قال الكاتب والمحلل السياسي
اليمني عادل المنسي إن إعلان المجلس
الانتقالي الجنوبي حل نفسه يعد تتويجا لمسار انهيار عسكري وسياسي مكتمل الأركان، وليس قرارا مفاجئا أو معزولا، معتبرا أن ما جرى يمثل نهاية عملية للنفوذ
الإماراتي في اليمن، وإغلاقا لمرحلة كاملة من العبث بالمشهد اليمني عبر أدوات محلية.
وفي حوار مع موقع "عربي21"٬ أوضح المنسي أن القرار جاء بعد أن انتهى المجلس الانتقالي فعليا على الأرض، عقب خسارته للغطاء العسكري والسياسي الإماراتي، وسقوط بنيته المسلحة دون خوض مواجهات حقيقية، مشددا على أن “العمل العسكري انتهى، ولم يتبق سوى تصفية الإطار السياسي”.
وأضاف أن التحركات العسكرية التي قادها المجلس الانتقالي بدعم إماراتي في المحافظات الشرقية، ومحاولات فرض أمر واقع على الشرعية اليمنية ودول الجوار، كانت العامل المباشر الذي عجل بهذه النهاية، بعدما اصطدمت بتحول حاسم في الموقف السعودي وتعامل مباشر مع “رأس المشكلة”.
إنهاء النفوذ الإماراتي.. العنوان الحقيقي للمشهد
وأكد المنسي أن المشهد الذي يتشكل اليوم في اليمن لا يمكن فهمه بمعزل عن هدف مركزي، يتمثل في إنهاء النفوذ الإماراتي وأدواته بالكامل، موضحا أن المجلس الانتقالي لم يكن سوى أداة سياسية وعسكرية ضمن مشروع إقليمي أوسع تقوده أبوظبي بالتنسيق مع أطراف خارجية.
وأشار إلى أن هناك ضغطا واضحا من الشرعية اليمنية لإنهاء هذه الورقة، بعد أن جرى إسقاطها عسكريا، موضحا أن القرار السياسي بحل المجلس جاء لسحب الغطاء الخارجي والدولي عنه، وإنهاء أي إمكانية لإعادة تدويره.
غياب عيدروس الزبيدي من اليمن
وحول الجدل المتعلق بعدم صدور قرار الحل عن رئيس المجلس عيدروس الزبيدي، قال المنسي لـ”عربي21” إن الزبيدي “أنهى دوره بالكامل” منذ لحظة فراره من اليمن عقب الهزيمة العسكرية.
وأضاف أن فرار الزبيدي من الساحة اليمنية شكل إعلانا غير مباشر عن خروجه النهائي من المشهد، مؤكدا أنه بات فاقدا لأي تأثير سياسي أو ميداني، وأن الحديث عنه اليوم لا يتجاوز كونه تفصيلا منتهي الصلاحية.
وأوضح أن الساحة الجنوبية تشهد تحولا جذريا، حيث تتجه الأنظار إلى القامات الوطنية والشخصيات المؤثرة التي تشارك في إعادة ترتيب المشهد عبر مؤتمر الرياض، مشيرا إلى أن المجلس الانتقالي لم يعد حاضرا في حسابات الفاعلين الحقيقيين.
لماذا انهار المجلس بهذه السرعة؟
وفي تفسيره لانهيار المجلس الانتقالي بهذه السرعة رغم سنوات من البناء العسكري منذ 2017، قال المنسي إن ذلك كشف طبيعته الحقيقية، بوصفه كيانا يعتمد كليا على الدعم الإماراتي.
وأوضح أن المواجهة مع الشرعية اليمنية والمملكة العربية
السعودية والمجتمع الدولي لم يكن يخوضها المجلس بنفسه، بل كانت تتولاها الإمارات مباشرة، سياسيا وعسكريا، وعندما خرجت الإمارات فجأة من الساحة اليمنية وأعطيت مهلة محددة للمغادرة، فقد المجلس عموده الفقري.
وأضاف أن هذا الانسحاب المفاجئ أربك قيادة المجلس، وأفقده القدرة على اتخاذ القرار، ما أدى إلى انهيار واسع في صفوف وحداته العسكرية، بالتزامن مع حسم سعودي واضح عبر الطيران وتحريك القوات النظامية التابعة للشرعية.
