قال المتحدث الإقليمي باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، سليم عويس، إن "جميع أطفال
غزة تقريبا يعيشون تحت وطأة صدمات نفسية قاسية وغير مسبوقة، ويحتاجون بشكل عاجل إلى دعم نفسي واجتماعي شامل، في وقت يلازمهم فيه خوف دائم من عودة العنف والقتال إلى مستوياته الواسعة، بعدما فقد آلاف الأطفال أسرهم ومنازلهم ومصادر الأمان في لحظة واحدة".
وأوضح، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "الجانب النفسي يُعد من أخطر التداعيات للحرب في غزة والخروقات المستمرة إلى الآن، والتي تعمّق الشعور بانعدام الأمان"، مؤكدا أن "آلاف الأطفال فقدوا في لحظة واحدة كل ما كانوا يرتكزون عليه من دعم أسري وأمان، وهو واقع بالغ القسوة في ظل الظروف الراهنة في قطاع غزة".
وشدد المتحدث الإقليمي باسم "اليونيسف"، على أن "الأطفال الأيتام يحتاجون إلى دعم نفسي مضاعف نظرا لحجم الصدمات التي تعرّضوا لها وفقدانهم المفاجئ لأسرهم ومصادر الأمان في حياتهم".
ونوّه عويس إلى أن "تقديرات اليونيسف تشير إلى وجود نحو 17 ألف طفل يتيم في قطاع غزة، من بينهم نحو 3000 طفل فقدوا الوالدين معا، إلا أن هذه الأرقام تظل تقديرات مرجّحة للارتفاع في ظل العدد الهائل من القتلى بين الفلسطينيين خلال الفترة الماضية".
وتابع: "الوضع الإنساني لهؤلاء الأطفال صعب للغاية؛ فهناك أطفال تُركوا دون أهل، وغالبية منهم فقدوا ذويهم جراء استهداف منازلهم أو أحيائهم، ما يعني أنهم تأثروا بشكل مباشر بالضربات سواء جسديا أو نفسيا، بالإضافة إلى أن عددا كبيرا منهم بات من ذوي الإعاقات نتيجة الجراح والإصابات التي تعرّضوا لها بسبب العنف والقتال الشديد".
وبيّن أن "رعاية هؤلاء الأطفال تتم حاليا في كثير من الحالات من خلال العائلات الممتدة أو الجيران، نتيجة الحسّ المجتمعي والعائلي داخل القطاع"، معتبرا أن "بقاء الطفل ضمن محيطه الاجتماعي القريب يُعد الخيار الأفضل له نفسيا واجتماعيا، لكن عددا كبيرا من الأطفال ما زالوا يواجهون العيش في حالة من الوحدة أو يتحمّلون مسؤوليات تفوق أعمارهم".
وضع شديد الهشاشة والخطورة
وأشار المتحدث الإقليمي باسم "اليونيسف"، إلى أن "وقف إطلاق النار الهش في قطاع غزة أتاح بعض التحسن النسبي، إلا أن الوضع ما يزال شديد الهشاشة والخطورة، خاصة بالنسبة للأطفال".
وأضاف أن "مشاهد مقتل الأطفال والمدنيين لا تزال مستمرة، إلى جانب معاناة يومية حادة تتعلق بنقص الطعام والشراب وأساسيات الحياة البسيطة التي يفترض أن تكون متاحة لهم"، موضحا أن "دخول المساعدات الإنسانية، رغم زيادته بشكل طفيف، لا يزال غير كاف للتعامل مع معاناة ممتدة منذ ما يقارب عامين ونصف".
وأشار عويس إلى أنه "بين 1 كانون الثاني/ يناير و8 شباط/ فبراير 2026، أُبلغ عن مقتل 37 طفلا في غزة، فيما قُتل أكثر من 135 طفلا منذ بدء وقف إطلاق النار"، مشيرا إلى أن "الأنظمة الصحية والمياه والتعليم لا تزال متضررة بشدة وتعمل فوق طاقتها".
وأكد ضرورة أن "يصمد وقف إطلاق النار، وأن يترجم إلى حماية فعلية ومستدامة للأطفال، بما يشمل وقف جميع أشكال العنف، وضمان احترام وحماية المدنيين والبنية التحتية الحيوية التي يعتمدون عليها للبقاء"، مشدّدا على ضرورة "وجود التزام سياسي فعلي، والتزام أخلاقي، والتزام عالمي واضح تجاه حماية المدنيين في غزة وتخفيف معاناتهم، وهو الأمر الذي يتطلب بذل المزيد من الجهود الإنسانية والسياسية في هذا الإطار".
وبشأن شهر رمضان، أوضح عويس أنه "عادة ما يرتبط بالدفء العائلي والروتين الإيجابي للأطفال، مثل الوجبات المشتركة والزيارات والطقوس التي تمنح شعورا بالأمان والانتماء، إلا أن الواقع مختلف حاليا بسبب النزوح والخوف وفقدان البيت أو تشتت الأسرة".
