بعد بدء العدوان الأمريكي
الإسرائيلي قال رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إنه "تم إطلاق عملية
مشتركة مع الولايات المتحدة هدفها إزالة الخطر الوجودي الذي يشكله النظام
الإيراني".
وسبق لنتنياهو أن استخدم
مصطلح التهديد الوجودي لإسرائيل عقب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023،
وكثيرا ما يربط بين الهجمات على إيران وحلفائها بهذا الأمر، مدعياً أن هذا المحور
يهدد الوجود الإسرائيلي.
الخبير في الشأن
الإسرائيلي، الدكتور سليمان بشارات، يرى أن "استخدام مصطلح
الحرب الوجودية
يرتبط بمسألة تعزيز الجبهة الداخلية الإسرائيلية، حيث يُستخدم هذا المصطلح لمحاولة
الإبقاء على حالة من التماسك في الجبهة الداخلية الإسرائيلية".
وقال بشارات في مقابلة
مصورة مع "
عربي21"، إن "إسرائيل أيضا ترى في أن هذه الفرصة ربما قد
تكون اللحظة المواتية لإزاحة أخر العقبات فيما يتعلق بتوسع المشروع الإسرائيلي في
منطقة الشرق الأوسط".
وحول موقف المجتمع
الإسرائيلي من هذه الحرب، أكد بشارات أن "المجتمع الإسرائيلي يتجه أكثر نحو
اليمين المتطرف، كما أن جبهة إيران يُنظر إليها على أنها جبهة توحد الكل السياسي
الإسرائيلي".
وتاليا نص الحوار كاملا:
نتنياهو يدعي أن الهجوم
الإسرائيلي على إيران هدفه إزالة خطر وجودي يشكله النظام الإيراني على إسرائيل؟
وأنه يهدف أيضا لتغيير النظام الإيراني، ما حقيقة هذه الأهداف؟
استخدام مصطلح الحرب
الوجودية من المنظور الإسرائيلي هو ربما يأتي في أكثر سياق، السياق الأول يرتبط
بتعزيز الجبهة الداخلية الإسرائيلية، علما أن بنيامين نتنياهو استخدم ذات المصطلح
في الحرب على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
ويستخدم نتنياهو هذا
المصطلح الآن لمحاولة الإبقاء على حالة من التماسك في الجبهة الداخلية
الإسرائيلية، لأن في (الحرب الوجودية) مفهوم أيدلوجي ومفهوم ديني ومفهوم هوياتي
يرتبط بالوجود الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية.
أما السياق أو الجانب الأخر
أيضا في الحديث عن الحرب الوجودية، هو استعطاف واستجداء الدعم الدولي المرتبط بدعم
الكيان الإسرائيلي كمشروع احتلال استيطاني على الأرض الفلسطينية، ولهذا السبب هو
دائما ما يحاول أن يجعل من إسرائيل رأس الحربة للمشروع الدولي المتمثل في الولايات
المتحدة وما يتبعه.
وأما الأمر الثالث، باعتقادي إسرائيل فعليا هي ترى في أن هذه الفرصة ربما قد تكون اللحظة المواتية
لإزاحة أخر العقبات فيما يتعلق بتوسع المشروع الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.
وبالتالي الحديث عن الحرب
الوجودية هي بمثابة حرب لمحاولة تعزيز الحضور الإسرائيلي إقليميا، جيوسياسيا وفي
منطقة الشرق الأوسط، حتى تكون إسرائيل هي المُرتكز الأساسي في هذه المرحلة.
هناك انتخابات مُبكرة في
إسرائيل هذا العام، برأيك هل أشعل نتنياهو الحرب على إيران لاسترضاء شركائه في
اليمين المتطرف وقطف ثمارها انتخابيا، وهل يهدف منها الحفاظ على مستقبله السياسي؟
لا شك أن هناك أهداف مُركبة
لهذه الحرب، منها الأهداف السياسية الضيقة لنتنياهو، وهو في ذلك يحاول بشكل أو
بآخر أن يُبقي على الخارطة السياسية الإسرائيلية داعمة لرؤيته ومساره وليكون هو
سيد المشهد الإسرائيلي.
وهذا الأمر ربما هو جزء
يتقاطع به مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث هناك أيضا انتخابات نصفية في
الولايات المتحدة، وترامب حتى يُقنع الناخبين الأمريكيين والشارع الأمريكي
بسياساته وأنه قادر على تحقيق الإنجازات كما فعل في فنزويلا قبل ذلك ينساق معه
بهذا الاتجاه.
واعتقد أنه إلى جانب
الأهداف السياسية المرحلية الضيقة للقيادات السياسية في إسرائيل وأمريكا، هناك
أهداف استراتيجية، لأنه قلنا أن هذه الحرب هي حرب في الأبعاد الأيديولوجية والاستعمارية
والتوسعية في منطقة الشرق الأوسط.
لأن رؤية إسرائيل لشرق أوسط
جديد لا يمكن لها أن تنضج ما لم يكن هناك تهيئة للبيئة الميدانية والسياسية
والإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، وطهران هي ما زالت تُمثل العقبة الأساسية.
