قال مستشار مكتب رئاسة الجمهورية
اليمنية للشؤون
الاقتصادية، فارس النجار، إن "إقرار
الموازنة العامة بعد سنوات من التوقف يُمثل خطوة هامة في اتجاه إعادة إدخال المالية العامة إلى إطارها المؤسسي، واستعادة الانضباط المالي والإداري في إدارة الإيرادات والإنفاق"، مؤكدا أن "هذه الخطوة تعكس توجها حكوميا واضحا للانتقال من إدارة الطوارئ إلى إدارة مالية قائمة على التخطيط والبرمجة وربط النفقات بالأولويات الاقتصادية والاجتماعية".
والخميس، أعلنت الحكومة اليمنية أنها ستقر موازنة عامة للبلاد لعام 2026، للمرة الأولى منذ 4 سنوات، مؤكدة فرض سيادتها الكاملة على كامل المناطق المحررة من الحوثيين. وعام 2022 كان آخر مرة يتم فيه الإعلان عن موازنة في اليمن.
وأكد النجار، في مقابلة خاصة مع "عربي21"، أن "المشهد الاقتصادي في اليمن ما يزال محكوما بثلاثية ضاغطة تتمثل في الانقسام المؤسسي والسياسي، والهشاشة المالية، وتشوهات السوق الناتجة عن اقتصاد الحرب"، موضحا أن "هذه العوامل مجتمعة خلقت بيئة اقتصادية غير مستقرة انعكست بشكل مباشر على معيشة المواطنين وعلى أداء المؤسسات المالية والنقدية".
وأضاف النجار أن "أبرز المؤشرات التي تعكس عمق الأزمة الحالية تتجسد بوضوح في ازدواج سعر الصرف بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية ومناطق سيطرة الحوثي، حيث تعمل مناطق الحكومة بآلية سوق مع رقابة نقدية، في مقابل سعر صرف مفروض بقوة الأمر الواقع في مناطق الحوثيين، وهو ما يخلق اختلالات حادة في السوق ولا ينعكس بصورة طبيعية على أسعار السلع والخدمات أو على القوة الشرائية للمواطنين".
وأشار إلى أن "تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة يمثلان مؤشرا اجتماعيا خطيرا على تفاقم الأزمة"، لافتا إلى أن "اتساع رقعة الاحتياج الإنساني ووصول ملايين اليمنيين إلى دائرة الحاجة للمساعدات العاجلة يعكس حجم الضغوط الاقتصادية المتراكمة، في ظل تضخم مستمر وتآكل الدخول وضعف فرص التعافي السريع".
وأكد أن "تحسن الوضع النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية يعود بدرجة كبيرة إلى الدعم الإقليمي، ولا سيما الدعم المقدم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، إلى جانب جهود الإصلاح المالي والنقدي"، مُشدّدا على أن "استمرار هذا المسار، بالتوازي مع استئناف الإيرادات السيادية وعلى رأسها صادرات النفط والغاز، وتنفيذ إصلاحات هيكلية شاملة، يمثل الطريق الأكثر واقعية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والانتقال من إدارة الأزمة إلى مسار التعافي التدريجي".
وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":
كيف تقيمون المشهد الاقتصادي في اليمن في ظل استمرار الانقسام المؤسسي والتحديات السياسية؟ وما أبرز المؤشرات التي تعكس عمق الأزمة الحالية؟
المشهد الاقتصادي في اليمن ما يزال محكوما بثلاثية ضاغطة تتمثل في الانقسام المؤسسي والسياسي، والهشاشة المالية، وتشوهات السوق الناتجة عن اقتصاد الحرب، وتظهر المؤشرات الأوضح لعمق هذه الأزمة في ثلاث نقاط رئيسية.
أولا: ازدواج سعر الصرف؛ إذ يوجد سعر صرف في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية يختلف عن سعر الصرف في مناطق سيطرة ميليشا الحوثيين؛ فهناك آلية معتمدة في مناطق سلطة الحكومة الشرعية تقوم على آلية السوق مع تدخل رقابي محدود، في مقابل سعر صرف مفروض بقوة السلاح من قبل الميليشيات الحوثية في مناطق سيطرتهم، وهو ما لا ينعكس على حياة الناس وأسعار السلع والخدمات بشكل طبيعي.
