سفير مصري سابق لـ"عربي21": خطة ترامب بغزة مصيرها الفشل.. وتصعيد في رمضان

خطط ترامب تتعارض مع واقع تمسك الفلسطينيين بأرضهم- البيت الأبيض
قال مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقا، السفير معتز أحمدين خليل، إن "خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن غزة مصيرها الفشل بصيغتها الحالية؛ فما يجري حتى الآن أقرب إلى ترتيبات شكلية لا تستند إلى أسس عملية قابلة للحياة".

وحذّر أحمدين، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، من أن "المؤشرات السياسية والميدانية توحي بإمكانية تصعيد جديد خلال شهر رمضان، في ظل غياب توازن حقيقي في بنود خطة ترامب، واستمرار المقاربة القائمة على فرض الوقائع بالقوة لا على معالجة جذور الأزمة".

وأوضح أن "إنشاء لجنة إدارة غزة، إلى جانب ما سمي بمجلس السلام، وقوة الاستقرار الدولية، أقرب إلى استيفاء شكلي لبنود وردت في خطة ترامب، دون أن يتوافر حتى الآن مضمون عملي حقيقي لهذه الكيانات"، لافتا إلى أن "الحديث عن مساهمات دولية ومشاركة واسعة ما زال في إطار الإعلانات السياسية، بينما لا توجد مؤشرات ملموسة على الأرض تعكس تحولا فعليا في إدارة القطاع أو في مسار إعادة الإعمار".


وبيّن أن "الإصرار الإسرائيلي، المدعوم أمريكيا، على مسألة نزع سلاح حماس في ظل غياب أي نقاش مواز حول القدرات العسكرية الإسرائيلية، يعكس مقاربة غير متوازنة قد تفتح الباب أمام إعادة تشكيل الواقع الأمني والديمغرافي في غزة، وربما تمهيد الأرض لإقامة مشروعات استثمارية على الشريط الساحلي، في إطار رؤية تنظر إلى القطاع باعتباره فرصة اقتصادية أكثر منه قضية سياسية وإنسانية".

وأكد أحمدين أن "الولايات المتحدة تتجه إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران خلال شهر آذار/ مارس المقبل أو بعده بقليل؛ فالضربة الأمريكية على إيران قادمة لا محالة، لا سيما في ظل شروط تفاوضية مستحيل القبول بها، لأن قبولها يعني انهيار النظام الإيراني، ما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية واسعة ما لم يحدث تحول سياسي مفاجئ يغير مسار التصعيد".

وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

ما الأسباب التي حالت دون وصول لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع؟


التقدير أن تأخير دخول اللجنة إلى القطاع يرجع إلى الجانب الإسرائيلي أكثر من أي شيء آخر؛ إذ إنه عندما جرت مفاوضات فتح معبر رفح التي كانت متأخرة أصلا، لأن من المفترض أن يفتح المعبر ضمن المرحلة الأولى من خطة ترامب ذات العشرين بندا أعلن أن اللجنة ستكون أول مَن سيدخل القطاع، غير أن تعقيدات وتعطيلا وعقبات برزت من الجانب الإسرائيلي، وهو ما يعد السبب الرئيسي للتأخير.

وفي المقابل، وبخلاف ما يشاع، أعلنت حركة حماس استعدادها، كما ذكرت اللجنة الحكومية في غزة أنها مستعدة لتمكين اللجنة، لكن الجانب الإسرائيلي يعطل الأمر؛ إذ لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت اللجنة ستدخل الجزء الذي تسيطر عليه حماس أم الجزء الذي تسيطر عليه إسرائيل، بل لنكن صرحاء: ليس من الواضح حتى الآن ما هي مهمة اللجنة تحديدا؟، وكيف ستؤدي مهامها عمليا؟

كل ذلك يعني أن إنشاء اللجنة جاء في إطار استيفاء الأوراق المرتبطة بخطة ترامب، أي إنشاء المؤسسات التي نصت عليها الخطة، ولكن من دون مضمون حقيقي، سواء ما يتعلق بمجلس السلام الذي تجاوز غزة، أو لجنة إدارة غزة، أو قوة الاستقرار الدولية التي يبشّر بها المسؤولون الأمريكيون، ويقال إن عددا كبيرا من الدول يتسابق للمشاركة فيها، وحتى الآن لم يظهر شيء محدد على الأرض خلاف ما تم الإعلان عنه الأسبوع الماضي عن استعداد إندونيسيا للمشاركة، لكن لا توجد له مظاهر عملية حتى الآن، علما بأن إندونيسيا تشارك بقوات كبيرة ضمن قوة حفظ السلام في لبنان، وتتعرّض تلك القوات صباح مساء لمضايقات وهجمات من الجانب الإسرائيلي من دون رد يذكر.

