قال مستشار رئيس الوزراء
السوداني، مصلح نصار، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، إن "
الإمارات باتت تقود أخطر مشروع تخريبي يستهدف السودان دولةً وشعبا، فضلا عن المنطقة بأسرها؛ فهي التي ترعى وتمول وتشرف على الحرب في بلادنا، وهي نفسها مُستخدمة وأداة، مثلها ومليشيا
الدعم السريع، ومثل المرتزقة الذين تدفع لهم وتمولهم وتستجلبهم من أفريقيا ومن كل القارات الأخرى".
وأضاف: "الإمارات، وفي إطار تحالف مُعلن مع إسرائيل، تعمل على تخريب وتفتيت المنطقة وتمدد المليشيات في السودان واليمن وغيرهما، وهنالك مشروع تهويد للمنطقة، والإمارات أداة فيه تُستخدم بغباء، والمخطط اليهودي يقوم على التخلص من القبائل العربية بالمنطقة، ومن ثم السيطرة عليها وتهويد المواطنين المسلمين، وهناك مواطنون سودانيون نُقلوا من دارفور إلى إسرائيل، ولذلك هذه المؤامرة كبيرة ومتعددة الأبعاد".
وأردف نصار: "سفارة الإمارات كانت تمهد للحرب من الخرطوم عبر رباعية أخرى كانت وراء ما يسمى بالاتفاق الإطاري الذي أرادوا فرضه على الشعب السوداني، وحينما فشلوا لجأوا إلى الحرب. هذه الدولة شريرة، ونحن لا نريدها أن تكون جزءا من أي ملف يتعلق بالشأن السوداني".
وأوضح مستشار رئيس الوزراء السوداني، أن "الحكومة تعمل بقوة على مسار المصالحات الأهلية والقبلية، كركيزة أساسية لمنع الانزلاق نحو حرب أهلية"، مشيرا إلى "نجاح أكثر من 50 مؤتمرا للمصالحات خلال فترة وجيزة؛ فالحكومة ماضية في ترسيخ السلام، وحماية النسيج الاجتماعي، وصناعة مستقبل يقوم على الاستقرار لا على الإملاءات الخارجية".
وأكد نصار أن "ملف تأمين العاصمة شهد عملا مكثفا ومنسقا بين القوات المسلحة وجهاز المخابرات والشرطة ولجنة أمن الولاية، بإشراف مباشر من وزير الدفاع الفريق الركن حسن داؤود كبرون"، مُشدّدا على أن "الخرطوم مؤمّنة بالكامل، والحديث عن عودة مليشيا الدعم السريع إلى العاصمة لا يعدو كونه أضغاث أحلام، ومحاولات دعائية لتخويف المواطنين وإرسال رسائل وهمية للكفيل الخارجي".
وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
إلى أي مدى باتت الخرطوم آمنة ومستقرة ومستعدة لعودة كل أبنائها، وما دلالات عودة الحكومة إلى العاصمة؟
الخرطوم الآن تسير بخطى حثيثة نحو الإعمار، واللجنة العليا لتهيئة البيئة وإعادة الإعمار، بقيادة الفريق مهندس إبراهيم جابر، مساعد القائد العام للقوات المسلحة وعضو مجلس السيادة، بذلت جهودا كبيرة للتهيئة وعودة الخدمات من مياه وكهرباء ومرافق صحية، وبحمد الله معظم الأحياء تمت إنارتها، ويجري العمل في بقية الأحياء، وتم استجلاب آلاف المحولات والمعدات الكهربائية، وعادت محطات المياه للعمل، وفيما يلي العودة عاد كثير من المواطنين خلال الفترة الأخيرة، ويتوقع أن ترتفع أعداد العائدين بوتيرة متسارعة.
وبخصوص التأمين كذلك، تم عمل كبير في جانب الأمن من كافة الجهات المعنية، من لجنة أمن الولاية والقوات المسلحة وجهاز المخابرات والشرطة، ووزير الدفاع الفريق الركن حسن داؤود كبرون أشرف بنفسه على خطوات تأمين العاصمة، ويمكننا القول إنه تم تأمين العاصمة بشكل كامل، والسيد الرئيس عبد الفتاح
البرهان يدير عمله من العاصمة، وكذلك رئيس الوزراء وكل الجهاز التنفيذي، ونحن نتواجد بها الآن وندير عملنا الرسمي من داخلها، والحكومة عادت بكل مؤسساتها إلى المركز والعاصمة.