النقطة الثانية هي تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بوصفهما معيارا اجتماعيا مباشرا يوضح حجم الأزمة، وهذا ما نراه يتكرر كثيرا في تقييمات الأمم المتحدة مؤخرا، حيث ازداد الاحتياج الإنساني، وأصبح نحو 21 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات عاجلة.
النقطة الثالثة تتمثل في ضعف الإيرادات العامة وعدم انتظام الإنفاق الجاري، خاصة فيما يتعلق بتخصيص الأجور والمرتبات، ولا سيما في مناطق سيطرة ميليشيا الحوثي، حيث تنعدم الرواتب لمعظم، أو لكل، المؤسسات غير الإيرادية، وهو ما ينعكس بطبيعة الحال على الثقة في السوق والاستقرار النقدي.
وعلى الرغم من أن الوضع في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية يُعد أفضل نسبيا، حيث يوجد التزام شبه دائم، أو دائم، بصرف الأجور والمرتبات مع حدوث تأخيرات في بعض الأحيان، فإن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى الدعم السخي والأخوي المُقدّم من الأشقاء في المملكة العربية السعودية لدعم عجز الموازنة العامة بعد توقف صادرات النفط والخسائر التي تكبدتها الدولة، والتي تجاوزت منذ توقف تصدير النفط في عام 2021 وحتى حزيران / يونيو 2025 أكثر من سبعة مليارات ونصف المليار دولار.
ما تقييمكم لسياسات الحكومة في إدارة سعر الصرف؟ وهل ترون أن استقرار العملة ممكن دون إصلاحات هيكلية أوسع في القطاع المالي؟
إن الاستقرار ممكن نسبيا على المدى القصير إذا توفرت تدفقات كافية من النقد الأجنبي، واقترنت بإدارة نقدية صارمة، واستمرت لجنة تنظيم وتمويل الواردات في أداء دورها المحوري، وهو الدور الذي أسهم بشكل أساسي في تخفيف حدة المضاربة.
لكن لضمان استدامة هذا الاستقرار، نحن بحاجة إلى إصلاحات هيكلية أوسع في المالية العامة والقطاع المالي بشكل عام. فنحن بحاجة إلى توسيع القاعدة الإيرادية، ورفع كفاءة تحصيل الإيرادات، بما يضمن توريد جميع الإيرادات إلى البنك المركزي، كما نحتاج إلى ضبط الإنفاق وتعزيز القطاع المصرفي بشكل كامل.
وهذا ما نراه يبرز بوضوح في مسار خطوات الإصلاحات الاقتصادية، سواء تلك المرتبطة بالقرار رقم 11 لمجلس القيادة الرئاسي، والذي توقف جزئيا بعد أحداث الثالث من كانون الأول/ ديسمبر التي شهدتها المحافظات الشرقية، لكنه يستعيد زخمه حاليا من جديد ضمن مسار الإصلاحات الاقتصادية. ومع ذلك، نُشدّد على أننا بحاجة إلى تنفيذ هذه الإصلاحات بشكلها الكامل، مع ضرورة عودة الإيرادات السيادية، وفي مقدمتها صادرات النفط والغاز، باعتبارها موردا رئيسيا، بل المورد الأكبر، الذي يغطي أكثر من 70% من موارد موازنة الدولة.
كيف تنظرون إلى أزمة السيولة النقدية وتأثير ازدواجية المؤسسات المالية على أداء البنك المركزي وقدرته على ضبط السياسة النقدية؟
فيما يتعلق بأزمة السيولة، يجب أن نُميّز بوضوح بين الكتلة النقدية الاسمية من جهة، والسيولة المتداولة فعليا وسرعة دوران النقود من جهة أخرى، وأعتقد أنه في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية توجد أزمة دوران وتوزيع أكثر من كونها أزمة في حجم النقد.
فاليوم لا نواجه أزمة في حجم النقد بحد ذاته؛ إذ تتجاوز الكتلة النقدية ثلاثة تريليونات ريال من الإصدار الجديد، والمفترض أنها موجودة في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنها مكتنزة خارج الجهاز المصرفي، وهي مكتنزة لدى التجار ولدى كثير من قوى المضاربة التي لطالما احتجزت هذه الأموال واستخدمتها لتحقيق مكاسب من صعود وهبوط سعر الصرف، نظرا لاعتماد هذه القوى على حالة التذبذب التي شهدها سعر الصرف خلال الفترات الماضية.
