دعت المفوض العام السابق للمفوضية القومية لحقوق الإنسان في
السودان، ورئيسة الشبكة الأفريقية لحماية الحقوق، إيمان فتح الرحمن سالم، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، المجتمع الدولي إلى اتخاذ "موقف حاسم ورادع ضد ميلشيا
الدعم السريع التي لا تزال ترتكب حتى الآن
انتهاكات واسعة النطاق ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية".
وشدّدت على أن "المجتمع الدولي مُطالب بإيقاف الدعم الخارجي للمليشيا، ووقف تدفق السلاح والمال، ومحاسبة الدول المتورطة في ذلك، ووقف التجنيد لصالح المليشيا من دول أجنبية وإقليمية، كما ينبغي تمهيد الطريق للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أمام محاكم خاصة لضمان عدم الإفلات من العقاب".
وقالت سالم إن ما يجري في بلادها بعد أكثر من ألف يوم من الحرب "يفوق في قسوته كثيرا من النزاعات الأخرى، لأن الحرب وُجّهت مباشرة ضد المدنيين"، لافتة إلى أن "استهداف العزل والانتهاكات الممنهجة يجعلان السودان أمام مأساة إنسانية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة الحديث".
وأشارت رئيسة الشبكة الأفريقية لحماية الحقوق، إلى أن "الحرب تسبّبت في تهجير نحو 16 مليون شخص، ودمّرت البنية التحتية والخدمات الأساسية"، مبينة أن "مدنا وقرى بالكامل أُفرغت من سكانها، وأن مؤسسات الدولة تعرّضت للنهب والتخريب، بينما لا تزال ملايين الأسر تعاني أوضاعا قاسية في معسكرات النزوح واللجوء، وسط تحديات هائلة أمام عودة الحياة الطبيعية".
وفيما يلي نص المقابلة الكاملة مع "عربي21":
كيف تصفون ما يجري في السودان اليوم بعد مرور أكثر من 1000 يوم من الحرب مقارنة بنزاعات وصراعات في دول أخرى؟
رغم أن الحرب في أي مكان شرّ كبير وتترك آثارا كارثية، فإن ما يجري في السودان يُعد أشد قسوة، لأن مليشيا "الدعم السريع" التي تمردت على الجيش وجّهت حربها مباشرة ضد المواطن، ولم تلتزم بالنظم العسكرية المتعارف عليها ولا بالقانون الدولي الإنساني، بل جعلت المدنيين العزل هدفا مباشرا لعملياتها.
مارست المليشيا أسوأ أنواع الانتهاكات والجرائم ضد الإنسانية بصورة ممنهجة وواسعة النطاق، بدءا من العاصمة الخرطوم، ثم ولاية الجزيرة، وولاية سنار، ودارفور، وكردفان، وشملت الانتهاكات الاختطاف والإخفاء القسري، والقتل الجماعي خارج إطار القانون، والإعدامات الميدانية التي تم تصويرها ونشرها في أم درمان، والفاشر، والجزيرة، والجنينة، ومناطق أخرى.
كما استُخدمت أجساد النساء كسلاح حرب عبر الاغتصابات الجماعية، والاستغلال الجنسي، والاستعباد الجنسي، والاتجار بالبشر عبر الحدود، حيث تم بيع فتيات في دول الجوار، وقد تعرّضت نساء وفتيات من مختلف الأعمار للاغتصاب، من طفلات في سن السادسة والثانية عشرة، إلى نساء مسنّات في الخامسة والسبعين وحتى الخامسة والثمانين من العمر، وهو ما وثقته منظمات دولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش.