وعندما نتحدث عن إيران لا
نتحدث عنها كدولة، إنما نتحدث عنها كمشروع متكامل له دوره وحضوره في مفهوم محور
المقاومة، وبالتالي إسرائيل ترى أن هذه المرحلة هي فرصة مواتية.
ولهذا باعتقادي أن التقاء
الأهداف السياسية الضيقة مع الأهداف الاستراتيجية ربما يُشكل البُعد والدافع
المركزي في هذه المحطة، وبنيامين نتنياهو يُجيد الاستثمار، وهذه ربما هي كلمة السر
لديه، أنه يُجيد استثمار التوقيتات والمراحل ويُجيد استثمار الأهداف التكتيكية
لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.
كيف ينظر المجتمع الإسرائيلي
لهذه الحرب، وما موقفه منها؟ وكيف ستؤثر على توجه صوته الانتخابي في الانتخابات
المُبكرة القادمة؟
نحن نعلم أن البُعد
الأيدولوجي بات هو المُسيطر على المجتمع الإسرائيلي والجبهة الداخلية الإسرائيلية
والانزياح نحو اليمين المتطرف، وبالتالي هذا كان جزءاً من خطاب أن إيران تُشكل رأس
الشر، حيث كانت تُقدم هكذا في إسرائيل وأنها هي رأس الأفعى التي يجب القضاء عليها.
ولكن أيضا هناك نقطة جوهرية
وهي أن طبيعة المواقف الإسرائيلية ربما لا تتبلور في المراحل الأولى من المواجهة
وإنما ما بعد ذلك، بمعنى آخر أنها تتبلور لاحقا وفقا لطبيعة المسارات والمنحنيات
التي ستأخذها هذه المواجهة.
إن كانت هذه المواجهة ستأخذ
مدى زمنياً طويلاً، أو إن كانت ستأخذ بُعداً تدميريا، وبالتالي كُلفة هذه الحرب
والمواجهة على إسرائيل وبالتحديد على المجتمع الداخلي الإسرائيلي عالية، هنا ربما
ستخرج الأصوات التي ستطالب بضرورة البحث عن مآلات أخرى.
ولهذا السبب، أنظر إلى خطاب
نتنياهو صبيحة السبت بالتزامن مع إطلاق هذه المواجهة، وطبيعة التصريحات التي يتم
التركيز عليها في إسرائيل، أن هذه المواجهة ربما تحتاج إلى أيام، ولا يتم الحديث
عن بُعد زماني طويل المدى لأن هناك خشية لدى القيادة السياسية الإسرائيلية أن يكون
هناك موقفاً سلبياً من الجبهة الداخلية.
وأعتقد أن طبيعة الرد
الإيراني السريع وتوسيع هذا الرد وكثافته منذ ساعات صباح السبت وصافرات الإنذار
التي تدوي في كافة الأرجاء داخل الأراضي المحتلة واضح جدا أن ذلك يمكن أن يُعجل
بشكل أو بآخر بظهور الأصوات المُنتقدة لاتخاذ السياسات الإسرائيلية واتخاذ الموقف
بالذهاب إلى المواجهة.
خصوصا إذا ما كان هناك
شكلاً من أشكال الدمار التي يمكن أن نشاهدها في الساعات والأيام القليلة المُقبلة،
كل ذلك مرتبط ومُرتهن كما قلت في نهاية المطاف بالقدرات التدميرية وطبيعة وشكل
الضربات الإيرانية وشكل وطبيعة الخسائر والكُلفة التي ستُدفع داخل المجتمع
الإسرائيلي.
هذا على المستوى الشعبي،
ولكن على مستوى القيادات السياسية وخاصة المعارضة، والتي في معظم الأحيان تصطف مع
الحكومة في الحروب، كيف سيكون موقفها في الأيام المُقبلة؟
دائما ما يُنظر بالتحديد
إلى الجبهة الإيرانية على أنها جبهة تُوحد كل المواقف الإسرائيلية حتى في
المعارضة، لأن ذلك كما قلت وأشرت هو لا يرتبط فقط بحالة استثمار سياسي، وإنما أيضا
في بُعد أيديولوجي في مفهوم التوسع للمشروع الاحتلالي الاستيطاني والمشروع الإسرائيلي برمته في منطقة الشرق الأوسط.
النقطة الثانية، كما أشرنا
إسرائيل أيضا هي ضمن الاستعدادات للانتخابات المتوقعة في أكتوبر إذا ما بقيت في
ذات الموعد، وهذا يعني أن جميع الأطراف ستحاول بشكل أو بآخر أن تُبقي على الخطاب
الوحدوي والخطاب الذي هو يُمثل مواجهة "للعدوان الإيراني" وهكذا سيُقدم،
وللموقف الداعم لطبيعة الضربات التي تُوجه لطهران.
أما الأمر الثالث، بما أن
هذه الحرب بدعم كامل من الولايات المتحدة ستكون أصوات الانتقاد قليلة وربما ضعيفة
في الداخل الإسرائيلي حتى من طرف المعارضة.
