قال الباحث الأويغوري المتخصص في الفكر السياسي الإسلامي، محمد أمين الأويغوري، إن "ما يتعرّض له مسلمو الأويغور اليوم في
تركستان الشرقية لم يعد قمعًا صاخبًا ومكشوفًا كما كان في ذروة حملات الاعتقال الجماعي عام 2017، بل تحوّل إلى نمط أكثر هدوءًا وتقنينًا يعتمد على المأسسة القانونية والرقابة التكنولوجية".
وأوضح، في مقابلة خاصة ومطوّلة مع "
عربي21"، أن "هذا التحوّل يجعل السياسات القمعية أكثر عمقًا واستدامة، وأشد خطورة من السابق، لأنها تستهدف البنية المجتمعية والهوية الجمعية للإويغور ضمن منظومة منظمة يصعب رصدها وتوثيقها أو التصدي لها دوليًا".
وأضاف أن "إغلاق بعض المعسكرات التي أثارت صدمة دولية لم يكن مؤشرًا على الانفراج، بل جزءًا من إعادة توزيع المحتجزين بين المسار الجنائي والمسار الاقتصادي المرتبط بالعمل القسري ضمن سلاسل التوريد العالمية".
وكشف الباحث الأويغوري، أن "بكين لم تتراجع عن فلسفة إعادة الهندسة الاجتماعية، وإنما اتجهت إلى تقنينها وتغليفها قانونياً، بالتوازي مع تخفيف المظاهر العسكرية في المدن الكبرى لإنتاج صورة استقرار موجهة للدبلوماسيين والسياح".
وذكر الأويغوري أن أخطر ما يميز المرحلة الراهنة هو ظهور ما وصفه بـ"السجن الرقمي المفتوح"، حيث حلت أنظمة المراقبة البيومترية والذكاء الاصطناعي محل نقاط التفتيش التقليدية، مشيراً إلى أن "تتبُّع السلوكيات وأنماط الحركة والتواصل الاجتماعي يخلق حالة خوف داخلية تدفع الأفراد إلى رقابة ذاتية مستمرة".
وإلى نص الحوار الخاص والمطوّل
مع "عربي21":
- كيف تنظرون لوضع مسلمي الأويغور
في الوقت الراهن؟ وهل هو يتحسن أم يسوء أكثر؟
توصيف الوضع الراهن يتمثّل في الانتقال من حالة "الطوارئ" إلى
حالة "المأسسة"؛ إذ لم يعد من الدقة النظر إلى الوضع باعتباره تحسّنا أو
تراجعا بالمعنى التقليدي، بل هو تحوّل من القمع الخشن والمكشوف إلى قمع ناعم وممنهج.
نشهد اليوم إعادة هيكلة منظومة الاحتجاز، حيث جرى تحويل عدد من المعسكرات إلى سجون
ومرافق عمل، خاصة بعد موجة الإدانة الدولية بين عامي 2017 و2021، ولم تتراجع
الصين
عن فلسفة "إعادة الهندسة الاجتماعية"، بل اتجهت إلى تقنينها وإضفاء طابع
قانوني عليها.
تم إغلاق بعض المعسكرات التي أثارت صدمة دولية، لكن ذلك لم يكن بالضرورة
بهدف إطلاق سراح المعتقلين، بل لإعادة توزيعهم على مسارين: المسار الجنائي، الذي يتضمن
نقل مئات الآلاف إلى سجون رسمية بأحكام قد تصل إلى 20 عاما أو أكثر.
وهو ما يمنح الاعتقال غطاءً قانونيًا أمام المجتمع الدولي، والمسار الاقتصادي، الذي يتمثّل في إدماج المحتجزين ضمن أنماط من العمل القسري في مصانع مرتبطة بسلاسل التوريد العالمية، تحت عناوين مثل "التخفيف من حدة الفقر".