تسبّبت الحرب في تهجير قسري لما يقارب 16 مليون شخص، منهم نحو 12 مليون نازح داخليا، و4 ملايين لجؤوا إلى خارج البلاد، وقد أُفرغت مدن وقرى كاملة من سكانها، واحتُلت المنازل، ونُهبت الممتلكات، وترك العديد من البيوت جدرانا خاوية، ما أدى إلى إفقار واسع للمواطنين. كما طال النهب والتخريب مؤسسات الدولة وقطاعات الكهرباء والمياه ومحطات الوقود، واحتُلت مصفاة البترول والمصانع والشركات والمدارس والجامعات والصيدليات والمتاحف ودار الوثائق والمكتبات.
احتُلت المستشفيات وحُولت إلى ثكنات عسكرية ومخازن سلاح، وقُتل مرضى وكوادر طبية، واستُخدم الحصار والتجويع كسلاح حرب، كما حدث في مدينة
الفاشر التي حوصرت لمدة عام ونصف، ما اضطر السكان إلى أكل "الأمباز" (علف البهائم)، وانتشرت الكوليرا وسط شح المياه وانهيار النظام الصحي وتدهور الأمن الغذائي، وجرى أيضا تجويع الأسرى حتى مات الآلاف منهم جوعا وعطشا داخل محابسهم.
شهدت الحرب أيضا عمليات تطهير عرقي ضد بعض الإثنيات، مثل المساليت في الجنينة، حيث جرت تصفيات على أساس العرق، وتهجير قسري نحو تشاد في رحلات موت، طاردت خلالها المليشيا المدنيين وقتلتهم عشوائيا مع الإيذاء اللفظي والترهيب.
وفي يوم واحد قُتل نحو ألف مواطن دُفنوا في مقبرة جماعية، ثم تلت ذلك موجات قتل استهدفت آلاف النساء والأطفال وكبار السن. كما تعرّضت إثنية الزغاوة والمساليت في الفاشر لإعدامات جماعية، ولا يزال مصير نحو 200 ألف مواطن مجهولا في ظل تعتيم إعلامي ومنع للمنظمات الدولية من الدخول إلى المدينة، فيما أفادت منظمة "أطباء بلا حدود" بأن الوضع داخل الفاشر مغلق للغاية، وكذلك أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى صعوبة الوصول.
كما اعتدت المليشيا على معسكرات اللاجئين في أبو شوك وطويلة ومحيطهما، وقصفت رياض أطفال، ما أدى إلى مقتل 37 طفلا في منطقة كالوقي بكردفان، ثم أعقبت القصف بهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت المسعفين في الروضة والمستشفى، ليرتفع عدد القتلى إلى أكثر من مائة شخص.
ما أبرز التداعيات الإنسانية والخدمية بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب؟
بعد مرور أكثر من ألف يوم على اندلاع الحرب، يجد المواطن نفسه خارج منزله لما يقارب ثلاثة أعوام، يعاني من ويلات النزوح واللجوء والفقد، حيث شهدت البلاد انهيارا واسعا في البنية التحتية والقطاعات الخدمية، بينما تحاول الدولة استعادة عافيتها بصعوبة بالغة في المناطق المحررة.
بدأ الموظفون يعودون تدريجيا إلى أعمالهم بعد انقطاع دام قرابة ثلاث سنوات، كما تتأهب القطاعات الخدمية لاستئناف نشاطها، في وقت لا تزال فيه الحرب مستعرة في كردفان ودارفور، وقد تحررت العاصمة وولايات الوسط، وتعود الحياة فيها بسلاسة نسبية، حيث تسجل المنظمة الدولية للهجرة حركة عودة طوعية إلى المدن واستعادة تدريجية لمظاهر الحياة.
عادت الحياة بقوة في بعض المدن مثل أم درمان ومدينة ود مدني، بينما تعود بحذر في الخرطوم والخرطوم بحري. ومع ذلك، لا يزال أمام المواطنين والدولة كمّ هائل من التحديات التي تتطلب حلولا شاملة حتى يتمكنوا من استعادة حياتهم بصورة طبيعية.
