصى جهودها الدبلوماسية والسياسية" من أجل إعادة الاستقرار إلى منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد في الحرب على إيران، مشددا على أن إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل ودائم "لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال وقف شامل لإطلاق النار".

وأوضح أن الصين تنظر إلى استقرار الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، باعتباره مسألة حيوية لأمن الطاقة العالمي، لا سيما أنها من أكبر الدول المستوردة للنفط. وفي هذا السياق، أشار إلى أن بكين اتخذت سلسلة من الإجراءات للتعامل مع تداعيات الأزمة، بهدف احتواء آثار نقص الإمدادات النفطية.

ومن أبرز هذه الإجراءات، بحسب رونغ هوان، التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، إلى جانب تعزيز الاعتماد على السيارات الكهربائية والألواح الشمسية، في إطار التحول نحو الطاقة النظيفة. كما لجأت الصين إلى استخدام الفحم كبديل مرحلي للنفط، مستفيدة من وفرة هذا المورد لديها.

وأضاف أن بكين عملت أيضاً على تعزيز إنتاجها المحلي من النفط، بالتوازي مع تنويع مصادر الاستيراد، حيث وسعت وارداتها من دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل، إلى جانب دول أفريقيا وروسيا وآسيا الوسطى عبر ممرات برية، ما يقلل من اعتمادها على الممرات البحرية المهددة.

وأشار إلى أن الصين تمتلك احتياطيات نفطية استراتيجية "هائلة"، وهو ما ساعدها على امتصاص جزء كبير من الصدمة، مؤكداً أن التأثيرات السلبية للأزمة "ما تزال تحت السيطرة" حتى الآن.


رفض التصعيد وإدارة الخلاف مع واشنطن

وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الولايات المتحدة، شدد رونغ هوان في حديثه لـ"عربي21" على أن الصين تعارض استخدام القوة في العلاقات الدولية، وترفض انتهاك سيادة الدول، في إشارة إلى السياسات الأمريكية تجاه إيران وفنزويلا.

وأكد أن بكين لا تؤمن بمنطق "اللعبة الصفرية"، بل تسعى إلى الحفاظ على علاقة مستقرة مع واشنطن، من خلال إدارة الخلافات وتجنب المواجهة المباشرة، رغم التباينات الكبيرة بين الطرفين.

وأضاف أن الصين، في مواجهة محاولات الولايات المتحدة السيطرة على الموارد الحيوية مثل النفط والغاز، اتجهت إلى تطوير ما وصفه بـ"موارد المستقبل"، وفي مقدمتها الطاقة المتجددة. 

وأوضح أن نسبة اعتماد الصين على النفط والطاقة التقليدية لا تتجاوز حالياً 18 إلى 19 بالمئة من إجمالي استهلاكها للطاقة، في تحول استراتيجي يعزز استقلالها الاقتصادي.

وفي سياق متصل، تطرق المحلل الصيني إلى الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى بكين، والتي تأجلت سابقا، مرجحا أن تشكل هذه الزيارة فرصة مهمة للطرفين لمناقشة القضايا الخلافية.

وقال رونغ هوان لـ"عربي21" إن الصين ستستغل هذه الزيارة لتوضيح "خطوطها الحمراء"، خاصة في ما يتعلق بقضية تايوان، التي تعتبرها بكين جزءا لا يتجزأ من أراضيها، وترفض أي تدخل خارجي فيها.

كما توقع أن تشهد الزيارة نقاشات حول تعزيز التعاون الاقتصادي، وإدارة الخلافات التجارية، وتوسيع نقاط التفاهم، بما يخدم مصالح الطرفين والمجتمع الدولي.

الصين والنظام الدولي.. لا للهيمنة

وفي رده على تساؤلات بشأن مستقبل النظام العالمي، أكد رونغ هوان أن الصين لا تسعى إلى استبدال الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، بل تدفع نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، يقوم على التشاور والحوار.

وشدد على أن بكين ترفض الهيمنة أو فرض الإرادة على الدول الأخرى، داعيا إلى بناء "مجتمع مصير مشترك للبشرية"، قائم على التعاون بدلا من المواجهة، والتنمية المشتركة بدلا من الصراع.

وفي ملف المعادن النادرة، التي تعد عنصراً أساسياً في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، أكد المحلل الصيني أن بلاده ملتزمة بضمان استقرار سلاسل التوريد العالمية، لكنها في الوقت ذاته تشدد على أن أي تعاون مع الولايات المتحدة يجب أن يقوم على أساس "الاحترام المتبادل والمساواة".

وحذر من أن فرض قيود أو ضغوط على الصين في هذا المجال سيدفعها إلى الرد بالمثل، دفاعاً عن مصالحها وحقوقها.


تحركات دبلوماسية متوازية

وفي السياق الدبلوماسي، أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن دفع الولايات المتحدة وإيران إلى العودة لطاولة المفاوضات يمثل أولوية في المرحلة الراهنة، محذراً من التداعيات الخطيرة للصراع على أمن الطاقة والملاحة الدولية، خاصة في مضيق هرمز.

وجاءت تصريحات وانغ خلال لقاء مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني في بكين، حيث شدد على ضرورة احتواء الأزمة عبر الوسائل السياسية.

في المقابل، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن بلاده تعمل على فتح مضيق هرمز بشكل دائم، معتبراً أن هذه الخطوة تصب في مصلحة العالم، بما في ذلك الصين.

وفي تصريحات نشرها عبر منصته "تروث سوشيال"، أكد ترامب أن الصين "سعيدة جداً" بهذه الجهود، مشيراً إلى تحسن علاقاته مع نظيره الصيني شي جين بينغ، ومعبراً عن تفاؤله بإمكانية تحقيق تقدم عبر الحوار.

كما أشار إلى أن التعاون بين البلدين "أفضل من القتال"، مع التأكيد على استعداد الولايات المتحدة للتحرك بقوة عند الضرورة.

تعكس هذه التطورات، وفق ما كشفه الحوار مع "عربي21"، مشهداً دولياً معقداً تحاول فيه الصين السير على "حبل دبلوماسي رفيع"، عبر الموازنة بين علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة، وحماية أمنها الطاقي، في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وتزايد التحديات الجيوسياسية على مستوى العالم.