في الدول الديمقراطية،
تُدار العلاقة بين المدنيين والعسكريين عبر الدستور والمؤسسات والرقابة البرلمانية.
أما في الأنظمة الشمولية أو السلطوية، فالأمر أكثر تعقيدا؛ إذ لا تكون المشكلة في وجود
الجيش داخل
الدولة، بل في موقعه داخل معادلة السلطة. في هذه الأنظمة، لا يكون الجيش
مجرد مؤسسة دفاعية، بل يصبح في كثير من الأحيان أحد أعمدة بقاء النظام. وهنا تنشأ معادلة
ذات حساسية خاصة الدولة تحتاج الجيش لحماية الاستقرار، والجيش يحتاج الدولة لحماية
مكانته ومصالحه.
الخطأ الشائع
في تحليل هذه العلاقة هو التعامل معها بمنطق أخلاقي مجرد: إما دولة مدنية كاملة فورا،
أو مواجهة صفرية مع المؤسسة
العسكرية. لكن التجربة العالمية تُظهر أن الانتقال الحاد
غالبا ما ينتهي إلى أحد مسارين: إما
انقلاب
عسكري، أو انهيار مؤسسات الدولة.
الإدارة الذكية
للعلاقة داخل الأنظمة الاستبدادية لا تقوم على كسر الجيش، بل على إعادة تعريف دوره
تدريجيا. فالجيوش عادة لا تبحث عن السلطة
بقدر ما تبحث عن ثلاثة أشياء: الأمن المؤسسي، والشرعية الوطنية، والمصالح الاستراتيجية.
لذلك فإن الطريق الأكثر واقعية ليس المواجهة المباشرة، بل بناء دولة مدنية قوية تدريجيا. فالجيوش نادرا ما تسيطر على دول قوية مؤسسيا، لكنها تملأ الفراغ في الدول الضعيفة
لذلك فإن الطريق
الأكثر واقعية ليس المواجهة المباشرة، بل بناء دولة مدنية قوية تدريجيا. فالجيوش نادرا
ما تسيطر على دول قوية مؤسسيا، لكنها تملأ الفراغ في الدول الضعيفة.
إن السؤال
الحقيقي ليس: كيف نُخرج الجيش من السياسة فورا؟ بل: كيف نجعل السياسة قادرة على إدارة
الدولة دون الحاجة لتدخل الجيش؟ الدول التي نجحت في ضبط العلاقة المدنية العسكرية لم
تفعل ذلك عبر الصدام، بل عبر الزمن، والمؤسسات، وإعادة توزيع الأدوار داخل الدولة.
إشكاليات العسكرة
والمدينة
أولا: الإشكالية
الجوهرية في الأنظمة الشمولية في الأنظمة الشمولية أم السلطوية؟
العلاقة المدنية
العسكرية لا تكون علاقة توازن مؤسسي، بل غالبا تكون أحد ثلاثة أنماط:
-1 عسكرة الدولة: فالجيش هو مركز السلطة الحقيقي ولا يرغب في ترك مكتسبات حققها،
وفي هذا الوضع المؤسسات المدنية شكلية وليس لها دور حقيقي في إدارة
المجتمع المدني،
وكأن الدولة شعب يحمي الجيش ومؤسساته وليس جيشا يحمي الشعب ويدافع عن أراضي الدولة
وحدودها ويذود عن سيادتها،، وهنا يغيب القرار السياسي ويصبح أمني الطابع.
-2 تحالف سلطوي (نظام + جيش): فالنظام السياسي يعتمد على الجيش لضمان البقاء"
نظام شيلني وأشيلك". وفيه
الجيش يحصل على امتيازات اقتصادية وسياسية تخرج عن دوره المتعارف عليه في سائر الدول
الديمقراطية، في الوقت الذي يتخلى فيه النظام السياسي المعبّر عن الشعب عن كثير من
مقوماته لصالح الجيش.
-3 دولة أمنية متعددة الأذرع (الجيش + أجهزة الأمن + شبكات مصالح): فيها يحدث
توازن داخل النظام، وليس بين الدولة والمجتمع، وتتحول الدولة إلى خدمة مصالح فئوية
تستبعد الغالبية العظمي من الشعب لصالح الأجهزة الأمنية المختلفة.