لا تزال ملايين الأسر تعاني في معسكرات اللجوء أوضاعا إنسانية قاسية، فيما تستعيد المستشفيات عافيتها رويدا رويدا، ويبقى التحدي الأكبر هو عودة الملايين من التلاميذ إلى مدارسهم والطلاب إلى جامعاتهم؛ إذ تُقدّر المنظمات الدولية عدد الأطفال خارج المدرسة بنحو 8 ملايين تلميذ، بينما قدّرت منظمة Save the Children عدد المتسربين بنحو 3 ملايين تلميذ، في مؤشر خطير على مستقبل جيل كامل يواجه خطر الضياع.
هل يمكن القول إن السودان دخل مرحلة انهيار إنساني شامل؟
يمكن القول إن السودان بلغ مرحلة انهيار إنساني مقلقة للغاية، وقد وُصفت الحرب بأنها أسوأ كارثة إنسانية في العالم، وفق تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وبشهادات مسؤولين دوليين، من بينهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إلى جانب ما ورد في تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، وتقارير منظمة الصحة العالمية والمنظمة الدولية للهجرة.
كما أشرنا سابقا، أحدثت الحرب دمارا واسعا في بنية الدولة التحتية، فانهار الوضع الاقتصادي والأمني، وتدمّرت سلاسل الإمداد والأمن الغذائي، في ظل الحصار والقتل العمد وموجات النزوح واللجوء، حتى توقفت حياة الناس في كثير من المناطق. انهار الوضع الصحي والبيئي، وانتشرت أمراض مثل الكوليرا وحمى الضنك، مع خروج نحو 70% من المستشفيات عن الخدمة، وتدمير بنيتها التحتية، واستمرار تهديد حياة الطواقم الطبية وقتلهم واختطافهم.
بلغ التدهور الإنساني مستوى صادما منذ الشهر الأول للحرب؛ إذ مات بعض الناس جوعا داخل منازلهم، ولم يُدفن بعضهم إلا بعد أيام، فيما دُفن آخرون داخل المنازل بواسطة فرق الهلال الأحمر السوداني. كما حالت حدة القتال وتدهور الوضع الأمني دون دفن الجثث، فتحللت في الشوارع، في مشهد مأساوي يعكس عمق الانهيار.
ومع ذلك، فإن الوضع الإنساني يمر حاليا بمراحل متفاوتة تبعا للوضع العسكري؛ ففي كردفان ودارفور وعدد من القرى ومعسكرات النزوح، مثل أبو شوك وطويلة، لا يزال الوضع الصحي منهارا.
وكانت المنظمة الدولية للهجرة قد أعلنت قبل نحو شهرين ونصف أن مستودعاتها في طويلة أصبحت فارغة، وأن الوضع بلغ مرحلة الانهيار.
في المقابل، بدأ الوضع الإنساني يتعافى تدريجيا في المدن المحررة، كما تبدو المعسكرات في الولاية الشمالية أفضل حالا نسبيا، مثل معسكر العفاض، نظرا لسهولة الوصول إليه واستقرار الوضع الأمني، حيث يُعاد افتتاح المستشفيات والمراكز الصحية والصيدليات، وتُفتح الأسواق وتُؤهَّل المحال التجارية والمصانع. ومع ذلك، تبقى الأوضاع هشة وتعاني من فقدان المقدرات الأساسية.
كيف تقيّمين أوضاع النساء والأطفال وذوي الإعاقة وكبار السن في مناطق النزاع أو النزوح؟ وهل هناك آليات حماية كافية لهم؟
المرأة تتحمل العبء مضاعفا؛ أولا بوصفها أنثى تعرّضت، كما أسلفنا، لعنف جنسي ممنهج، وثانيا بوصفها معيلة للأسرة كأم أو جدة أو أخت، مسؤولة عن تماسك العائلة واستقرارها في ظل غياب الرجال، وفقدان مصادر الدخل، وتكسر سلاسل الحماية التقليدية، فضلا عن أعباء النزوح واللجوء.