العاصمة، والحمد لله، استعادت مكانتها وعادت إلى أهلها وشعبها، وتبيّن اليوم بوضوح أن كل ما جرى تداوله خلال الفترة الماضية من تشكيك أو تهويل لم يكن سوى مزاعم لا سند لها؛ إذ إن الخرطوم تعود فعليا إلى شعب السودان عودة صادقة وحقيقية، بعد أن تطهّرت من دنس المليشيا وأعوانها.
وكما أكد السيد رئيس مجلس السيادة، فإن إرادة الشعب السوداني راسخة، كما أن حكومة الأمل ماضية بعزم ثابت، وبدعم كامل ومباشر من أبناء السودان، في إعادة الحكومة، وإحياء المرافق، واستعادة المساكن والشوارع إلى ما كانت عليه. وما تشهده الأرض اليوم يعكس بجلاء أن المسار يتجه بخطى واسعة نحو نهضة حقيقية، ونحو أمن واستقرار متناميين في العاصمة القومية.
ما الخطوة المقبلة بالنسبة لكم بعد عودة الحكومة إلى العاصمة؟
نحن بصدد مرحلة بالغة التعقيد، يتصدّرها عنوان جوهري يتمثل في ترميم ما عبثت به الأيادي الغادرة، سواء على صعيد البنية التحتية، أو المرافق العامة، أو المؤسسات الخدمية، بل وحتى على مستوى النسيج الاجتماعي ذاته.
نحن أمام مرحلة نهوض وتنمية وعمران وإعادة إعمار شاملة، وهي مسيرة ليست يسيرة ولا قصيرة الأمد، لكنها استحقاق وطني لا مفرّ منه.
وعلى أرض الواقع، بدأ العمل بالفعل ويتواصل دون انقطاع؛ إذ يعيش مجلس الوزراء وحكومة الأمل حالة استنفار كاملة، مستنهضين كل الطاقات والإمكانات المتاحة، وماضين بعزم راسخ نحو إنجاز هذه المهمة الوطنية الكبرى.
لماذا لم تنجح الحكومة في إقناع الأمم المتحدة وحلفاء السودان بمبادرة رئيس الوزراء السوداني للسلام؟
هذه الحرب هي في الأساس حرب الخارج بامتياز، ومليشيا "الدعم السريع" المتمردة ليست إلا أداة، وهنالك دول غربية داخل الاتحاد الأوروبي تساند وتدعم المليشيا في المؤسسات الدولية، بضغوط أو تماهٍ مع الراعي الإقليمي للمليشيا وهو دولة الإمارات، وهنالك بعض الدول الأوروبية تخشى فقدان أو تأثر نفوذها ووجودها في القرن الأفريقي، ولذلك تدعم إطالة أمد الحرب حتى تتناقص الموارد البشرية في القارة لتتمكن من السيطرة على الدول والموارد في غياب العنصر البشري، والجميع يعلم بمشاركة أعداد كبيرة من المرتزقة الأفارقة في حرب السودان.
وبعض دول أوروبا تطمح في السيطرة على بلدان هؤلاء المرتزقة ونهب ثرواتها، ولذلك تتخلص من المقاتلين في الحرب بالسودان، وهلاكهم يصب في مصلحتها لا شك، وتجني هي ثمار الحرب في السودان، ولا تهتم بالانتهاكات التي تحدث فهي تغض الطرف عنها، ولا تدعم توجهات الحكومة ومبادرتها للسلام.
كذلك هذه الدول تتواصل مع الحاضنة السياسية للتمرد بقيادة عبد الله حمدوك، وهو ربيب المنظمات التابعة لهذه الدول، ويتحركون لاستمرار الحرب على عكس ما يرفعون من شعارات تزعم الحياد وتدعو للسلام، ورغم أن المؤامرة على بلادنا كبيرة ومتشعبة في الداخل والخارج، لكننا نثق في نصر الله. نحن معنا الله والشعب السوداني الذي اصطف كله خلف قواته المسلحة، ونجح في تكسير ثلاثة أرباع المؤامرة، وسينتصر في آخر الأمر، لأن إرادة الشعوب لا تُقهر ولا تنكسر.
أمر آخر، دولة الإمارات التي ترعى وتمول وتشرف على هذه الحرب هي نفسها مُستخدمة وأداة، مثلها والمليشيا، ومثل المرتزقة الذين تدفع لهم وتمولهم وتستجلبهم من أفريقيا ومن كل القارات، بما في ذلك كولومبيا وغيرها.
