هاجم الأمين العام للمؤتمر
القومي العربي والقيادي البارز في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الدكتور ماهر
الطاهر، ما سُمّي بـ"
مجلس السلام" الذي أسّسه الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب في أيلول/ سبتمبر الماضي، قائلا إنه "وُلد ميتا، ولن يرى النور بحق،
ولن يُكتب له النجاح مطلقا، لأن الشعوب أقوى من كل هذه المحاولات الخبيثة".
وذكر الطاهر، في مقابلة
خاصة مع "
عربي21"، أن "الطرح الأمريكي بشأن نزع السلاح كمدخل
لإعمار
غزة يعكس توجها أمريكيا- إسرائيليا نحو التصفية الكاملة للقضية
الفلسطينية"، مشيرا إلى أن التصريحات الأمريكية حول توسع إسرائيل إقليميا
تتقاطع مع مشروع أوسع يستهدف نزع سلاح المقاومة وإضعاف الجيوش العربية وفرض
السيطرة على المنطقة، وهو ما اعتبره مخططا لن يتحقق أمام صمود الشعوب.
وحول المساعي الرامية لبناء
قيادة وطنية موحدة تضم مختلف الفصائل الفلسطينية، أضاف الطاهر: "هناك داخل
السلطة الفلسطينية مَن لا يزال يراهن على أمريكا وعلى مسارات سياسية ثبت فشلها
الذريع، ولم يستخلص الدروس منذ توقيع اتفاقات أوسلو، ونأمل أن يعيد مَن راهنوا على
الحلول السياسية مع الاحتلال إعادة تقييم مواقفهم في ضوء الوقائع الأخيرة".
ورجّح الطاهر عدم إجراء
الانتخابات الفلسطينية المقبلة في مواعيدها المقرّرة، وتابع: "أنا أشك كثيرا
في إمكانية إجراء انتخابات في ظل التطورات السياسية القائمة، وما يجري في الضفة
الفلسطينية من عمليات ضم فعلي واستيطان متواصل وسيطرة ميدانية واسعة، إضافة إلى
الظروف المعقدة في قطاع غزة. لذلك، تبدو فرص إجراء الانتخابات ضعيفة جدا".
ومطلع الشهر الجاري، أصدر
الرئيس الفلسطيني محمود عباس، مرسوما رئاسيا يدعو الشعب إلى المشاركة في انتخاب
المجلس الوطني، بتاريخ 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026.
وكان مجلس الوزراء
الفلسطيني أصدر قرارا سابقا حدّد بموجبه موعد إجراء انتخابات الهيئات المحلية في
فلسطين، بتاريخ 25 نيسان/ أبريل المقبل.
وتاليا نص المقابلة الخاصة
مع "عربي21":
كيف تابعتم مخرجات الاجتماع
الأول لـ "مجلس السلام" الذي انعقد مؤخرا في واشنطن برئاسة الرئيس
الأمريكي دونالد ترامب وحضور 47 دولة؟
في الواقع، هذا المجلس يضم
مَن قام بتدمير قطاع غزة، ويضم بنيامين نتنياهو، المطلوب للعدالة الدولية والمطلوب
للمحاكمة والاعتقال. وبالتالي، لدينا مثل عربي يقول إن "المكتوب يُقرأ من
عنوانه"؛ فإذا كان نتنياهو عضوا في ما يُسمّى "مجلس السلام"، وإذا
كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرأس هذا المجلس، وهو الذي أعلن في الكنيست
الصهيوني أنه قدّم كل أنواع الأسلحة إلى الكيان الصهيوني، بل وقال إن هناك أسلحة
يسمع بها للمرة الأولى، وكان سعيدا بأن نتنياهو تمكن من تحقيق أهدافه، فإن السؤال
الكبير يطرح نفسه: هل هذا "مجلس سلام" فعلا أم أن هدفه الحقيقي تصفية
القضية الفلسطينية، وفرض الهيمنة الأمريكية، وضرب المؤسسات الدولية، واستهداف
منظومة الأمم المتحدة والشرعية الدولية؟، هذا هو الهدف الحقيقي.