أما اليوم، ومع حالة ثبات سعر الصرف نتيجة تدخل البنك المركزي، فإن إدارة السوق تجري وفق آلية السوق مع رقابة محكمة من البنك المركزي، وهو ما يعيق أعمال المضاربة. ولهذا تحاول هذه الأطراف بشتى الوسائل الضغط باتجاه خفض سعر الصرف أو دفعه إلى مستويات مختلفة، ليس بدافع انعكاس ذلك إيجابا على أسعار السلع والخدمات، بقدر ما هو سعي لتحقيق مكاسب من التذبذب في سعر الصرف.
وفي المقابل، يمكن القول بوضوح إن البنك المركزي تحرك فعليا باتجاه معالجة هذه الأزمة، حيث قام بضخ سيولة معتبرة إلى البنوك التجارية، كما سيُلزم - عبر لجنة تنظيم وتمويل الاستيراد - التجار والبنوك بعدم استلام أموال من التجار إلا بالريال اليمني لتغطية احتياجات الاستيراد الخاصة بهم.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تدفع كثيرا من التجار الذين يكتنزون
الريال اليمني إلى إخراجه وإعادته إلى التداول داخل الجهاز المصرفي، بما يسهم في تحسين مستوى السيولة المتداولة وتعزيز الاستقرار النقدي.
ما الدلالات الاقتصادية والسياسية لإقرار موازنة عامة لعام 2026 بعد انقطاع دام أربع سنوات؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على ثقة الأسواق والمؤسسات الدولية؟
يمكن القول إن إقرار الموازنة بعد أربع سنوات من توقفها يُمثل إعادة إدخال المالية العامة في إطار مؤسسي، ويُعد مرجعية أساسية للإنفاق والإيرادات، وأعتقد أن هذه الخطوة الهامة تُشكّل عنصرا مهما لاستعادة الانضباط المالي وتحسين إدارة الالتزامات.
كما يمكن قراءة هذه الخطوة سياسيا على أنها تعكس توجّه الحكومة نحو الانتقال من إدارة الطوارئ إلى إدارة البرامج، وهو ما أُعلن بشكل واضح من خلال إعطاء أولوية لكبح التضخم وانتظام دفع الأجور والمرتبات.
وبرأيي، إذا رافق إعلان الموازنة العامة إصدار تقارير شفافة، والالتزام بالسقوف المحددة، ووضوح الآليات التنفيذية بشكل صريح، فإن هذه الموازنة ستكون موازنة فاعلة وليست مجرد موازنة شكلية على الورق، وهو ما يتسق مع الموجهات التي أكدها فخامة الرئيس للحكومة خلال اجتماعه الأول معها.
كيف يمكن توصيف "الموازنة الواقعية" التي تحدثت عنها الحكومة؟ وما مدى قدرتها على التوفيق بين محدودية الموارد وتزايد الالتزامات المالية؟
الموازنة الواقعية في السياق اليمني تعني موازنة مبنية على موارد قابلة للتحقق، لا على تقديرات متفائلة، مع ترتيب واضح للأولويات يتمثل في الرواتب، والخدمات الأساسية، وتشغيل الحد الأدنى من الاحتياجات التي تحتاجها الدولة. وفي المقابل، يفترض ذلك تقليص النزيف أو الاستنزاف، وضبط بنود الإنفاق غير المنتجة، وإغلاق منافذ الفساد والهدر.
وهذا يتطلب تفعيل المؤسسات الرقابية، وعلى رأسها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وتعزيز دورها الرقابي بشكل فعّال. كما أن قدرة الموازنة على تحقيق التوازن والتوفيق بين الالتزامات تعتمد على عنصرين أساسيين: أولا، القدرة على تحصيل موارد فعلية؛ وثانيا، ضمان توريد جميع الإيرادات إلى البنك المركزي، لا سيما أن جزءا كبيرا من إيرادات الدولة يخرج خارج إطار البنك المركزي.