والحقيقة إن الإمارات، وفي إطار تحالف مُعلن مع إسرائيل، تعمل على تخريب وتفتيت المنطقة وتمدد المليشيات في السودان واليمن وغيرها، وهنالك مشروع تهويد للمنطقة، الإمارات أداة فيه تُستخدم بغباء، وفي السودان تلاحظون أن هنالك تحالفا بين المليشيا وعبد العزيز آدم الحلو (رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال) وعبد الواحد محمد نور (رئيس حركة جيش تحرير السودان)، الذي يغض الطرف عن انتهاكات المليشيا تجاه أهله، وهو خصم تاريخي لهم، ولكن المخطط اليهودي يقوم على التخلص من القبائل العربية بالمنطقة، ومن ثم السيطرة عليها وتهويد المواطنين المسلمين، وهناك مواطنون سودانيون نُقلوا من دارفور إلى إسرائيل، ولذلك هذه المؤامرة كبيرة ومتعددة الأبعاد.
رغم ذلك، الاتحاد الأفريقي والكثير من الدول أعلنت دعم مبادرة رئيس الوزراء للسلام، وآخرها دعم الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "الإيغاد" وجيبوتي قبل يومين.
كيف ترى الحديث عن اقتراب العمليات العسكرية مرة أخرى من مدن قريبة من العاصمة خاصة أن مليشيا "الدعم السريع" تقول إنها ستعود إلى الخرطوم؟
أقول هذه أضغاث أحلام، ولن تعود المليشيا إلى الخرطوم، وقد خرجت منها مكسورة ومقهورة ومدحورة، وفقدت فيها مئات الآلاف من المرتزقة، ولن يكون في مقدورها مرة أخرى مجرد الاقتراب من العاصمة.
وأساسا لم تدخل العاصمة من قبل غازية، كانت موجودة داخلها وبالقرب من مراكز الجيش وفي الكثير من المواقع الاستراتيجية، ولكنها غدرت بمن أمنوا لها وأشعلت الحرب من داخل العاصمة، ولن تعود مهما حدث إن شاء الله.
هذه مجرد شائعات تطلقها لتخويف المواطنين، وترسلها للكفيل الخارجي، وتدعي أنها قريبة، ولكنها تبعد عن العاصمة بأكثر من 200 كيلومترا، في مناطق كانت تتواجد بها في شمال كردفان، وسيتم دحرها منها بإذن الله، ومن ثم بقوة الجيش والشعب.
بعد أكثر من 1000 يوم على الحرب، لماذا لم يُحسم الأمر عسكريا حتى الآن؟ وألا يجب التفكير في طريق آخر غير الحسم العسكري من أجل إنهاء معاناة السودانيين؟
الحسم العسكري وسير العمليات تشرف عليه القوات المسلحة والقيادة، ولديها غرف سيطرة تقودها كفاءات عسكرية في قواتنا المسلحة نثق فيها وفي تقديراتها، وحققت نجاحات كبيرة في الفترة الماضية، وحتى الآن تتقدم وفقا لخطتها العسكرية المرسومة بتقديرات قد تغيب عن المدنيين.
والقوات المسلحة أثبتت جدارتها في التصدي لهذه المؤامرة، ونجحت في وقت تحارب فيه دولا عديدة وتقدم دعما كبيرا للتمرد، ولم تقاتل القوات المسلحة المليشيا وحدها.
وبعد أكثر من ألف يوم، انتصرت القوات المسلحة وتمكنت من تحرير كل وسط البلاد والولايات والمدن الاستراتيجية، بما في ذلك العاصمة، وكسّرت كل قوات المليشيا الصلبة ونخبتها المدربة، ولم يتبق لها سوى جيوب محدودة، وإن شاء الله يتم طردها من كل أنحاء السودان، وهذا وعد القائد العام رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان.
وحتى جانب السلام لم تهمله الحكومة، وقدمت بشأنه خارطة طريق، ولكن المليشيا ورعاتها يريدون سلاما يتجاوز رغبات وتطلعات الشعب السوداني.