صحيح أن 47 دولة حضرت
الاجتماع الأول لهذا المجلس، وكان هدف كثير منها هو عدم إزعاج ترامب وإرضاؤه، لكن
القوى الأساسية في العالم لم تشارك في هذا المجلس، ولن تشارك فيه، مثل الدول دائمة
العضوية في مجلس الأمن، وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى الصين وروسيا ودول
أمريكا اللاتينية. وبالتالي، أرى أن ما سُمّي بمجلس السلام هو "مولود
ميت" لن يرى النور، ولن يُكتب له النجاح مطلقا، لأن الشعوب أقوى من كل هذه
المحاولات الخبيثة.
كبير مستشاري البيت الأبيض
ومجلس السلام جوش غروينباوم أكد أن نزع السلاح الفوري والكامل يُمثل الأساس
للانطلاق في عملية إعمار غزة... ما تعقيبكم؟
واضح تماما أن الولايات
المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني، كما نرى، يسعيان بقوة إلى التصفية الكاملة
للقضية الفلسطينية. وعندما أعلن قبل أيام، في مقابلة إعلامية، السفير الأمريكي
مايك هاكابي لدى دولة الاحتلال أنه يرى أن من حق إسرائيل أن تحتل كل فلسطين وسوريا
ولبنان والأردن والعراق وأجزاء من مصر وأجزاء من السعودية، وأن تسيطر على المنطقة،
في إطار رؤية صهيونية تمتد "من الفرات إلى النيل"، فإننا نكون أمام
مشروع خطير جدا مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية.
كما أن كلام السفير
الأمريكي في تل أبيب ينسجم مع ما قاله الرئيس ترامب في مقابلة علنية أمام العالم،
حين أشار إلى أن مساحة إسرائيل ضيقة في محيط واسع جدا، وأنها ينبغي أن تتوسع.
وبالتالي، فالمخطط لا يقتصر على نزع السلاح فقط، بل يتجاوز ذلك إلى نزع سلاح
المقاومة في المنطقة، وإضعاف الجيوش العربية، وتصفية القضية الفلسطينية، والسعي
للسيطرة الكاملة على المنطقة وجعل الكيان الصهيوني القوة المهيمنة فيها، إلا أن
هذه أضغاث أحلام لن تتحقق، لأن شعوب المنطقة ودولها ستتصدى لمثل هذه المخططات.
كيف تقرأون دعوة المدير
التنفيذي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، إلى نشر قوات فلسطينية بمساندة
دولية؟ وهل تمثل هذه الدعوة مدخلا لحل سياسي أم لإعادة هندسة المشهد الأمني في
القطاع؟
من وجهة نظرنا، لا يوجد حل
سياسي حقيقي مطروح للقضية الفلسطينية في الظروف الراهنة، بل إن الهدف الأساس، كما
نرى، هو السيطرة الكاملة على كل فلسطين. أما مسألة نشر قوات فلسطينية، فهي حق أصيل
للشعب الفلسطيني؛ فمن الطبيعي أن تكون هناك قوة فلسطينية مسؤولة عن أمن قطاع غزة،
لأن إدارة القطاع مسألة فلسطينية خالصة.
أما القوات الدولية، أو ما
يُسمّى بقوة الاستقرار، فيفترض أن تكون مهمتها تشكيل حاجز رادع أمام الكيان
الصهيوني لمنع استمرار العدوان، أي قوة فصل لا قوة سيطرة على قطاع غزة. هذه هي
الرؤية المطروحة: وجود قوات فلسطينية أمر طبيعي، ومساندة دولية ينبغي أن تكون في
إطار الحماية ومنع التصعيد، لا إدارة القطاع أو السيطرة عليه.
أما الحديث عن حلول سياسية
شاملة، فبرأينا لا توجد حتى الآن حلول فعلية لا في قطاع غزة ولا في مُجمل القضية
الفلسطينية، في ظل سعي الطرف المعادي، المدعوم أمريكيا، إلى فرض السيطرة الكاملة
على كل فلسطين، وهي أهداف نرى أنها لم ولن تتحقق مهما حدث.
هل بات دخول لجنة إدارة غزة
إلى داخل القطاع مسألة وقت؟ ولماذا تأخر وصولها حتى الآن؟
إن تأخر دخول اللجنة يعود
إلى رغبة الجهات المعنية في انتظار انعقاد اجتماع ما سُمّي بـ "مجلس
السلام" أولا، ومن ثم بحث مسألة دخولها. وبالفعل، انعقد الاجتماع الأول لهذا
المجلس ورأينا النتائج التي ترتبت عليه، وكان تأخر وصول اللجنة مرتبطا بانتظار عقد
هذا الاجتماع قبل الشروع في الخطوات اللاحقة المتعلقة بدخولها إلى قطاع غزة.