وفي موازاة ذلك، برز ما يمكن وصفه بـ"السجن الرقمي المفتوح"، حيث استُبدلت بعض نقاط التفتيش العسكرية التقليدية بأنظمة رقابة بيومترية متقدمة. ويُستخدم الذكاء الاصطناعي في تتبُّع السلوكيات وأنماط الحركة والتواصل الاجتماعي، الأمر الذي يعمِّق حالة الخوف الداخلي ويدفع الأفراد إلى ممارسة رقابة ذاتية مستمرة، حتى داخل المجال الخاص.
وعلى خلاف الصورة التي تُروَّج عبر الوسائط الرسمية، فإن تخفيف المظاهر العسكرية في الشوارع الكبرى لمدن مثل أورومتشي وكاشغر يُقدَّم بوصفه مؤشرًا على الاستقرار أمام الوفود الدبلوماسية والسياح، بالتوازي مع إبراز مؤشرات النمو الاقتصادي المحلي وتطوير البنية التحتية في الإقليم.
في الجوهر، يمكن القول إن الوضع يزداد سوءًا على نحو بنيوي؛ لأن السياسات لم تعد تقتصر على استهداف الأفراد، بل امتدت إلى استهداف الهوية الجمعية للإيغور عبر أدوات أكثر استدامة وتعقيدًا.
وتشير تقارير عديدة إلى استمرار سياسات تقييد النسل والتعقيم القسري وما يخلفه ذلك من آثار ديموغرافية متراكمة، بما يهدد التوازن السكاني ويؤثر في البنية المجتمعية للإيغور على المدى البعيد.
وبناءً على ذلك، فإن خطورة المرحلة الراهنة قد تكون أكبر مما كانت عليه في عام 2017؛ لأن أنماط القمع الحالية تتسم بكونها أكثر هدوءًا وتقنينًا واعتمادًا على التكنولوجيا، ما يجعل رصدها وتوثيقها والتصدي لها دوليًا أكثر تعقيدًا وصعوبة.
- ما حجم التغيير الديموغرافي الذي شهدته تركستان الشرقية خلال العقدين الأخيرين؟
بناءً على المعطيات الميدانية والتقارير الديمغرافية المسربة، يمكن القول إن ما يحدث في تركستان الشرقية ليس مجرد "هجرة" أو "توسع سكاني"، بل هو عملية "إحلال ديموغرافي" كبرى وممنهجة تستهدف تغيير الطبيعة القومية والتركيبة البشرية للإقليم بشكل جذري وغير قابل للرجوع.
إذا نظرنا إلى حجم هذا التغيير خلال العقدين الأخيرين نرى أرقامًا خيالية كالتالي؛ فخلال العشرين عامًا الماضية، اتبعت بكين استراتيجية "الإزاحة والإحلال" عبر مسارين متوازيين: مسار التوطين الممنهج، بدفع الحزب الشيوعي بملايين الصينيين من قومية "الهان" للتوطين في الإقليم.
ففي عام 1949 كانت نسبة الهان لا تتجاوز 6%، أما اليوم، فوفقًا للإحصاءات الرسمية (التي يُعتقد أنها أقل من الواقع)، تقترب النسبة من 45%، وفي المدن الشمالية تتجاوز 70%، وهناك خلق لـ"جيوب استيطانية.
إذ تم بناء مدن كاملة وتخصيصها للمستوطنين الجدد، وتزويدها بكافة الامتيازات الوظيفية والسكنية، بينما يتم عزل السكان الأصليين في أحياء مراقَبة أو مناطق ريفية فقيرة.
أما الحرب على "الخصوبة" لتجفيف المنبع السكاني، فهي الجانب الأكثر رعبًا في التغيير الديموغرافي خلال العقد الأخير (تحديدًا منذ 2016)، الذي نتج عن الانهيار الدراماتيكي للمواليد في الإقليم.
وتشير البيانات الرسمية الصينية نفسها إلى انخفاض معدل المواليد في مناطق الأويغور (مثل كاشغر وختن) بنسبة تزيد عن 60% بين عامي 2015 و2018، وهذا الرقم لا يوجد له مثيل في أي منطقة صراع في العالم، حتى في أوقات الحروب الشاملة.