وفق ما لديكم من معلومات، هل تُبحث حاليا أي تعديلات مرتقبة على التشكيل الوزاري أو على مجلس السيادة أم أن الأمور مستقرة كما هي؟
ليس لدي معلومات في هذا الشأن، ولم أسمع بتغييرات، ولكن ما أعلمه أن الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وطاقمه الوزاري تعمل في تفاهم وتناغم وفق رؤية محددة تقوم على تطبيع الحياة وعودة المواطنين وإنعاش الاقتصاد وتوفير الخدمات، والسعي لإكمال مؤسسات الفترة الانتقالية وتحقيق السلام.
وكذلك هنالك تفاهم عالٍ بين الحكومة والمجلس السيادي، وتتم اجتماعات مشتركة بين المجلسين، وآخرها الاجتماع المشترك بالعاصمة الخرطوم، والذي أجاز موازنة العام الجديد وعددا من القوانين.
كيف تنظرون لدور حلفاء السودان (مصر والسعودية وغيرهما) في دعم "مبادرة السلام" التي أطلقها رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس؟
أقول إن مصر والسعودية وقفتا إلى جانب السودان وشعب السودان والمؤسسات الشرعية، ونشكر ولي عهد المملكة العربية السعودية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان على مبادرته، وعلى حث الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس دونالد ترامب لدعم السلام في السودان.
ونوجّه رسالة شكر كذلك لمصر قيادةً وشعبا على دعم السودان واستضافة ملايين السودانيين الذين شردتهم المليشيا، وكذلك نزجي الشكر لدولة قطر الشقيقة والأمير تميم على دعمه، وكذلك لا ننسى دور تركيا الداعم للسودان.
ففي هذه الحرب، ورغم اتساع دائرة العداء ومشاركة العديد من الدول في التآمر على السودان، إلا أن هنالك أصدقاء وحلفاء ساندوا الشعب السوداني، ولن ينسى لهم السودان وشعبه مواقفهم الكريمة.
كيف تنظرون لفرص نجاح المصالحات الأهلية والقبلية في إحلال السلام؟ وهل هناك مستجدات بهذا الخصوص؟
نعم، هنالك خطوات في هذا الخصوص، ونحن نعمل في اتجاه مصالحات قبلية كبيرة، وخلال الفترة القصيرة الماضية وفقنا في عقد أكثر من 50 مؤتمرا واتفاق مصالحات قبلية، ونتطلع إلى أكثر من ذلك.
ونعمل على تفتيت الحواجز التي صنعتها المليشيا المتمردة بين المكونات القبلية، حتى في دارفور وكردفان، ولكن لا نريد التسبّب في مشكلات للإدارات الأهلية المتواجدة في مناطق انتشار المليشيا بالتواصل المباشر معهم، ولكننا نتواصل مع مَن يتواجد في المناطق الآمنة حتى نمحو آثار الحرب وخطاب الكراهية.
والحقيقة هناك كثيرون في مناطق المليشيا لا يرغبون في الحرب ولا يريدون استمرارها، إلا قلة غررت بهم أسرة "دقلو" بشعارات واهية وبالطرق على العاطفة القبلية والإغراءات المالية، وسنواصل جهودنا في هذا الإطار.
وكما يؤكد الجيش السوداني دائما، وهو مبدأ نردده ونلتزم به، فإن المجرم لا قبيلة له. وانطلاقا من هذا الأساس، شرعنا في مسار مصالحة واسع النطاق وكبير التأثير، ونجري اتصالات مكثفة ومتواصلة، حتى في المناطق التي لا تزال خاضعة لهيمنة المليشيا، ولدينا تواصل مع قيادات أهلية فاعلة ومؤثرة، غير أن كثيرا منها يجد نفسه، في أحيان عديدة، مُجبرا بقوة السلاح على الصمت، أو على تقييد حركته، أو على كبح التعبير عن مواقفه الحقيقية.
ومع ذلك، فإن حجم العمل الذي نقوم به كبير ومستمر، وسنواصل هذا المسار بعزم، متجاوزين المخططات التي يُراد لها أن تنزلق بالبلاد نحو حرب أهلية.
ونبشّر شعب السودان بأن الوعي المجتمعي حاضر وقائم، وأن هناك إدارة أهلية واعية، وطرقا صوفية تؤدي دورها التاريخي، إلى جانب منظمات مجتمع مدني فاعلة، وحكومة تدرك خطورة المرحلة وتعي تعقيداتها.
وعلى الصعيد الشخصي، تربطني صلات مباشرة بعدد كبير من الإدارات الأهلية المؤثرة، وهذه الإدارات تُبدي رغبة صادقة، وتبذل جهودا حثيثة، وبقدر عال من المسؤولية، من أجل بلوغ مصالحات اجتماعية حقيقية وفاعلة.