ما النتائج التي وصلت لها
اجتماعات الفصائل الفلسطينية في القاهرة بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة في غزة؟
موقف الفصائل واضح للغاية
ويتمثل في الدعوة إلى انسحاب القوات الصهيونية من قطاع غزة، والإسراع في إعادة
الإعمار، ورفض مسألة سحب السلاح، وتؤكد الفصائل أن قضية السلاح ترتبط بالوضع
الداخلي الفلسطيني، وهي مسألة فلسطينية خالصة. وفي هذا السياق، يُطرح تساؤل جوهري:
إذا كان السفير الأمريكي يتحدث عن حق الكيان الصهيوني في السيطرة على المنطقة من
الفرات إلى النيل، فهل سحب السلاح من قوى المقاومة يخدم هذا المشروع أم لا؟، من
وجهة النظر المطروحة، فإن الوقائع والتطورات أثبتت أن مواجهة المخططات الصهيونية،
التي تستهدف السيطرة ليس على فلسطين فقط، بل على مجمل المنطقة، تتطلب مواقف جدية
وحاسمة، كما تتطلب الاحتفاظ بالسلاح للدفاع عن البلدان العربية، وعن فلسطين، وعن
الحقوق في مواجهة التوغل الصهيوني الذي يستهدف بسط السيطرة على المنطقة بأكملها.
بحسب تقديراتكم، متى ستنتهي
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار؟ وما فرص نجاحها؟
الكيان الصهيوني لا يريد
أساسا الدخول في المرحلة الثانية، ويعمل على عرقلتها وتخريبها، مع استمرار عدوانه
على الشعب الفلسطيني. وللعلم وقف إطلاق النار لم يتحقق فعليا على الأرض، في ظل
تواصل العدوان على قطاع غزة وعمليات القتل اليومية، وسقوط 500 شهيدا منذ وقف
لإطلاق النار وحتى الآن، وأكثر من 1300 جريح، واستمرار حرب الإبادة ولكن بأشكال
وأساليب جديدة.
وبناءً على ذلك، يُنظر إلى
أن نتنياهو والكيان الصهيوني يسعيان إلى إطالة أمد المعركة تحت غطاء ما يُسمّى
بوقف إطلاق النار، بطريقة ممنهجة ومدروسة، ما يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد
استمرار العدوان واستمرار استهداف الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ما فرص بناء قيادة وطنية
موحدة تضم مختلف الفصائل الفلسطينية؟
تؤكد الجبهة الشعبية لتحرير
فلسطين أنها كانت ولا تزال تدعو إلى بناء قيادة وطنية موحدة تضم مختلف الفصائل،
بهدف الدفاع عن الشعب الفلسطيني، وعلى أساس برنامج مواجهة وبرنامج مقاومة، في ظل
قناعة متزايدة بعدم وجود أي أفق لحلول سياسية مجدية.
ومع ذلك، يُشار إلى أن هناك
داخل السلطة الفلسطينية مَن لا يزال يراهن على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى
مسارات سياسية ثبت فشلها الذريع، ولم يستخلص الدروس من أكثر من ثلاثين عاما منذ
توقيع اتفاقات أوسلو، التي أنهىها العدو الصهيوني عمليا عبر سياسات الضم الفعلي
على الأرض في الضفة الغربية.
كما أن تطبيق القانون المدني
الصهيوني بدلا من الحكم العسكري، يُعد مؤشرا على فرض سيادة فعلية على الضفة. لذلك
يُنظر إلى بناء قيادة وطنية موحدة باعتباره أمرا ضروريا وملحا جدا، مع الأمل في أن
يعيد مَن راهنوا على الحلول السياسية مع الاحتلال إعادة تقييم مواقفهم في ضوء
الوقائع الأخيرة.
على صعيد آخر، ما موقفكم من
المسودة الأولى لمشروع الدستور المؤقت لدولة فلسطين؟ وهل تعتقدون أنها بحاجة لضبط
كثير من المواد وتعديلها؟
يُطرح هنا تساؤل أساسي حول
واقع الدولة الفلسطينية في ظل المعطيات الميدانية؛ إذ يُشار إلى وجود مليون مستوطن
في الضفة الفلسطينية، وبات واضحا للغاية أن المشروع الصهيوني في اتجاهه نحو الضم
الفعلي للضفة الغربية.