فضلًا عن التعقيم والتحكم القسري للتركستانيات، فقد تم توثيق حملات واسعة النطاق لفرض أجهزة منع الحمل والتعقيم القسري على النساء الأويغوريات، مع فرض غرامات باهظة أو الاعتقال في المعسكرات لمن ترفض أو تنجب طفلًا "إضافيًا".
وفيما يتعلق بتشتيت الكتلة البشرية (الترحيل القسري)، فإن التغيير الديمغرافي لا يتم فقط عبر القتل أو منع الولادة، بل أيضًا عبر "التذويب الجغرافي"، ويتم ذلك بنقل العمالة القسرية؛ فبحجة "تخفيف الفقر"، يتم نقل مئات الآلاف من الشباب والفتيات الأويغور للعمل في مصانع في أقصى شرق الصين.
والذي يخيفنا كتركستانيين هو سياسة تأميم الأطفال، التي تعني فصل مئات الآلاف من الأطفال عن عائلاتهم ووضعهم في "مدارس داخلية" حكومية، وهو تغيير ديمغرافي بعيد المدى؛ فالهدف هو إنتاج جيل "بيولوجيًا أويغوري، وثقافيًا صيني"، مما يعني انتهاء الوجود الديمغرافي النوعي للإويغور في المستقبل.
أما العامل الجيوسياسي لهذه السياسات، فتدرك الصين أن السيطرة العسكرية لا تكفي لضمان التبعية المطلقة لتركستان الشرقية، لذا تستخدم "السلاح الديمغرافي" لحسم الصراع، فمثلًا، في الجنوب كولاية خوتن وكاشغر وآقصو (معقل الأويغور التاريخي)، كانت الكثافة السكانية للسكان الأصليين تُشكِّل حائط صد طبيعيًا ضد النفوذ الصيني.
فاليوم، عبر تقليل عدد الأويغور وزيادة عدد المستوطنين، تسعى بكين لتحويل الأويغور إلى "أقلية في وطنهم"، مما يجهض أي مطالب مستقبلية بتقرير المصير أو الحكم الذاتي.
- كيف أثرت الحرب التجارية بين الصين والغرب على تسليط الضوء على قضية الأويغور؟
أحدثت الحرب التجارية والجيوسياسية بين الصين والغرب انعطافًا تاريخيًا في مسار القضية الأويغورية؛ حيث كسرت حاجز الصمت الدولي، وحوّلت الحرب التجارية قضية الأويغور من ملف "حقوقي منسي" في أروقة المنظمات غير الحكومية إلى أولوية في السياسة الدولية.
واستخدم الغرب الملف كأداة للضغط الأخلاقي والسياسي لإضعاف الشرعية الدولية للصين، وبرزت القضية بقوة عندما فُرضت عقوبات على المنتجات الصينية القادمة من تركستان الشرقية (مثل القطن والسيليكون)، بدعوى ارتباطها بالعمل القسري، وهذا الربط الاقتصادي أجبر الشركات العالمية والمستهلكين على الانتباه للمأساة الأويغورية التركستانية.
باختصار، الحرب التجارية منحت الأويغور "مكبر صوت عالمي"، لكنها في الوقت ذاته جعلت القضية رهينة للتجاذبات السياسية بين القوى العظمى، مما قد يهدد بفتور الاهتمام بها إذا ما توصل الطرفان لصفقات تجارية كبرى.
- لماذا تراجع الاهتمام الدولي بقضية مسلمي الأويغور؟ وما خطورة ذلك؟
أسباب تراجع الاهتمام الدولي كثيرة، أرى أن من أهمها هو تزاحم الأزمات الكبرى وتخمة الأجندة الدولية. لقد أدت الأحداث الجيوسياسية المتلاحقة منذ عام 2022، بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية وصولاً إلى "طوفان الأقصى" والأزمات في السودان واليمن، إلى إزاحة ملف الأويغور من صدارة المشهد الإعلامي والسياسي.