ترامب سيعلن خلال أيام قليلة خطة لتمويل غزة وتفاصيل قوة تحقيق الاستقرار في أول اجتماع لـ"مجلس السلام".. كيف تتابعون هذا الإعلان المرتقب؟


أود أولا التوقف عند مسألة "مجلس السلام" قبل الخوض في تفاصيل قوة الاستقرار وإعادة الإعمار. إن عقد الاجتماع يوم 19 شباط/ فبراير يدل على عدم اكتراث، إن لم يكن عدم احترام، لخصوصية عدد من الدول المشاركة، لا سيما الدول الإسلامية، وبصفة خاصة دول الخليج الغنية التي يفترض أن تسهم في تمويل عملية إعادة إعمار غزة؛ فهذه الدول ينخفض نشاطها الدبلوماسي كثيرا خلال شهر رمضان، وبالتالي فإن الإعلان عن هذا الموعد من دون تشاور مسبق مع الدول الإسلامية الرئيسية يعكس قدرا كبيرا من عدم الاكتراث، وهو أمر ليس مفاجئا في ضوء مواقف ترامب وإدارته، وأري أهمية الإشارة إليه.

أما بشأن إعادة الإعمار، فقد أعلن أن الإمارات تعهدت بدفع مليار دولار لخطة سيعلن عنها في اجتماع "مجلس السلام" المقبل، وكذلك الولايات المتحدة، مع وجود مفاوضات جارية مع الكويت للمساهمة كذلك بالأموال، غير أن الأهم هو أن خطة إعادة الإعمار التي أعلنها ترامب، والتي عرضها صهره جاريد كوشنر خلال اجتماع دافوس التأسيسي لمجلس السلام تختلف جذريا عن الخطة العربية الإسلامية.

فالخطة التي يسعى "مجلس السلام" إلى تمويلها هي ما يعرف بخطة "الريفييرا" التي أعلنها ترامب في شباط/ فبراير الماضي، وتتضمن إنشاء فنادق ومنتجعات ومرافق قمار ولهو ومنشآت سياحية لا مكان فيها للفلسطينيين.

والمفارقة أن الفلسطينيين المرابطين في غزة يتمركزون على الشريط الساحلي المواجه لشاطئ البحر، وهو ما يعد مشكلة من منظور إسرائيل وترامب، الذي ينظر إلى الأرض باعتبارها مشروعا استثماريا مدرا للربح، كما صرّح بذلك في اجتماع دافوس، وكرّره مرارا.

لذلك، لست متفائلا بمسألة إعادة الإعمار وفقا لخطة ترامب بصيغتها الحالية؛ إذ إن كلفة الخطة التي أشار إليها كوشنر تتجاوز 112 مليار دولار، بينما الخطة العربية الإسلامية التي جرى بلورتها بالتنسيق مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات العاملة على الأرض في غزة لم تكن تتجاوز تكلفتها 52 مليار دولار، وهذا الفارق الكبير يثير تساؤلات مريبة حول وجهة الأموال ومَن سيستفيد منها، لا سيما شركات المقاولات ومطوري العقارات المرتبطين بالمشروع.

ومن المفارقات أن مَن أعدّ هذه الخطة مطور عقاري إسرائيلي يدعى ياكير غاباي، عيّنه ترامب في "المجلس التنفيذي" لغزة، وهذه مفارقة لافتة تدعو للتساؤل، خصوصا في ظل اتهامات سابقة له بالانخراط في جهود للحد من المظاهرات المعارضة للمجازر الإسرائيلية في الجامعات الأمريكية.

كما أن الإصرار الإسرائيلي، المدعوم أمريكيا، على مسألة نزع سلاح حماس التي لم يتبق لها سلاح عمليا، في وقت لا يطرح فيه أي نقاش حول تقييد القدرات العسكرية الإسرائيلية أو نوعية الأسلحة التي تزودها بها الولايات المتحدة، يثير تساؤلات حول الهدف الحقيقي؛ إذ إن نزع سلاح حماس، وفق هذا التصور، قد يفتح المجال أمام إخلاء الشريط الساحلي بالقوة تمهيدا لإقامة المشاريع السياحية ومرافق القمار المعلنة، بتمويل قد تشارك فيه دول عربية، بينما لا ترغب الولايات المتحدة أو إسرائيل في تحمل الكلفة المباشرة.