ونوّه إلى أنه "خلال زيارته لإحدى المدارس في غزة قبل أيام، التقى طالبات ومعلمات وأهالي، وكان القاسم المشترك في أحاديثهم هو الخوف الدائم من عودة العنف إلى مستوياته الواسعة التي شهدها القطاع سابقا".
وذكر أن "الحديث المتكرر يدور حول هشاشة وقف إطلاق النار واستمرار خروقاته؛ فتكرار الهجمات في المناطق المجاورة يرسّخ حالة من عدم الاستقرار ويعمّق شعور العائلات بانعدام الأمان، ما يزيد من الضغوط النفسية والإنسانية على الأطفال والمدنيين".
احتياجات تفوق المساعدات
وفيما يتعلق بالاستجابة الإنسانية، أوضح عويس أن "حجم الإمدادات التي تدخل غزة شهد زيادة ملحوظة منذ إعلان وقف إطلاق النار، إلا أن حجم الاحتياجات ما يزال يفوق بكثير ما يدخل من مساعدات".
وأعرب عن أمله في "فتح جميع المعابر أمام المساعدات الإنسانية والإمدادات التجارية بالتوازي، مع تسريع إجراءات الموافقات والتخليص، بما يسمح بإيصال الإمدادات بشكل منتظم وعلى نطاق يلبي الاحتياجات، ويمهّد للانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التعافي المبكر".
وأشار إلى أن "اليونيسف تواصل تنفيذ برامج منقذة للحياة وإعادة بناء مقومات الصمود للأطفال، وأبرز متطلباتهم تبدأ بعمليات التتبع وإعادة لمّ الشمل مع عائلاتهم الممتدة في حال انفصالهم عنها، ونحن في اليونيسف عملنا على هذا الملف بشكل متواصل خلال العامين ونصف الماضيين، بما في ذلك توثيق البيانات والتأكد من عدم انفصال الأطفال عن مقدمي الرعاية خلال فترات القصف الشديد".
وذكر مسؤول التواصل في اليونيسف لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أنه "تم تطعيم قرابة 16 ألف طفل دون سن الثالثة ضمن الجولة الثانية من حملة اللحاق باللقاحات، بعد الوصول إلى أكثر من 14 ألف طفل في الجولة الأولى، مع التخطيط لجولة ثالثة في نيسان/ أبريل 2026 لسد فجوات المناعة".
وفي قطاع التعليم، قال إن "اليونيسف تدعم أكثر من 135,400 طفل في أكثر من 110 مساحات تعليمية مؤقتة، مع هدف توسيع الوصول إلى 336,000 طفل خلال عام 2026، تمهيدا لعودة جميع الأطفال في سن الدراسة - نحو 700 ألف طفل - إلى التعليم الحضوري بحلول عام 2027".
مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي
وعلى صعيد الأمن الغذائي، قال عويس إنه "رغم دفع خطر المجاعة في قطاع غزة، فإن الوضع الإنساني ما يزال بالغ الخطورة بالنسبة للأطفال".
وبيّن أن "ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص، أي نحو 77% من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. كما تشير التقديرات إلى أن أكثر من 101,000 طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهرا معرّضون لسوء التغذية الحاد خلال هذا العام، من بينهم نحو 31 ألف حالة شديدة، إضافة إلى 37 ألف امرأة حامل ومرضع يحتجن إلى علاج تغذوي عاجل".
وأكد عويس أن "اليونيسف وشركاءها يركزون على تحديد الأطفال غير المصحوبين والمنفصلين عن ذويهم، وإجراء إدارة حالات وفق معايير حماية الطفل، فضلا عن التتبع ولمّ الشمل الأسري عندما يكون ذلك ممكنا وآمنا، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي وخدمات الإحالة للحالات ذات الاحتياجات الخاصة".
ونوّه عويس إلى أن "الاستجابة الإنسانية تساعد في التخفيف من حدة الأزمة، لكنها لا تستطيع وحدها سد فجوة الاحتياجات الضخمة".
وأوضح أن "اليونيسف تدعم حزم ومواد شتوية وخدمات أساسية للأطفال، وتوسّع خدمات التغذية والعلاج، وتعمل على استمرار خدمات المياه والصرف الصحي قدر الإمكان"، مُشدّدا على أن "الاستدامة مرهونة بوصول إنساني منتظم، وإمدادات كافية، وتمويل مستمر".
وتمنع إسرائيل إدخال قدر كاف من الغذاء والدواء والمستلزمات الطبية ومواد الإغاثة والإيواء إلى غزة، حيث يوجد نحو 1.5 ملون نازح من أصل حوالي 2.4 مليون فلسطيني يعيشون في القطاع المحاصر منذ أكثر من 18 عاما.
وبدعم أمريكي بدأت إسرائيل في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 إبادة جماعية بغزة، استمرت عامين وخلّفت أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 171 ألف جريح، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا طال 90% من البنية التحتية المدنية.