ففي عالم السياسة، "الأزمات المشتعلة عسكرياً" تطغى دائماً على "الأزمات الحقوقية الهيكلية". بالمقابل، تستخدم الصين سلاح "دبلوماسية الترهيب والترغيب" الصيني، الذي نجحت الصين في استخدام قوتها الاقتصادية لفرض الصمت على الكثير من الدول، خاصة في العالم الإسلامي والنامي، مرتبطة باتفاقيات تجارية واستثمارات ضخمة ضمن "مبادرة الحزام والطريق"، مما جعل انتقاد بكين في ملف الأويغور مكلفاً سياسياً واقتصادياً.
مشكلة أخرى تضاف إلى مسار صعوبة
قضيتنا العادلة، وهي الاستقطاب العالمي الصيني (فخ التسييس) بسبب تبني الغرب
للقضية كجزء من صراعه مع الصين.
حيث شعرت دول كثيرة بأن التضامن مع الأويغور يعني
الوقوف في الخندق الأمريكي، وهذا "التسييس" أضعف البُعد الإنساني الصرف
للقضية وجعلها تبدو كأنها ورقة في حرب باردة جديدة.
وخطورة هذا التراجع الدولي تأتي
بنتائج مخيفة للغاية؛ حيث تمنح بكين "عامل الزمن" للحسم النهائي للقضية
التركستانية؛ وتراهن الصين على أن العالم سيمل من تكرار التقارير الحقوقية.
هذا
الفتور يمنح بكين الهدوء اللازم لإتمام عملية "الهندسة الاجتماعية"
وتسريع وتيرة الإبادة الجماعية؛ فبينما ينشغل العالم بأزمات أخرى، تُكمل الصين
بناء المدارس الداخلية لفصل الأطفال ومراكز غسل الأدمغة، وتستمر في تغيير الديمغرافيا
بصمت.
- هل تنعكس التوترات بين الصين والولايات المتحدة وقضية تايوان على قضية الأويغور؟
بالطبع، نعم، وبشكل جذري. العلاقة هنا هي علاقة "ارتباط شرطي أمني"؛ بحيث إن تركستان الشرقية تعتبرها الصين جبهة خلفية، وترى أن أي "تخلخل" في سيطرتها على الإقليم سيجعله ثغرة تستغلها واشنطن لزعزعة استقرار العمق الصيني.
لذا، كلما زاد التوتر حول تايوان، زادت بكين من قبضتها الأمنية في تركستان الشرقية لتأمين "الجبهة الخلفية".
ويخشى الأويغور دائمًا أن تكون قضيتهم "ورقة مقايضة"؛ أي أن تتنازل واشنطن عن ضغطها في ملف حقوق الإنسان مقابل تنازلات صينية في ملفات تجارية أو نووية أو في ملف تايوان.
- هناك شائعات عن تصفية كبيرة في قيادات الحزب الشيوعي الصيني.. ما صحة تلك الأنباء؟
إذا نظرنا في الأمر بدقة وعمق حول هذه الأحداث، نشهد بأنها موجة "التطهير" الأكبر منذ عقود في الحزب الشيوعي الصيني، وتحديدًا في "اللجنة العسكرية المركزية"؛ بحيث يحاول الرئيس الصيني شي جين بينغ تفكيك القيادة العسكرية من أجل خلخلة قبضتها.
نتجت المحاولة عن فراغ في السلطة التي تقلص عدد أعضاء اللجنة العسكرية المركزية من سبعة أعضاء إلى عضوين فقط (شين جين بينغ ومسؤول الانضباط تشانغ شنغ مين)، وهو وضع غير مسبوق في تاريخ الصين الحديث يعكس حالة من عدم الثقة المطلقة داخل الحزب.
كما شملت التصفيات قيادات "قوة الصواريخ" ومسؤولي التصنيع الدفاعي ووزراء سابقين، مما يؤكد أن شين جين بينغ يقوم بعملية "إعادة ضبط سياسي" شاملة لضمان الولاء قبل أي مواجهات استراتيجية كبرى.