كيف تقرأون دعوة المدير التنفيذي لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، إلى نشر قوات فلسطينية بمساندة دولية؟ وهل تمثل هذه الدعوة مدخلا لحل سياسي أم لإعادة هندسة المشهد الأمني في القطاع؟


نظريا، يتوقف الأمر على طبيعة هذه القوات وتشكيلها؛ فإذا جرى إنشاؤها بتنسيق بين الفصائل الفلسطينية، بما فيها حماس، والسلطة الفلسطينية، يمكن النظر إليها بإيجابية. أما إذا كانت ستشكل من مليشيات مارقة تحظى بدعم وتمويل إسرائيلي وأمريكي، كما أشارت تقارير صحفية، فإن ذلك يندرج ضمن التصور الإسرائيلي الذي تسانده الولايات المتحدة للإطار التنفيذي لخطة ترامب ذات العشرين بندا، ويخدم الأهداف الإسرائيلية المعلنة بشأن القضاء على حماس وتهيئة البيئة لتهجير السكان وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والأمني في غزة.

بحسب تقديراتكم، متى ستنتهي المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار؟ وما فرص نجاحها؟


الحقيقة أن المرحلة الثانية لم تبدأ بعد؛ فما جرى حتى الآن يندرج في إطار استيفاء الأوراق المتعلقة بإنشاء مؤسسات كان من المفترض الشروع فيها خلال المرحلة الأولى، لكن المرحلة الأولى نفسها لم تستكمل؛ إذ لم تدخل المساعدات وفق الوتيرة والنوعية والكمية المتفق عليها، ولم يتحقق وقف إطلاق النار بشكل كامل، ولم تنفذ إسرائيل التزاماتها، كما لم يمكَّن العاملون في الأمم المتحدة من توزيع النذر اليسير من المساعدات التي دخلت القطاع.

وعليه، فإن الحديث عن بدء المرحلة الثانية هو إعلان سياسي أكثر منه واقعا عمليا؛ فكما أعلن عن "مجلس السلام" بإرادة أمريكية منفردة، وأعلن عن تشكيل لجنة فلسطينية مستقلة من دون وضوح تام لاختصاصاتها العملية ومقار عملها وآليات تنفيذ دورها اليومي في إدارة القطاع، لا تزال كثير من التفاصيل الجوهرية غير محسومة، بما في ذلك مسألة قوة الاستقرار: هل ستشكَّل فعلا؟ ومتى ستنتشر على الأرض؟ وما طبيعة مهامها؟

هل ستكون قوة الاستقرار قوة فصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة المختلفة بين الجانين (الفصائل الفلسطيني وإسرائيل)، أم ستكون مجرد أداة لتنفيذ تهديدات بنزع سلاح حماس بالقوة؟، هذه الأسئلة تظل مفتوحة، في ظل خطاب يتحدث عن "السلام من خلال القوة"، وهو طرح يبتعد عن منطق الحوار والتفاهمات المتبادلة، ويبقي مستقبل المرحلة الثانية رهنا بالتطورات السياسية والميدانية.

كيف تتابعون اجتماعات الفصائل الفلسطينية الجارية في القاهرة؟ وما الذي وصلت إليه حتى الآن بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة في غزة؟


هذه الاجتماعات تعدّ طبيعية في إطار جهود الحكومة المصرية للوساطة وتقريب وجهات النظر، والسعي إلى إيجاد جبهة فلسطينية موحدة في مواجهة إسرائيل، وهذا جهد مشكور، ونأمل أن يفضي إلى نتائج محددة وملموسة.

لكن، للأسف، لا ينبغي الإفراط في التفاؤل، لأن مثل هذه الجهود تكررت من قبل، منذ نحو شهر؛ فقد اجتمعت الفصائل الفلسطينية في القاهرة آنذاك وأصدرت بيانا مشتركا جيدا، غير أن حركة فتح اعترضت عليه أو لم تنضم إليه في أخف التعبيرات.