لا حاضنة شعبية ولا معركة واحدة
وشدد المنسي على أن المجلس الانتقالي لم يكن يمتلك حاضنة شعبية حقيقية في الجنوب، وهو ما يفسر انهياره السريع، لافتا إلى أن وحداته العسكرية من حضرموت إلى عدن انهارت دون خوض معركة واحدة.
وقال إن هذه الوحدات لم تصمد في حضرموت أو شبوة أو أبين أو عدن، وسلمت بالأمر الواقع فور سقوط الغطاء الإماراتي، مضيفا أن كثيرا منها بدأ فورا البحث عن تسوية أوضاعه ضمن إطار الشرعية اليمنية.
دمج القوات وإنهاء الكيانات الموازية
وأوضح المنسي أن ما يجري اليوم هو عملية إعادة هيكلة شاملة، تشمل دمج الوحدات العسكرية التي كانت تتبع المجلس الانتقالي ضمن وزارة الدفاع اليمنية، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية.
وأشار إلى أن انضمام قوات بارزة مثل “العمالقة” شكل مؤشرا واضحا على اتجاه الرياح، مؤكدا أن حل المجلس الانتقالي جاء لإغلاق المرحلة السابقة نهائيا، ومنع أي محاولة لإعادة إنتاج كيان مواز للدولة.
وربط المنسي بين ما جرى في اليمن والتحولات الإقليمية التي أعقبت معركة “طوفان الأقصى”، معتبرا أن المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل لموازين القوى، تراجع فيها نفوذ الاحتلال الإسرائيلي وإيران، وصعدت أدوار قوى إقليمية جديدة في مقدمتها المملكة العربية السعودية وتركيا.
وأضاف أن الإمارات وإسرائيل تحاولان إرباك هذا الواقع الجديد، ومنع السعودية من لعب دورها الإقليمي، مشيرا إلى أن ما يجري في السودان واليمن والصومال وليبيا مترابط ضمن هذا السياق.
الجزر اليمنية.. مسألة أولويات لا تراجع
وفيما يتعلق بالنفوذ الإماراتي في الجزر والموانئ والسواحل اليمنية، قال المنسي إن هناك توجها واضحا من الشرعية اليمنية والسعودية لإنهاء هذا الوجود، موضحا أن الأولوية كانت تصفية التشكيلات المسلحة داخل المدن أولا.
وأكد أن الانسحاب من جزر سقطرى وزقر وعبد الكوري مسألة وقت، في ظل غياب أي غطاء سياسي أو قانوني لبقاء الإمارات، لا سيما بعد صدور قرارات رسمية بدعم سعودي.
ما بعد الإمارات.. الشرعية في مواجهة الحوثيين
وحول مستقبل المشهد اليمني بعد خروج الإمارات وحل المجلس الانتقالي، قال المنسي إن الشرعية اليمنية خرجت الرابح الأكبر من هذه التحولات، فيما بات الحوثيون في موقف أكثر ضعفا.
وأشار إلى أن الحوثيين يواجهون ضغوطا اقتصادية وسياسية متزايدة، في ظل الحصار والتصنيف الدولي، إلى جانب الاضطرابات داخل إيران، مؤكدا أن الخيارات العسكرية باتت محدودة.
وأضاف أن المملكة العربية السعودية تدفع باتجاه تسوية سياسية شاملة، وأن الحوثيين مطالبون اليوم بالانخراط في المسار السياسي.
مرحلة جديدة وعودة فاعلة للشرعية
وختم المنسي حديثه لـ”عربي21” بالتأكيد على أن اليمن يدخل مرحلة مختلفة كليا، عنوانها استعادة الدولة وعودة الشرعية بفاعلية، بدعم سعودي وإقليمي ودولي واسع.
وشدد على أن العبث بأمن اليمن بات مرفوضا إقليميا، وأن استقراره يشكل مصلحة مباشرة للسعودية ومصر وتركيا، وهو ما يفسر حجم الدعم لهذا التحول.
وكان الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي عبد الرحمن الصبيحي أعلن، الجمعة، حل المجلس وكافة هيئاته وأجهزته، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، خلال اجتماع لقيادته في الرياض.
وقال الصبيحي، في كلمة مصورة بثها التلفزيون اليمني، إن القرار جاء حرصا على مستقبل قضية الجنوب، واستجابة لمبادرة سعودية لرعاية حوار جنوبي شامل، مؤكدًا أن استمرار المجلس لم يعد يخدم الهدف الذي أنشئ من أجله.