وأما تداعيات هذه التصفيات على الأوضاع الأمنية في تركستان الشرقية، فحسب تجربتنا منذ الاحتلال الصيني، لا يؤدي هذا الاضطراب في بكين إلى "تخفيف" القبضة في تركستان الشرقية، بل يؤدي إلى نتائج عكسية تمامًا.
بل ينتج عنها المبالغة في القمع كصمام أمان في ظل مناخ "التصفيات". يسعى المسؤولون المحليون في الإقليم (بمن فيهم سكرتير الحزب وقادة الشرطة) إلى إثبات ولائهم المطلق عبر تشديد الإجراءات الأمنية، أي أن أي "تهاون" أو "لين" في التعامل مع الأويغور قد يُفسر في بكين على أنه "تقصير أمني" أو "تآمر"، مما يعرّض أولئك المسؤولين لخطر التطهير.
وتنظر بكين إلى تركستان الشرقية كـ "ثغرة أمنية" محتملة، وفي ظل الصراعات الداخلية، تزداد الخشية من أن تُستغل أي قلاقل في الإقليم لزعزعة استقرار النظام في المركز.
لذا، يتم اللجوء إلى "الإغلاق الاستباقي" وتشديد الرقابة التكنولوجية لمنع حدوث أي طارئ قد يُحسب ضد القيادة الحالية.
ومن آثار ذلك أيضًا، تراجع صوت العقل؛ فالتصفيات تؤدي إلى إقصاء التكنوقراط الذين قد يميلون لحلول اقتصادية أو اجتماعية، وتفسح المجال لـ "الصقور" الذين يؤمنون فقط بالقبضة الحديدية، والنتيجة هي جمود أمني يمنع أي مراجعة للسياسات القمعية الحالية.
بالنسبة لتركستان الشرقية، هذا الزلزال يُترجم إلى مزيد من التوتر الأمني وتزايد القمع؛ حيث يصبح الإقليم "مختبرًا للولاء"، ويتحول الأويغور إلى ضحايا لسباق المسؤولين الصينيين في إظهار الحزم والقسوة لتجنب مقصلة التطهير التي تطال الكبار في بكين.
- هل توجد مقاومة ثقافية أو دينية صامتة داخل المجتمع الأويغوري؟
نعم، توجد مقاومة ثقافية ودينية صامتة، وهي اليوم تُمثل الجبهة الأكثر صمودًا في وجه محاولات الصهر القسري التي تنتهجها بكين. في ظل نظام رقابة هو الأكثر تطورًا في التاريخ البشري، تحوّلت المقاومة من شكلها "الميداني" إلى شكل "بيولوجي ووجداني" عميق.
حسب متابعتي لواقعنا في الداخل، هناك أشكال لهذه المقاومة الصامتة وآلياتها تتبلور في تمسك الشعب التركستاني بالإسلام كهوية منقذة من الظلم في نهاية المطاف، ولذا تستمر الممارسة السرية به رغم الظروف المستحيلة.
لجأ الأويغور إلى ما يسمى "التدين السري أو الجوهري" كالصيام الصامت، والذي يمتنع الكثيرون عن الطعام والشراب في رمضان مع التظاهر بالعكس أمام كاميرات المراقبة أو الموظفين الصينيين المقيمين في منازلهم، وبالحفاظ على القيم الأخلاقية الإسلامية كأداة للتميز عن "النموذج الشيوعي" المفروض.
بالإضافة إلى الرفض الغذائي الصيني، بالتمسك الصارم بالأكل الحلال والامتناع عن محرمات الطعام والشراب، وهو فعل يومي يؤكد الفصل بيننا وبينهم.
وهذه الظاهرة تشير إلى فشل المشروع الصيني رغم استمرار بكين في إنفاق المليارات على الرقابة؛ فلو كان "الاندماج" قد نجح فعلاً، لما احتاجت السلطات إلى وضع كاميرات داخل غرف المعيشة، وإرسال موظفين صينيين للعيش داخل بيوت الأويغور في برنامج سياسة التوأمة.