اليوم قد تنضم "فتح" وبقية الفصائل إلى جهود المصالحة، وربما يسفر ذلك عن تقدم فعلي، وهذا ما نرجوه، لكن حتى لو تحقق ذلك، يبقى السؤال الجوهري: أين التمكين على الأرض من جانب القوة التي تسيطر فعليا على الوضع، وهي إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة؟؛ فهي تسيطر على جميع المعابر، وحتى اللجنة الفلسطينية المستقلة لم تمكَّن من دخول قطاع غزة إلى الآن.

بمعنى آخر، هناك عقبات كثيرة أمام تنفيذ بـ "خطة ترامب"، والجميع يحاول الالتفاف عليها من دون أن يصرّح بوضوح بأنها – وفق هذا الطرح – خطة غير متوازنة ومآلها إلى الفشل.

يوم السبت الماضي، عقدت إحدى الجلسات ضمن مؤتمر ميونيخ للأمن حول خطة غزة، وشارك فيها نيكولاي ملادينوف، وهو الدبلوماسي الأممي البلغاري السابق الذي سيتولى الإشراف اليومي على المجلس التنفيذي لغزة، إلى جانب مشاركة وزيرة خارجية فلسطين، وطرح خلال الجلسة أن فلسطين – لا الحكومة الفلسطينية ولا الفصائل – ليست ممثلة في "مجلس السلام"، بينما انضم مجرم الحرب بنيامين نتنياهو إلى المجلس بعد توجيه دعوة خاصة له، وبعد مساعٍ لاستمالته للمشاركة، ووقع على الانضمام مؤخرا خلال زيارته إلى الولايات المتحدة. ويطرح أن ذلك قد يكون في سياق الحصول على ضوء أخضر لعملية عسكرية إضافية لنزع سلاح حماس بالقوة إن لم يتم ذلك بالطريقة السهلة، وهو ما كرره مرارا، وأيّده فيه الرئيس دونالد ترامب.

وأضيف هنا أن التجربة السابقة تشير إلى أن إسرائيل كثّفت عملياتها العسكرية خلال شهر رمضان الكريم في محطات سابقة؛ فقد كسر وقف إطلاق النار الذي أعلن في كانون الثاني/ يناير عشية تولي ترامب الرئاسة خلال شهر رمضان، ووقعت عمليات عسكرية واسعة في تلك الفترة. وفي رمضان 2024 كذلك تصاعدت العمليات العسكرية في غزة رغم دعوات وقف إطلاق النار في شباط/ فبراير من ذلك العام.

وكان نتنياهو قد صرّح في أوقات سابقة بأن الحرب لن تتجاوز كانون الثاني/ يناير ثم شباط/ فبراير 2024، لكنه حرص على مد وإطالة أمد الحرب، إلى أن جاءت الانتخابات الأمريكية التي أعادت حليفه دونالد ترامب، الذي يواصل تقديم دعم مطلق لإسرائيل وتنفيذ أهدافها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها الضفة الغربية، رغم إعلانه (ترامب) معارضة ضمها رسميا. ورغم ذلك لم تقم الإدارة الأمريكية بانتقاد أو إدانة القرارات الإدارية الأخيرة التي تسهّل إجراءات الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين.

ومن جهة أخرى، ترامب ماض بقوة في تبني أجندة إسرائيل بشأن إيران ولبنان وسوريا وغيرها من الملفات الإقليمية.

وفي النهاية، يبقى السؤال: هل ستنجح هذه الجهود الجارية في القاهرة في تجاوز كل هذه التعقيدات أم ستتعثر كما حدث في محطات سابقة؟، المشهد لا يزال مفتوحا على كل الاحتمالات.

على صعيد آخر، كيف ترى نتائج ميونخ الدولي للأمن والتحولات الجارية في النظام الدولي؟


النظام الدولي القائم على القواعد التي تم تطويرها بتوافق جميع أعضاء المجتمع الدولي منذ الحرب العالمية الثانية، وأدت إلى بلورة عهود حقوق الإنسان، سواء العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أو العهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك مختلف معايير التعامل في المجالات الدولية من تجارة وبيئة وصناعة وصحة وطاقة وغيرها، هذا النظام تم تكسيره بجهد مضطرد من جانب الولايات المتحدة، ونحن الآن أمام نظام دولي انتقالي.

الولايات المتحدة تحاول التهجم على القوى الضعيفة التي لا تستطيع الرد عليها، من أجل ردع القوى التي تنافسها، وهي الصين وروسيا عن مواصلة الدفع بإزاحة الولايات المتحدة عن السيطرة على النظام الدولي.