وتشير تقديرات إلى أن ما يقارب 600 مليار ريال كانت تذهب خارج إطار الخزينة العامة للدولة، ما بين تهرب ضريبي وجمركي، وإعفاءات جمركية خارج الإطار النظامي والقانوني تُمنح من قِبل بعض رؤساء السلطات المحلية، خاصة في مواقع المنافذ البرية، إضافة إلى كشوفات وهمية للمرتبات وغيرها من الممارسات. كما أن هناك منافذ متعددة أدت إلى ذهاب جزء كبير من الإيرادات إلى حسابات خاصة بدلا من القنوات الرسمية.
وعليه، فإن القدرة على تحصيل هذه الموارد، والانضباط في صرفها، وربط الإنفاق بأولويات محددة وواضحة، هو ما يجعل هذه الموازنة موازنة واقعية وفعّالة، وليست مجرد موازنة شكلية على الورق.
إلى أي حد يعكس إعداد برنامج حكومي تنفيذي بمؤشرات أداء واضحة تحوّلا في منهج إدارة الاقتصاد العام؟ وهل تمتلك المؤسسات القدرة الفعلية على تنفيذ هذه المؤشرات؟
فيما يتعلق بوجود برنامج حكومي تنفيذي قائم على مؤشرات الأداء، فإنه يُعد بلا شك تحولا منهجيا مهما؛ فوجود برنامج تنفيذي بمؤشرات أداء واضحة يعني الانتقال من الطابع الخطابي إلى نهج قائم على القياس والنتائج. وبصفتنا مستشارين اقتصاديين في مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية، يمكن القول إن هذا التحوّل المنهجي قد طُرح بهدف نقل إدارة المؤشرات الاقتصادية من مجرد خطاب سياسي إلى إدارة قائمة على النتائج الفعلية.
وقد أشار دولة رئيس الوزراء إلى وجود برنامج تنفيذي يمتد حتى نهاية عام 2026، يتضمن أولويات محددة، ومؤشرات أداء، ومسؤوليات واضحة، وموارد مخصصة، إلا أن القدرة الفعلية على تحقيق هذه الأهداف ستُحسم بتوافر ثلاثة شروط رئيسية.
أول هذه الشروط هو وجود وحدة مركزية للمتابعة والتقييم تُشرف عليها الحكومة بشكل مباشر، بما يضمن المتابعة المستمرة لمستوى التنفيذ.
أما الشرط الثاني فيتمثل في توافر بيانات تشغيلية موثقة ودقيقة، توضح بصورة منتظمة الإيرادات، والإنفاق، والرواتب، والأسعار، بما يسمح ببناء قاعدة معلومات موثوقة لصنع القرار. ويأتي الشرط الثالث في صورة امتلاك لوحة مؤشرات أداء واضحة يمكن من خلالها قياس ومتابعة التقدم في تنفيذ الأهداف بشكل دوري.
كما أن نجاح البرنامج التنفيذي يتطلب منح صلاحيات تنفيذية واسعة على الأرض، إلى جانب تحييد أي قوى نفوذ قد تعيق مسار الإصلاح، وإلغاء الأدوار التي تعرقل تنفيذ السياسات الاقتصادية؛ فبدون توافر هذه الشروط، ستظل مؤشرات الأداء مجرد إطار إداري شكلي لا ينعكس على الواقع.
ومع ذلك، يمكن القول إن الفرصة اليوم تبدو متاحة أكثر من أي وقت مضى لتنفيذ مثل هذه الإصلاحات الاقتصادية، خاصة في ظل تراجع تأثير بعض قوى النفوذ التي طالما شكّلت عائقا أمام انطلاق مسار الإصلاح الاقتصادي واستدامته.
ما الأدوات التي تعتزم الحكومة استخدامها لكبح التضخم واحتواء تآكل القوة الشرائية في ظل هشاشة العملة الوطنية وتراجع الإيرادات؟
لدينا مسارات متوازية يجب العمل عليها لاحتواء التضخم وكبح جماحه. في مقدمة هذه المسارات استمرار إدارة سوق الصرف للحد من التذبذب والمضاربة، وهو الدور الذي تقوم به لجنة تنظيم وتمويل الواردات، حيث أسهمت بشكل مهم في تنظيم التمويل المرتبط بالاستيراد والحد من الاختلالات في سوق النقد الأجنبي. كما أن استمرار المراقبة عبر تعزيز الامتثال المصرفي وضبط عمليات التحويلات يظل عاملا أساسيا في الحفاظ على الاستقرار النقدي.