فضلاً عن إجبار الناس على الرقص في الساحات العامة لإثبات "السعادة" المزعومة. لذلك، نقول إن المقاومة الصامتة في تركستان الشرقية هي صراع من أجل الذاكرة، وبممارسة استراتيجية "البقاء بانتظار المتغيرات".
- هل لدى الأويغور في المهجر لوبيات ضغط مؤثرة في الغرب؟
نعم، نجح الأويغور في المهجر في بناء لوبيات ضغط أثبتت فاعلية غير متوقعة مقارنة بحداثة عهدها ومواردها المحدودة تجاه الأذرع الصينية، كتأثيرهم في صدور التشريع القانوني.
ونجحت هذه اللوبيات في دفع برلمانات دول كبرى كالولايات المتحدة وكندا وبريطانيا وفرنسا للاعتراف رسميًا بأن ما يحدث في تركستان الشرقية هو "إبادة جماعية".
كما صدرت قوانين المقاطعة الاقتصادية، واستُصدِرَ "قانون منع العمل القسري للإويغور" في أمريكا، مما أجبر شركات عالمية على مراجعة سلاسل توريدها وتجنب منتجات القطن والسيليكون القادمة من الإقليم.
واستطاعت هذه اللوبيات أيضًا تحويل مأساة الأويغور من "شأن داخلي صيني" إلى قضية رأي عام عالمي، عبر توفير شهود عيان (ناجون من المعسكرات) وتسريب وثائق سرية أثبتت تورط القيادات الصينية.
ويمتلك الأويغور اليوم "قوة ناعمة" مؤثرة في الغرب، لكنها تظل لوبيات حقوقية وأخلاقية أكثر منها سياسية، ولا تزال تكافح لموازنة المصالح الاقتصادية الضخمة للدول مع قضايا مبادئ حقوق الإنسان.
- هل هناك انقسام داخل النخب الصينية حول طريقة إدارة هذا الملف؟
عادةً ما لا يظهر الانقسام في الأنظمة الشمولية كصراع حزبي علني، بل كتَبايُن في الرؤى الاستراتيجية خلف الأبواب المغلقة، إلا أن هناك تيار التكنوقراط المُهمَّش يرى أن سياسة "الأرض المحروقة" في تركستان الشرقية تسببت في خسائر فادحة لسمعة الصين الدولية.
كما وعرقلت تدفق الاستثمارات الغربية، وحوّلت "مبادرة الحزام والطريق" إلى مادة للنقد الحقوقي. هؤلاء يفضلون "القوة الناعمة" والاستيعاب الاقتصادي التدريجي للإقليم.
وهناك تيار "الصقور الأمنيين" المسيطر، والذي يقوده شي جين بينغ، ويؤمن بأن أي تهاون ثقافي هو تهديد لوجود الدولة. بالنسبة لهم، الأمن يسبق الاقتصاد.
في ضوء هذا، يمكننا بجزم القول إن الانقسام حاليًا هو انقسام "صامت"؛ إذ النخب الاقتصادية تخشى أن تؤدي هذه السياسات إلى "عزلة دولية" دائمة للصين، لكن قبضة شي جين بينغ الحديدية وعمليات التطهير الأخيرة جعلت من المستحيل ترجمة هذا التوجس إلى معارضة سياسية فعلية.
- في حال تغيرت القيادة الصينية مستقبلاً، هل يمكن أن نشهد مراجعة جذرية لهذه السياسات أم أن الملف أصبح جزءًا من العقيدة الأمنية للدولة؟
يُعتبر الملف التركستاني جزءا من العقيدة الأمنية السياسية التي تحوّلت
إلى "هوية دولة"؛ إذ يجب إدراك أن السياسة الصينية تجاه تركستان الشرقية
لم تعد مجرد "قرارات إدارية" مرتبطة بشخص "شين جين بينغ" فحسب.