الكلمات التي صدرت عن المستشار الألماني ورئيس فرنسا مؤخرا أشارت إلى بدء الرد على الإهانة التي تعرضوا لها العام الماضي في مؤتمر ميونيخ للأمن نفسه من نائب الرئيس الأمريكي، عندما هاجم قيم أوروبا الغربية، والذي أشار إلى أن أوروبا الغربية قارة تضمحل، وأن الحضارة الغربية إذا اتبعت أوروبا الغربية ستضمحل هي الأخرى، وأن سيطرة الرجل الأبيض أو الثقافة البيضاء في اضمحلال، وأن على أوروبا أن تتبع الولايات المتحدة بصورة عمياء من أجل النهضة ووقف ما سمّاه النزيف الناتج عن الهجرة وعن احترام أوروبا للمعايير والقانون الدولي.

في حين حاول وزير خارجية الولايات المتحدة، في مؤتمر ميونخ الأخير، طمأنة الدول الأوروبية بالإشارة إلى عمق العلاقة مع الولايات المتحدة وحرص واشنطن على مصالح أوروبا، فإنه ردد نفس الشعارات المتطرفة الخاصة باضمحلال الحضارة الأوروبية نتيجة الهجرة والهجمة من الحضارات الأخرى ومن غير البيض المقيمين في أوروبا.

أنا أرى أن أوروبا، في ردها هذا، تتبع أسلوبا لن يفضي إلى شيء، لأنها تتبع أسلوبا يقوم على أنها توافق الولايات المتحدة على ما تريد فعله، ولكن ليس داخل أوروبا. ليس في أوكرانيا، وليس في غرينلاند. أما في إيران فلا مانع لديها، بل إن المستشار الألماني، والرئيس الفرنسي كذلك، هاجما إيران كما يهاجمها دونالد ترامب، ولا يوجد اعتراض واضح على التدخل العسكري الأمريكي الوشيك هناك.

كذلك لم تعترض أوروبا بحسم على مسألة الاستيلاء على ثروات فنزويلا أو اعتقال رئيس فنزويلا من غرفة نومه في القصر الرئاسي، ولن يعترضوا – بالمناسبة – على الهدف المقبل بعد إيران، والذي سيكون "كوبا" إذا نجحت الولايات المتحدة في إيران.

هذا الأسلوب يقوم على فكرة أن ترامب يحاول ألا تضمحل القوة الأمريكية في عهده، وأوروبا توافق على ما يفعله، لكنها لا تريد ذلك في حديقتها الخلفية. هذا ليس أسلوبا لاستعادة النظام الدولي أو لإنشاء نظام دولي جديد قائم على العدل لا على القوة.

لذلك، نحن أمام وضع دولي مرشح لمزيد من الفوضى خلال السنوات القادمة، إلا إذا تبوأت أوروبا مكانتها وتصرفت بمزيد من المسؤولية، أو ظهرت قوى قادرة على تحدي الوضع القائم أو على الأقل إضفاء قدر من الاستقرار النسبي من بين دول الجنوب. هناك محاولات خجولة من بعض القوى مثل البرازيل وربما جنوب أفريقيا والهند، لكن الدول العربية غائبة، وتضع كل بيضها في سلة ترامب، ونتائج هذه السياسة واضحة للعيان في غزة ولبنان وسوريا، وربما قريبا في إيران.

ما رؤيتكم لمستقبل الملف النووي الإيراني؟ وهل تعتقد أن الولايات المتحدة ستقدم على عمل عسكري ربما يطيح بالنظام في طهران؟


أولا، الولايات المتحدة، منذ عام 1979 ومنذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، تسعى إلى تغيير هذا النظام، ولا تخفي ذلك، أما ما عدا ذلك فهو ذرائع تتغير بتغير المرحلة.

في بدايات الثورة كان الحديث عن "تصدير الثورة"، بل تم – كما هو معروف – تشجيع العراق على مهاجمة إيران في سنواتها الأولى، وبتمويل من دول عربية. بعد ذلك ظهر الملف النووي كذريعة، رغم أن مختلف المسائل الفنية تم تناولها، والوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت تتبع أسلوبا يمسك العصا من المنتصف.

وأنا عملت نائبا لمندوب مصر في الوكالة الدولية للطاقة الذرية بين عامي 2005 و2008، وشاهدت بنفسي أن التقارير لم تكن تحسم بأن الملفات أغلقت تماما، كما لم تكن تحسم بأن إيران انتهكت الاتفاقيات بصورة قاطعة. لذلك فهذه ذريعة.