بكل الأحوال، وصلتنا مسودة
المشروع، ونحن نقوم حاليا بدراستها، وسنقدّم رؤيتنا وملاحظاتنا بشأن هذا الموضوع
في الوقت المناسب. لكن، كما قلت، قناعتي أن هذه المسألة ليست أولوية في المرحلة
الراهنة؛ إذ إن الأولوية الأساسية الآن هي مواجهة المخططات التي تستهدف الشعب
الفلسطيني والتصدي لها، مع الاستمرار في دراسة مسودة المشروع وتقديم الملاحظات
التفصيلية حولها.
كيف تنظرون لانتخابات
المجلس الوطني الفلسطيني المقبلة؟ وما موقفكم الرسمي منها؟
نحن دائما كنا ولا زلنا
ندعو إلى إجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني داخل فلسطين وفي جميع مواقع
اللجوء والشتات، على أساس أن هذه الانتخابات تُمثل ضرورة وطنية، وأن كل المؤسسات
الفلسطينية يجب أن تعبّر عن إرادة الشعب الفلسطيني، وأن تكون مُنتخبة بشكل ديمقراطي
من قِبله.
هل قانون الانتخابات
المنتظر ربما يتضمّن شروطا تُقصي أطرافا فلسطينية بعينها؟
لقد أكدنا بوضوح رفضنا لأي
شروط سياسية مسبقة لإجراء الانتخابات؛ فقد طُرح سابقا أن مَن يريد المشاركة في
الانتخابات البلدية أو انتخابات المجلس الوطني يجب أن يوافق على القرارات الدولية،
وأن يلتزم بالبرنامج السياسي لمنظمة التحرير، إلى غير ذلك من الشروط، وهو أمر لا
يمكن القبول به على الإطلاق؛ فالساحة الفلسطينية تضم آراء وبرامج سياسية مختلفة،
وبالتالي نرفض أي قانون انتخابي يقصي أطرافا فلسطينية، مهما كانت هذه الأطراف.
وعندما نتحدث عن انتخابات وديمقراطية، فإن المبدأ الأساس هو أن يشارك الجميع
ببرامجهم، ويكون الشعب هو الحكم في تقييم هذه البرامج واختيار ما يراه مناسبا.
هل إجراء الانتخابات، في
حال تحقق، سيُحدث نقلة نوعية في النظام السياسي الفلسطيني؟
أنا أشك كثيرا في إمكانية
إجراء انتخابات في ظل التطورات السياسية القائمة، وما يجري في الضفة الفلسطينية من
عمليات ضم فعلي واستيطان متواصل وسيطرة ميدانية واسعة، إضافة إلى الظروف المعقدة
في قطاع غزة. لذلك، تبدو فرص إجراء الانتخابات ضعيفة جدا في ضوء التطورات السياسية
الخطيرة التي تعيشها الساحة الفلسطينية.
هل تعتقدون أن إسرائيل
سترفض إجراء الانتخابات في القدس الشرقية على غرار ما حدث في 2021؟
إذا كان الكيان الصهيوني لا
يعترف أصلا بوجود الشعب الفلسطيني، ويعلن بشكل متكرر سعيه للسيطرة الكاملة على
الضفة الفلسطينية، فمن غير المرجح أن يقبل بإجراء انتخابات في القدس الشرقية. نحن
أمام تطورات بالغة الخطورة، وواقع سياسي جديد لم تعد معه كثير من الأسئلة التي
كانت تُطرح في المراحل السابقة صالحة بالصيغة نفسها اليوم. نحن أمام واقع جديد
تماما بكل معنى الكلمة.
أخيرا، كيف تنظرون لمستقبل
غزة خلال المرحلة المقبلة؟
المخاطر والتحديات التي
تواجه غزة كبيرة، لكن هناك قناعة راسخة بأن صمود الشعب الفلسطيني، وما قدّمه من
صمود استثنائي خلال الأعوام الماضية، ولا سيما في مواجهة حرب الإبادة، شكّل حالة
تاريخية لافتة؛ فقد سجّلت غزة صفحة مجد وصمود بارزة في تاريخ الشعب الفلسطيني
والأمة العربية والعالم الإسلامي وأحرار العالم. وبناءً على ذلك، فإن مستقبل غزة
لن يقرره إلا الشعب الفلسطيني نفسه، الذي سيواصل، بإصراره وصموده، مسار الكفاح
والمقاومة من أجل انتزاع كامل حقوقه الوطنية.