لأنه في نهاية المطاف هذه
حرب (ليست مواجهة سياسية ضيقة وليست مواجهة عسكرية غير محسوبة)، وإنما مواجهة
عسكرية يُنظر لها في إسرائيل على أنها مصيرية ووجودية فيما يتعلق بمستقبل المشروع الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط.
لهذا السبب الأصوات المُنتقدة
حتى في صفوف المعارضة الإسرائيلية ستكون ضعيفة جدا، وإن كان هناك انتقاد سيكون ليس
على مبدأ الحرب وإنما ربما على شكل وطبيعة مسارات ومآلات الحرب، بمعنى ليس قرار
الحرب وانطلاقها.
ما تأثير المواجهة مع إيران
على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الذي اخترقه الاحتلال مئات المرات، وهل يمكن أن
نرى فتح لجبهات مواجهة أخرى في غزة أو جنوب لبنان؟
أولا ستستثمر إسرائيل هذه
الحرب بشكل كبير جداً - كما حدث في الحرب على غزة - في تعزيز نفوذها فيما يتعلق
بمساراتها وسلوكها تجاه القضية الفلسطينية برمتها.
إسرائيل وبالتحديد فيما يتعلق
بالمشاريع الاستيطانية والاستيلاء والسيطرة على الأرض الفلسطينية دائما هي ما تذهب
إلى غطاء الأحداث الكبرى وانشغال العالم بها، وبالتالي هي تستمر بصمت في تنفيذ
وتعزيز أركان المشروع الاستيطاني على الأرض.
وبالتالي قد تكون واحدة من
الإيجابيات في المنظور الإسرائيلي على أن البقاء والانشغال في الحرب على إيران هذا
سيُعطي إسرائيل متنفساً في الاستمرار بسياساتها في قطاع غزة، لا ولن يكون هناك
أصوات مُنتقدة للسلوك الإسرائيلي، ولن تكون هناك مطالبات بضرورة الالتزام
الإسرائيلي بتنفيذ خطة ترامب في قطاع غزة، وغير ذلك إسرائيل ربما ترى أن هناك
فُسحة زمنية وميدانية لتعزيز المسارات.
والنقطة الثانية، باعتقادي
أنه تحت غطاء الاحتياج والدافع الأمني ربما إسرائيل ستكثف من إجراءاتها الأمنية ضد
الفلسطينيين، وشاهدنا هذا الأمر السبت في الضفة الغربية، عبر إغلاق كافة الضفة
وإغلاق الحواجز.
وبالتالي قد نشاهد شيء شبيه
به في قطاع غزة، إما من خلال تكثيف بعض الغارات والضربات والاستهدافات، أو حتى
التحكم في إدخال المساعدات أو إغلاق المعابر الرئيسية في القطاع، وباعتقادي
إسرائيل ستستثمر هذه الحرب الحالية بشكل أو بآخر.
النقطة الأخيرة، اعتقد أن
إسرائيل لن تذهب في هذا التوقيت إلى عودة للحرب على قطاع غزة بشكل مفتوح، لأنها هي
أيضا معنية في الحفاظ على المقدرات العسكرية على الجبهات المختلفة.
فهناك خشية إسرائيلية من أن
يكون هناك اشتعال على الجبهات الأخرى، وبالتالي ستحاول بشكل أو بآخر أن تتعامل
بنوع من التوازن فيما يتعلق بالقدرات والمقدرات العسكرية والبشرية حتى لا يكون
هناك أي استنزاف على أي جبهة على حساب جبهات أخرى.
إذن لن نرى توسع إسرائيلي
عسكري تجاه الجبهات الأخرى (لبنان، سوريا، قطاع غزة)؟
اعتقد أنه ما لم تستدعي
الضرورة لذلك، لن تذهب إسرائيل إلى هذا الأمر، بمعنى آخر، إن بقيت هذه الجبهات ضمن
المنظور الإسرائيلي وضمن السقف الذي كانت تنظر إليه إسرائيل وما لم تخرج بمفاجئات
ومتغيرات ستبقى الحالة كما هي عليها.
ولهذا السبب إسرائيل سارعت
قبل عدة أيام لإصدار تحذيرات وبالتحديد إلى لبنان مفادها إن كان هناك أي تدخل لحزب
الله أو دخول له في المواجهة المُقبلة سيكون الموقف والرد الإسرائيلي عبر استهداف
البنية التحتية في لبنان.
وبالتالي هذه حالة من
التهديد المباشر التي حاولت إسرائيل أن تخلق من خلالها رادعاً لأن لا يكون هناك أي
دخول لأي من الجبهات في هذه المواجهة بالتحديد، لأن إسرائيل لا تريد ولا ترغب
وتخشى أن يكون هناك اتساع للجبهات.
ولهذا ستحاول إسرائيل
التركيز دائما على جبهة مركزية بينما ستتعامل مع الجبهات الأخرى كنوع من المناوشات
الخفيفة دون أن تدخل في حالة من استنزاف القوى معها.