ثم ظهرت ذريعة القدرات الصاروخية، رغم أنه لا توجد أي وثيقة قانونية دولية تنظم مسألة تطوير الصواريخ بحد ذاتها. نعم، كانت هناك اتفاقيات بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن تحديد الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية، لكنها انتهت بانتهاء اتفاقية "ستارت" الأخيرة التي كانت تتناول الأسلحة النووية ووسائل إيصالها (أي الصواريخ). اليوم لا يوجد إطار قانوني دولي شامل يحكم مسألة تطوير الصواريخ التقليدية.

ثم هناك ما يطلق عليه "أذرع إيران"، وأنا أفضل تسميتهم حلفاء إيران في المنطقة من حركات المقاومة، سواء حزب الله، أو حركة الحوثيين التي هاجمت إسرائيل نصرة للفلسطينيين، أو حماس. هذه حركات غير رسمية أو خارجة عن السيطرة المباشرة للدول، لكنها نشأت لأن الدول التي توجد فيها لم تستطع إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ولو كانت إسرائيل قد أوقفت احتلالها وعدوانها، لما نشأت مثل هذه الحركات التي تؤدي وظيفة لم تستطع دولها القيام بها.

إذن، كل هذه ذرائع، وعندما تبدي إيران مرونة بشأن برنامجها النووي، تدفع إسرائيل الولايات المتحدة إلى التشدد والمطالبة بالمزيد.

وللتذكير، فإن بنيامين نتنياهو زار الولايات المتحدة على عجل قبل أيام ماضية، وكان من بين أهداف الزيارة الملف النووي الإيراني إلى جانب ملف غزة، وقيل إنه قدّم معلومات استخباراتية بشأن البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية.

هذا ذكرني بحادثة وقعت بالفعل أثناء عملي في الوكالة الدولية للطاقة الذرية عامي 2007 و2008، حين أعلنت السكرتارية أنها تلقت آلاف الوثائق التي قيل إنها سرقت من الجانب الإيراني وتثبت أنشطة سرية لتطوير أسلحة نووية، وكانت هذه الوثائق محور تقارير واجتماعات في مجلس محافظي وكالة الطاقة الذرية، ثم تبين لاحقا أن هذه الوثائق "مفبركة تماما" من قبل الموساد الإسرائيلي بالتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وبالتالي لا يمكن الوثوق مطلقا بأي معلومات إسرائيلية تستخدم للتحريض من دون تدقيق مستقل.

وتقديري أن على الجانب الإيراني، إن لم يكن يثير هذه الوقائع في المفاوضات المغلقة، أن يطرحها علنا، لأن ما جرى كان فضيحة حقيقية وكبيرة ومشابهة لما يجري حاليا.

أما بخصوص العمل العسكري، فتقديري أن الضربة الأمريكية على إيران قادمة لا محالة، وأن نتنياهو نجح في إقناع الرئيس دونالد ترامب بأن تكون الضربة شاملة. لذلك نرى تحريكا عسكريا أمريكا كبيرا وإعطاء مهلة خلال شهر آذار/ مارس المقبل للتوصل إلى اتفاق بشروط يعلم الجميع أنها "مستحيلة"، لأن القبول بها يعني انهيار أو إضعاف النظام الإيراني إلى درجة كبيرة جدا.


ترامب تشجع من عدة عوامل: قبول دول عربية بخطته بشأن غزة دون أي تعديل جوهري، وما يعتبره نجاحا في ملف فنزويلا ومحاولته تطبيق المنهج ذاته مع إيران. كما أن الموقف الأوروبي متذبذب؛ فهو يعارض سياساته في أوكرانيا وبشأن جرينلاند، لكنه لا يعارض التصعيد تجاه إيران.

لكن أوروبا ليست الدول العربية، وأوكرانيا ليست غزة، والدنمارك ليست فلسطين. لذلك سنرى خلال الفترة القريبة المقبلة متي ستقدم الولايات المتحدة على الضربة العسكرية لإيران، وربما يكون ذلك خلال شهر آذار/ مارس أو بعده بقليل، وربما يتم اللجوء إلى عنصر المفاجأة كما حدث في سوابق تاريخية.

المشهد، في تقديري، يتجه نحو تصعيد خطير للغاية، ما لم يحدث تحول سياسي حقيقي يغير مسار المواجهة.