بل تم دمجها في عقيدة الأمن القومي للدولة الصينية، وذلك للأسباب التالية: يرتبط ذلك
بمفهوم الأمة الصينية الواحدة، الذي انتقلت من خلاله الصين من نموذج الاعتراف بالتعددية
القومية إلى نموذج "الصهر العرقي".
كما يبرز خوف "المركز" من انهيار "الأطراف"، حيث تسيطر
على القيادة الصينية هواجس انهيار الاتحاد السوفيتي، وتعتقد قيادة الحزب الشيوعي أن
أي تخفيف للقبضة في تركستان الشرقية سيؤدي بالضرورة إلى مطالب استقلالية في التبت ومنشوريا
وحتى هونج كونج، مما يعني بداية تآكل الدولة من الداخل.
وتندرج ضمن هذا الإطار أيضًا البنية التحتية القمعية؛ إذ استثمرت الصين مليارات الدولارات في بناء "صناعة أمنية" ضخمة في الإقليم (سجون، مراكز بيانات، أنظمة مراقبة، ومئات الآلاف من الموظفين الأمنيين).
وقد أصبح هذا الجهاز الضخم يمتلك "مصلحة ذاتية" في استمرار القمع لضمان بقائه وتمويله، وهو ما يُشكِّل ضغطًا على أي قيادة مستقبلية.
كما يبرز سيناريو "الجمود العقائدي"، حيث إنه في حال جاءت قيادة أكثر قومية وتشددًا، قد يستمر النهج الحالي، بل وقد يتصاعد ليشمل عمليات تهجير أوسع، انطلاقًا من قناعة بأن "الحسم النهائي" للملف هو الضمانة الوحيدة لبقاء الحزب الشيوعي في السلطة.
وأعتقد، في هذا المقام، واستنادًا إلى تجربة قيادات حكومة جمهورية تركستان الشرقية قبل احتلال الحزب الشيوعي، أن هناك سيناريو آخر يمكن تسميته بـ"الانفتاح الاضطراري" (وهو الأقل احتمالًا).
إذ لا يمكن حدوث مراجعة جذرية إلا في حالة وقوع
أزمة نظامية كبرى (اقتصادية أو عسكرية) تُضعف قبضة الحزب الشيوعي وتُجبره على التفاوض
مع الأقليات العرقية لضمان بقائه، وهو ما يذكّر بمرحلة "البيروسترويكا" في
الاتحاد السوفيتي، وهو السيناريو الذي تخشاه الصين أكثر من أي شيء آخر.
- كيف يمكن للدول الإسلامية
التحرك عمليا نحو نصرتكم دون الاصطدام المباشر بالصين؟
يُمثل هذا السؤال "معضلة المعضلات" في السياسة الخارجية للدول
الإسلامية، حيث تتصادم الواجبات الأخلاقية والانتماء الهوياتي مع المصالح الجيوسياسية
والاقتصادية المعقدة.
ومع ذلك، وبناءً على قراءة واقعية لموازين القوى في عام 2026،
يمكن للدول الإسلامية التحرك عبر استراتيجية "الدبلوماسية الهادئة والمقايضات
الذكية"، بعيدا عن الصدام العسكري أو القطيعة الاقتصادية.
ويمكن للدول العربية والإسلامية دعم القضية التركستانية من خلال مسارات
متعددة، من أبرزها تفعيل "دبلوماسية المسار الثاني" عبر القنوات غير الرسمية.
إذ يمكن للدول الإسلامية الكبرى (مثل السعودية وتركيا وإندونيسيا ومصر) استخدام علاقاتها الاستراتيجية مع بكين لفتح قنوات حوار مغلقة بعيدًا عن صخب الإعلام، بهدف إقناع بكين بأن "القمع العنيف" في تركستان الشرقية يغذي التطرف في المنطقة ويهدد أمن استثمارات الصين في الحزام والطريق.