ونحن نعمل بكل ما نملك من طاقة وإرادة على ترسيخ السلام، وتعزيز قيم التسامح بين مكوّنات شعب السودان، وهي خطوة عقدنا العزم على المضي فيها، ونملك القدرة على إنجازها، بإذن الله؛ فالجميع يعمل في مسار واحد هو مسار المصالحات الأهلية والقبلية، وسنمضي فيه قدما بثبات حتى نهاياته المنشودة.
لماذا ترفضون مبادرة "الرباعية" رغم أنها تأتي من حلفائكم كالسعودية ومصر؟
نرفضها لأن أحد الأطراف في الرباعية هو مَن أشعل الحرب، وهو السبب فيها، وهو مَن يغذي التمرد ويدعمه بالسلاح والمال، وهو الإمارات.
وسفارة الإمارات كانت تمهد للحرب من الخرطوم عبر رباعية أخرى كانت وراء ما يسمى بالاتفاق الإطاري الذي أرادوا فرضه على الشعب السوداني، وحينما فشلوا لجأوا إلى الحرب.
في الواقع، الإمارات باتت تقود أخطر مشروع تخريبي يستهدف السودان دولةً وشعبا، فضلا عن المنطقة بأسرها، والدور الإماراتي في حرب السودان تجاوز حدود الدعم السياسي واللوجستي والإعلامي للميلشيا، وتحوّل إلى إدارة فعلية للصراع عبر تمويل "الدعم السريع" وتسليحها وإدارتها، حتى باتت تلك المليشيا بمثابة ألعوبة في أيدي أبو ظبي. الجرائم التي ارتُكبت في بلادنا لا يمكن وصفها إلا بأنها تنفيذ قذر لخطط خارجية تستهدف تمزيق السودان وإغراقه في الفوضى، والمشروع الإماراتي يقوم على إضعاف الدولة وضرب الجيش وتفتيت النسيج الاجتماعي.
يا أخي الكريم، هذه الدولة شريرة، ونحن لا نريدها أن تكون جزءا من أي ملف يتعلق بالشأن السوداني.
لكن المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، نفى سابقا تقديم أي دعم إماراتي لأطراف الحرب في السودان، ومؤكدا أنه لا يمكن للجماعات التي وصفها بـ "المتطرفة المرتبطة بالإخوان" تحديد مستقبل السودان.. ما ردكم؟
هذه التصريحات مجرد محاولة لإنقاذ صورة سياسية لم تعد مقنعة لأي أحد؛ فالأدلة على الدعم الخارجي للمليشيا أصبحت واضحة تماما، سواء في التمويل أو في خطوط الإمداد أو في شكل الأسلحة التي تظهر في مسارح العمليات، وهذا أمر بات واضحا للجميع داخل وخارج البلاد.
إن تصريحات قرقاش تأتي في سياق ملوّث تماما، وقد باتت الإمارات مفضوحة، ولم يعد أحد يلتفت إلى ما يقوله مستشارها؛ فهي متورّطة في عمل إجرامي يخالف القانونين الدولي والإنساني في السودان، والمتمثل في قتل المدنيين العزّل بلا رحمة.
الإمارات مُطالبة اليوم بتفسير واضح للرأي العام السوداني بشأن سبب استمرار تدفق السلاح إلى المليشيا، بدلا من الاكتفاء بتصريحات دبلوماسية لا علاقة لها بما يجري على الأرض، والشعب السوداني هو صاحب الحق في تحديد مستقبله السياسي، ولا يقبل وصاية من أي دولة أو جهة خارجية مهما كانت.
وحديث قرقاش عن الجماعات التي يصفها بـ "المتطرفة" هو محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن الدور الإقليمي لأبو ظبي في تفجير الصراع السوداني. السودان يضم أطيافا واسعة من التيارات السياسية، وجميع السودانيين يصطفون اليوم في خندق واحد للدفاع عن وطنهم، فضلا عن أن الجماعات الإسلامية في السودان ليست من شأن قرقاش لا من قريب أو بعيد؛ فهم سودانيون يدافعون عن بلادهم وأعراضهم، ولا أرى في ذلك جرما، سواء كانوا يساريين أو علمانيين أو إسلاميين، والشعب السوداني وحده هو صاحب الحق الأصيل في تقرير مصيره.