ثانيا: لماذا
تفشل إدارة العلاقة في الأنظمة الاستبدادية؟
-1 غياب العقد الاجتماعي: وهو اتفاق غير مكتوب بين الحاكم والمحكوم، يلتزم
فيه كل طرف بوجباته تجاه الآخر، ويقوم علي مبدأ "نتنازل عن جزء من حريتنا، مقابل
أن تحمينا الدولة وتنظم حياتنا بعدل"، فالمواطن يلتزم بالقانون، والدولة تلتزم
بحماية الحقوق وتوفير الأمن والخدمات. وهنا لا يتوفر شيء مما سبق. فالجيش لا يرى نفسه
خادما للدستور الذي اختاره وأقره الشعب، بل يرى نفسه حارسا للنظام أو للدولة كما يعرّفها
هو، فيتم تسييس المؤسسة العسكرية بدخولها في الاقتصاد منافسا لأداء السلطة التنفيذية،
بل وقد يتدخل في الإعلام موجها ومسيّرا له، في محاولة منه لصناعة نخب سياسية تابعه
له وسائرة في ركابه، مما يؤدي إلى ضعف المؤسسات المدنية وانهيار العقد الاجتماعي، فتفشل
الدولة في العدل وينتشر الفساد وتُنتهك الحقو، فتحدث الاضطرابات والاحتجاجات وقد تعقبها
الثورات فبرلمان ضعيف وقضاء محدود التأثير ومجتمع مدني مقيد يؤدي حتما إلى ثورة.
ثالثا: النماذج
الواقعية لإدارة العلاقة داخل الاستبداد (وليس بعده):
هنا نقطة مهمة
جدا: في الأنظمة الشمولية لا نتحدث عن "حوكمة مثالية"، بل عن إدارة المخاطر
وتقليل الاحتكاك.
النموذج (أ):
نموذج الاحتواء التدرجي: (تركيا)
فكرته: تقليل
تدخل الجيش في السياسة تدريجيا دون صدام مباشر.
أدواته:
• إعادة تعريف دور الجيش: حماية الحدود لا إدارة الدولة.
• تحويل الامتيازات إلى مؤسسات اقتصادية رسمية.
• إدماج الضباط في مؤسسات دولة مدنية بعد التقاعد.
وهذا النموذج
يصلح عندما يكون الجيش مؤسسة وطنية محترفة نسبيا ولا يوجد صراع أهلي حاد.
النموذج (ب):
نموذج التوازن السلطوي: (باكستان)
فكرته: خلق
توازن داخل النظام نفسه بين: الجيش، والأجهزة الأمنية، والنخب الاقتصادية والبيروقراطية.
وهذا النموذج
قد ينتج دولة عميقة معقدة، تطيل عمر الاستبداد بدل إصلاحه.
النموذج (ج):
نموذج التوافق الصامت: (السودان)
فكرته: اتفاق
غير معلن بين القوى المدنية والعسكرية. الجيش يحافظ على الدولة، والمدنيون يديرون السياسة
اليومية.
وهذا النموذج
يظهر غالبا في:
• مراحل الانتقال السياسي الهشة.
لا تُبنى الدولة المدنية ضد الجيش، بل ببناء دولة لا يحتاج فيها الجيش إلى لعب دور سياسي
• دول تخشى الفوضى أكثر من الاستبداد.
رابعا: الأدوات
العملية لإدارة العلاقة داخل الأنظمة الاستبدادية:
-1 إدارة الخطاب:
• عدم شيطنة الجيش كمؤسسة.
• التمييز بين "العسكرة السياسية" و"المؤسسة العسكرية الوطنية".
-2 إدارة المصالح بدل الصدام مع مصالح الجيش:
• تحويلها إلى شركات مملوكة للدولة.
• إدخال رقابة مالية تدريجية.
-3 بناء مساحات مدنية غير صدامية، (مثل: التعليم- الاقتصاد المدني- البلديات-
الخدمات).
-4 بناء شرعية مهنية للمؤسسات المدنية.
أهم نقطة غالبا
يتم تجاهلها أن الجيش يملأ الفراغ ولا يصنعه، فإذا كانت المؤسسات المدنية ضعيفة، سيملأ
الجيش الفراغ تلقائيا.
خامسا: أخطر
أخطاء القوى المدنية في التعامل مع الجيوش في الأنظمة الاستبدادية: خطاب المواجهة الأخلاقية فقط، وبدون فهم للمصالح
والأمن القومي ومحاولة الإقصاء الكامل والسريع، ما يؤدي غالبا لانقلاب مضاد، والاعتماد
على الخارج لكسر التوازن الداخلي، مما قد يُفقدها الشرعية الوطنية.
في النهاية،
لا تُبنى الدولة المدنية ضد الجيش، بل ببناء دولة لا يحتاج فيها الجيش إلى لعب دور
سياسي.