النساء الناجيات من الاغتصاب يعانين من صدمات نفسية عميقة وخوف من الوصم الاجتماعي، وبعضهن يواجهن واقع الإنجاب من آباء مجهولي الهوية، بما يحمله ذلك من تعقيدات نفسية واجتماعية.
الأطفال بدورهم يعانون من فقدان الأمان وبيئاتهم الحامية؛ ففي مناطق النزاع بدارفور وكردفان، يتعرض بعضهم للتجنيد الإجباري، ويتفشى التسرب من التعليم وسوء التغذية، وتشير بعض الإحصاءات إلى أن أكثر من ألف طفل فقدوا أسرهم ويهيمون دون رعاية، فيما يعاني آخرون من إصابات حرب أدت إلى إعاقات جسدية، مثل بتر الأطراف أو إصابات العيون، فضلا عن تعثر العملية التعليمية على نطاق واسع.
أما ذوو الإعاقة وكبار السن، فهم من أكثر الفئات هشاشة؛ إذ يفتقدون الحماية الكافية، وغالبا ما يُتركون دون دعم أثناء النزوح، ويواجهون صعوبات جسيمة في الوصول إلى الخدمات الإنسانية والرعاية النفسية. ومع ازدحام المخيمات ومراكز اللجوء، يفتقدون البيئة الملائمة، ويعانون أحيانا من العزلة والإهمال.
فيما يتعلق بآليات الحماية، فهي ضعيفة وغير كافية لأسباب عدة: عدم قدرة الدولة على أداء دورها الكامل في ظل التحديات الضاغطة؛ مشكلات التنسيق بين الفاعلين الإنسانيين، وقيود أمنية تعيق الوصول إلى المناطق المتأثرة؛ إضافة إلى ضعف التمويل الدولي قياسا بحجم الكارثة. كما أن سيطرة المليشيا على الطرق المؤدية إلى المناطق المتضررة، واعتداءاتها على القوافل الإنسانية، ووقائع قتل موظفين أمميين، مثل ما حدث مؤخرا لقافلة تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال كردفان، تعرقل إيصال المساعدات، وكذلك تؤدي الحصارات المستمرة في كردفان ودارفور إلى منع توزيع الإغاثة.
وعليه، ثمة حاجة ملحة إلى تكثيف الجهود الدولية؛ حيث تكشف الوقائع عن فجوة خطيرة بين الاحتياجات الأساسية- من مياه شرب وغذاء كاف وأدوية منقذة للحيا - —وبين حجم الاستجابة الفعلية، ما يضع ملايين المدنيين في دائرة خطر مستمر.
كيف تقيّمين واقع القطاع الصحي بعد استهداف أو تعطيل عدد كبير من المستشفيات والمراكز الطبية؟
القطاع الصحي يُعد من أكثر القطاعات تضررا منذ اندلاع الحرب؛ فقد خرج نحو 70% من مستشفيات السودان عن الخدمة مع بداية النزاع، وفي العاصمة وحدها خرج قرابة 90% من المستشفيات والمراكز الطبية عن العمل. هذا الانهيار المفاجئ ترك ملايين المواطنين دون رعاية صحية أساسية، وأدى إلى وفيات واسعة كان يمكن تفاديها.
تسبّب خروج المستشفيات عن الخدمة في ارتفاع معدلات الوفيات، خاصة في حالات الولادة الطارئة، والحوادث، والأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة دورية، مثل مرضى الفشل الكلوي والسرطان، وقد أدى انقطاع جلسات الغسيل الكلوي إلى وفيات متتالية بين المرضى، كما تأثر مرضى الحميات، مثل حمى الضنك، ومرضى الكوليرا، ومن تتطلب حالاتهم نقل دم عاجل. كذلك تسبّب انقطاع أدوية السكري والضغط في تفاقم الأوضاع الصحية لآلاف المرضى، ودفع كثيرين إلى مضاعفات خطيرة.