هل يمكنكم القبول بمبادرة "الرباعية" إذا خرجت الإمارات منها وتم إدخال تعديلات على المبادرة ذاتها؟
لا نمانع من التعامل مع "الرباعية" إذا أُبعدت منها الإمارات، وتم ضم دولة قطر الشقيقة لها مثلا، فهي دولة سلام ومحبة، وكذلك دول تركيا والجزائر، إلى جانب السعودية ومصر.
هذه الدول صديقة للسودان، والحكومة لا ترفض المساعي الإقليمية والدولية، ولم تعترض عليها طالما أنها تسعى لسلام عادل يلبي تطلعات الشعب السوداني، شريطة إبعاد الإمارات لأنها ضالعة في هذا التخريب وجزء أساسي فيه، ولا يمكن أن نقبل بها وسيطا.
نحن لاحظنا محاولات أبوظبي التدخل حتى في توجيه بيانات "الرباعية" لتدخل فيها أجندتها وتفصل رؤية سلام وفق رغباتها.
نحن نريد سلام عزة وكبرياء يحفظ حقوق السودانيين، وهو ما تعمل عليه القوات المسلحة ومجلس السيادة وحكومة الأمل، نقبل السلام بشروطنا، لا سلام استسلام.
هل التدخلات الإقليمية والدولية هي التي تعيق الحل السياسي في السودان؟
الحرب في السودان أصبحت مسرحا للتدخلات الإقليمية والسمسرة السياسية، وتم استغلال بعض دول الجوار التي باعت علاقاتها التاريخية مع السودان مقابل المال الإماراتي الذي خرب القرن الأفريقي والدول العربية والإسلامية.
والتدخلات الإقليمية لا شك تؤثر، وتسبّبت في إطالة أمد الحرب، وأعاقت الحل السياسي وفرص السلام من الداخل، ولكن إرادة السودان وشعبه وقواته المسلحة منتصرة إن شاء الله.
في ملف محاكمة أكثر من 200 شخصية، بينهم عبد الله حمدوك، هناك من يرى أن هذه الإجراءات تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين بما قد يمس استقلال القضاء.. كيف تردون على هذه الانتقادات؟
هذا حديث غير صحيح، عبد الله حمدوك ومجموعته ضالعون في دعم المليشيا والمشروع الإماراتي، وهم أدوات إذا صالحت الإمارات صالحوا، وإن غضبت غضبوا، وهم جزء من هذه المؤامرة الخبيثة، ولا يقولون إلا ما تمليه عليهم الإمارات، ويقيمون على أرضها.
والإجراءات ضدهم اتُخذت وفق صحيح القانون وبموجب أدلة وأسانيد قانونية، وحتى لو شطبت الحكومة البلاغات في مواجهتهم وعادوا، سيحاكمهم الشعب السوداني والرأي العام والمتضررون من هذه الحرب، ولن يغفروا لهم الانتهاكات التي تمت من المليشيا، وهم الحليف والغطاء السياسي لها.
هم لا يخفون تآمرهم، والآن هم في جولة أوروبية من أجل تجريم القوات المسلحة السودانية، ويكيلون لها الاتهامات الكاذبة، هؤلاء لا يستحون، والشعب سيحاكمهم، وأتمنى أن يعودوا ليسمعوا ويروا رأي الشارع السوداني فيهم، ومحاكمة الشعب أخطر عليهم لو كانوا يعلمون.
إذا استمرت الحرب لعام رابع، ما هو السيناريو الأخطر الذي تخشونه على وحدة السودان ومستقبله كدولة؟
لا أحد يرغب في استمرار الحرب، والكل يبحث عن السلام والمحبة وطي صفحات الاحتراب، ولكن بعد كل ما جرى، وبعد التقدم الميداني الكبير للقوات المسلحة، وبعد الاجتماعات المكثفة وسماع رأي السودانيين في الإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني، لا أحد يريد تفتيت السودان ولا استمرار الحرب ولا تفتيت مكوناته القبلية، بما في ذلك القبائل التي توصف بأنها تُمثل حواضن للمليشيا.
تواصلنا مع الكل، والجميع داعم للوحدة رغم ما يتعرضون له من إرهاب من المليشيا.
إننا ماضون في صناعة السلام وإيقاف الحرب على طريقتنا، بالانتصار الميداني وبتحييد الداعمين للتمرد والمجبرين على موالاة المليشيا، وحريصون على وحدة تراب السودان ومكوناته المجتمعية، وسننتصر بعون الله.