كما يمكن تفعيل دور منظمة التعاون الإسلامي عبر العمل الجماعي، لأن التحرك ككتلة يغيّر المعادلة، حيث قد تتمكن المنظمة من المبادرة بتشكيل لجنة دائمة داخلها لمتابعة أوضاع الأقليات المسلمة.
فضلًا عن المطالبة بفتح الإقليم لبعثات علمية ودينية إسلامية (لا غربية) للاطلاع على الأوضاع، وهو ما يحد من قدرة الصين على اتهام المنظمة بأنها أداة في يد المخابرات الأمريكية، وبالتالي يكسر سردية "المؤامرة الغربية".
ومن زاوية أخرى، يمكن استغلال "الحاجة الصينية" لأسواق الطاقة
والطرق؛ حيث تعتمد الصين في عام 2026 بشكل شبه كلي على الخليج العربي لضمان أمن طاقتها،
وعلى الممرات المائية الإسلامية لتجارتها.
وهو ما يتيح هامشا عمليا لربط توسيع الاستثمارات
بمدى احترام الصين للخصوصية الثقافية والدينية للمسلمين. ويمكن للدول الإسلامية أن
تطلب، كجزء من الشراكة الاستراتيجية، الحفاظ على المساجد التاريخية وإعادة فتح قنوات
التواصل للأسر المشتتة بين الإقليم والمهجر.
إن قوة الدول الإسلامية تكمن في قدرتها على سحب غطاء الشرعية الأخلاقية
عن الرواية الصينية، وهذا أقوى سلاح يمكن استخدامه دون إطلاق رصاصة واحدة أو خسارة
دولار واحد من الاستثمارات.
ما السيناريوهات المستقبلية
المحتملة للشعب التركستاني.. استمرار القمع أم دمج قسري كامل أم انفجار داخلي؟
بناءًا على المعطيات الجيوسياسية الراهنة، والتحوّلات العميقة في بنية النظام السياسي الصيني، وتطور أدوات الرقابة التكنولوجية، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات أساسية لمستقبل تركستان الشرقية، يحمل كل منها في طياته بذور مآلات مختلفة للقضية الأويغورية / التركستانية.
السيناريو الأول هو "الدمج القسري المؤَسَّس" (وهو الأرجح في المدى المتوسط)، ويفترض نجاح الصين في تحويل القمع من حالة طوارئ إلى نظام حياة دائم، مع استمرار سياسة تأميم الأطفال في المدارس الداخلية.
وتكثيف نقل العمالة القسرية إلى عمق الصين، والحفاظ على الرقابة الرقمية الشاملة، بما يجعل السيطرة بنيوية ومستمرة وليست استثنائية أو ظرفية.
أما السيناريو الثاني فهو "الانفجار الداخلي العنيف" (سيناريو الأزمة)؛ إذ رغم القبضة الحديدية، يخبرنا التاريخ أن الضغط المفرط يولد طاقة انفجارية غير متوقعة، وقد لا يبدأ هذا الانفجار من الأويغور أنفسهم.
بل من "المركز"؛ فأزمة اقتصادية كبرى في الصين، أو هزيمة عسكرية في ملف تايوان، أو صراع دموي على السلطة في بكين، قد تؤدي إلى تراخي القبضة الأمنية على الأطراف، وفتح المجال أمام تحوّلات غير محسوبة في الإقليم.
أما السيناريو الثالث فهو تجميد الصراع والتدويل المستدام، ويفترض بقاء الوضع على ما هو عليه دون حسم لأي طرف (الاستعصاء)، مع استمرار القمع الصيني دون القدرة على محو الهوية تمامًا، وفي المقابل استمرار الضغط الغربي والشتات الأويغوري في إبقاء القضية حية دوليًا.
وينتج عن ذلك تحوّل تركستان الشرقية إلى "قضية مزمنة" (مثل القضية الفلسطينية) تستنزف سمعة الصين ومواردها، وتمنعها من تحقيق الريادة الأخلاقية العالمية، مع بقاء المجتمع الأويغوري في حالة "مقاومة سلبية" دائمة.