الأزمة لم تقتصر على التعطيل فقط، بل امتدت إلى انتهاكات جسيمة؛ ففي مخالفة صريحة للقانون الدولي الإنساني، تم احتلال عدد من المستشفيات وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، مثل مستشفى الدايات ومستشفى شرق النيل، ما أفقدها صفتها المدنية وأخرجها من دائرة الخدمة الصحية. كما تعرّضت كوادر طبية للاختطاف لإجبارها على علاج جرحى المليشيا، وكان بعضهم يُقتل إذا توفي أحد الجرحى، في انتهاك خطير لحرمة العمل الطبي.
وتعرّضت مرافق صحية للنهب الممنهج، حيث سُرقت معدات طبية وأجهزة حيوية، وأفادت تقارير بتتبع أرقام متسلسلة لبعض الأجهزة التي تم بيعها خارج البلاد. كما دُمرت مبان كاملة، ما عمّق من صعوبة إعادة تشغيل المؤسسات الصحية. وفي بعض الحالات، جرى قتل مرضى ومرافقيهم داخل المستشفيات، كما حدث في المستشفى السعودي بمدينة الفاشر، وهي وقائع ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
هذه الانتهاكات تُمثل خرقا واضحا لأحكام القانون الدولي الإنساني، ولا سيما ما نص عليه البروتوكول الثاني الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949 بشأن حماية المدنيين والمنشآت الطبية أثناء النزاعات المسلحة. وبناءً على ذلك، فإن إعادة بناء القطاع الصحي لا تتطلب فقط إعادة تأهيل البنية التحتية، بل أيضا ضمان حماية المرافق الطبية والكوادر العاملة فيها، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، حتى لا يبقى الحق في العلاج رهينة للصراع المسلح.
هل ترين أن هناك تقصيرا في توثيق الانتهاكات المُرتكبة بحق المدنيين أم أن المشكلة في آليات المساءلة؟
أرى أن المشكلة قائمة في الجانبين، لكنها أكثر حدة في آليات المساءلة؛ فالتوثيق، رغم ما يواجهه من تحديات، ليس غائبا، بل توجد مادة موثقة كبيرة يمكن أن تُقدّم أمام محاكم دولية لملاحقة مرتكبي الجرائم. ومع ذلك، فإن تحويل هذا التوثيق إلى إجراءات قضائية فعالة لا يزال محدودا، وهو ما يجعل الأزمة أعمق من مجرد نقص في الرصد أو جمع الأدلة.
التوثيق شهد جهودا مُعتبرة من منظمات محلية وناشطين وشبكات حقوقية، رغم المخاطر الجسيمة التي تحيط بهم. والمفارقة أن من أكبر مَن وثّق لانتهاكات المليشيا هي المليشيا نفسها؛ إذ عمدت إلى تصوير مقاطع فيديو للانتهاكات وبثها على نطاق واسع. كما بذلت جهات دولية جهودا واضحة، من بينها الأمم المتحدة عبر لجان تقصي الحقائق، ومنظمات مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إضافة إلى مبادرات أكاديمية مثل جامعة ييل الأمريكية.
لكن عملية التوثيق لا تخلو من إشكاليات حقيقية، أبرزها صعوبة الوصول الميداني إلى مناطق النزاع لحظة وقوع الانتهاكات، بسبب انقطاع الاتصالات ووسائل المواصلات، وغياب الإعلام والصحافة والجهات الراصدة.
كما أن المخاطر الأمنية تهدد حياة الموثقين داخل مناطق النزاع، وتدفع كثيرين إلى العمل في ظروف بالغة الخطورة. يضاف إلى ذلك، الصمت المجتمعي تجاه بعض الجرائم، خاصة تلك المرتبطة بالعنف الجنسي، خوفا من الوصم الاجتماعي ومفاهيم العار والشرف، وهو ما يؤدي إلى نقص في الإبلاغ عن انتهاكات جسيمة.
ورغم أهمية التوثيق بوصفه ذاكرة وطنية تحفظ حق الأجيال في معرفة الحقيقة، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا التوثيق إلى مسارات قضائية فعالة، وهنا تتجلى الأزمة الأساسية في غياب منظومة مساءلة وطنية قادرة على الاضطلاع بدورها في ظل الانهيار المؤسسي، إلى جانب ضعف المساءلة الدولية؛ فعلى الرغم من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بجرائم دارفور استنادًا إلى القرار 1593 الصادر عن مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، ورغم توثيق جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فإن نطاق الولاية يظل محدودا، والعقوبات الدولية تبدو رمزية ولم تطل قيادات عليا في المليشيا.
إن استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة يعزز مناخ الإفلات من العقاب، ومع وجود هذه التعقيدات يتزايد التخوف من أن يؤدي غياب المحاسبة إلى تشجيع تكرار الانتهاكات. لذلك، تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق التحقيقات الدولية، وتعزيز آليات المساءلة، وفرض عقوبات أكثر صرامة، حتى لا يبقى التوثيق مجرد سجل للمعاناة دون عدالة حقيقية تنصف الضحايا.
برأيكم، ما المطلوب الآن من المجتمع الدولي بشكل عاجل: زيادة التمويل، فرض عقوبات، آلية تحقيق دولية، أم تدخل سياسي أكثر صرامة؟
المجتمع الدولي مطلوب منه الكثير، والحاسم في الوقت الحالي يتمثل في حزمة إجراءات متكاملة ومتوازية. أولا: فرض عقوبات رادعة على قادة المليشيا الذين ارتكبوا جرائم حرب ممنهجة واسعة النطاق، وأزهقوا أرواح آلاف الضحايا، واعتدوا اعتداءات وحشية على الدولة السودانية، خاصةً أن الأمم المتحدة وكافة آلياتها، ولجنة تقصي الحقائق الخاصة بالسودان، قد رصدت آلاف الأدلة على الانتهاكات وجرائم الحرب والتطهير العرقي والعنف الجنسي، وذلك للحد من ارتكاب المزيد من الجرائم؛ إذ إن الحرب ما زالت مستعرة حتى الآن.
كذلك، مطلوب من المجتمع الدولي إيقاف الدعم الخارجي للمليشيا، ووقف تدفق السلاح والمال، ومحاسبة الدول المتورطة في ذلك، ووقف التجنيد لصالح المليشيا من دول أجنبية وإقليمية.
كما ينبغي تمهيد الطريق للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية أو أمام محاكم خاصة؛ ففي ظل صعوبة وصول المؤسسات الوطنية إلى الجناة، تصبح الآلية الدولية ضرورة لضمان عدم الإفلات من العقاب.
أما فيما يخص الوضع الإنساني؛ فالمطلوب زيادة الدعم المالي بما يغطي الاحتياجات المتزايدة لمعسكرات اللاجئين؛ إذ إن هناك موجات نزوح كبيرة في ظل العمليات القتالية الدائرة الآن في كردفان ودارفور، مع تردي الأوضاع وتفشي الأمراض وانعدام مقومات الحياة، وهنا يأتي دور المنظمات الدولية لسد هذه الفجوات.
كذلك، تبرز أهمية المساهمة في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب، وهو ما يفوق طاقة الدولة والمواطنين، خاصة في القطاعات الخدمية، ودعم المؤسسات التعليمية والصحية.
إضافةً إلى ذلك، هناك حاجة إلى برامج تمكين المرأة لما بعد النزاع، ودعم الفئات الضعيفة عبر برامج دعم نفسي وتعاف وتمكين اقتصادي.
وعلى المستوى السياسي، يتطلب الأمر دعم المبادرات التي تتوافق عليها الإرادة السودانية، بما يعزز مسارا وطنيا جامعا يفضي إلى إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.