إلى جانب ذلك، يبقى الانضباط المالي عنصرا محوريا، كما كان عليه الحال في السنوات الأخيرة، من خلال تقليل التمويل التضخمي غير المباشر، والحد من السحب على المكشوف، وترشيد الإنفاق العام بما ينسجم مع الموارد المتاحة.
ومن الضروري أيضا تفعيل الرقابة على الأسعار، بحيث ينعكس أي تحسن في سعر الصرف بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات. وهنا يقع على عاتق وزارة الصناعة والسلطات المحلية مسؤولية ضمان انتقال أثر تحسن سعر الصرف إلى السوق، حتى لا يتحول هذا التحسن إلى أرباح احتكارية يستفيد منها بعض التجار، ورغم أن هذا التوجه حاضر في الخطاب الحكومي، إلا أن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمته إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
كما أن تأمين سلاسل الإمداد سيؤدي دون شك إلى خفض تكلفة الاستيراد، عبر ترتيبات تمويل واضحة ومنضبطة، وهو ما يندرج ضمن الدور المحوري الذي تضطلع به لجنة تنظيم وتمويل الواردات.
وبصورة مبسطة، كلما ارتفعت كفاءة تحصيل الإيرادات العامة، وتعززت الإرادة السيادية في إدارة الموارد، وتم تقليص خروج النقد الأجنبي إلى الخارج من خلال خفض فاتورة الإنفاق ووقف استيراد السلع الكمالية، تراجع الضغط على سعر الصرف.
وفي هذا السياق، فإن إعادة تشغيل مصفاة حضرموت ومصفاة عدن لتكرير النفط محليا من شأنها الإسهام في تلبية جزء من احتياجات السوق المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد؛ إذ إن فاتورة الاستيراد في اليمن مرتفعة، وتتراوح ما بين 11 و14 مليار دولار سنويا، في حين أن المتاح من النقد الأجنبي يقدّر بنحو 8 إلى 9 مليارات دولار، ما يخلق فجوة تمويلية تتراوح بين 4 و4.5 مليارات دولار، تُشكّل ضغطا مباشرا على سعر الصرف. ومن ثم، تبرز الحاجة الملحّة إلى استئناف صادرات النفط والغاز، بالتوازي مع استمرار حشد الجهود وتكثيف الدعم الدولي لدعم الاستقرار الاقتصادي والنقدي.
كيف سيؤثر انتظام صرف مرتبات موظفي الدولة على الدورة الاقتصادية المحلية؟ وهل يُمثل ذلك مدخلا لتحفيز الطلب وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي؟
يتعلق انتظام صرف الرواتب بأثرين أساسيين؛ أولهما أثر اجتماعي يتمثل في تعزيز الاستقرار؛ إذ يسهم انتظام الرواتب في تهدئة صدمات الطلب ويحدّ من مظاهر الانكماش المعيشي. أما الأثر الثاني فهو اقتصادي، حيث يؤدي إلى تنشيط الدورة الاقتصادية من خلال رفع مستوى الطلب المحلي وتحريك الأسواق.
ومع ذلك، يجب الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أن انتظام صرف الرواتب قد يتحول إلى عامل ضغط تضخمي إذا لم يتزامن مع استقرار في أسعار الصرف، وتوافر السلع والإمدادات، ووجود رقابة سوقية فعّالة تضمن انعكاس أي تحسن في سعر الصرف على أسعار السلع والخدمات.
وعليه، يمكن القول إن انتظام صرف الرواتب يُعد مدخلا مهما لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لكنه لا يُمثل علاجا كاملا بحد ذاته، ما لم يأت ضمن إطار مالي ونقدي منضبط يوازن بين السيولة، واستقرار الأسعار، وكفاءة إدارة السوق.
ما انعكاسات فرض الحكومة سيادتها على المناطق المحررة على إدارة الموارد العامة وتعزيز الانضباط المالي والإداري؟
في المناطق المحررة، كلما توسعت سيادة الدولة على الأرض وتعزّز حضور مؤسساتها، أدى ذلك إلى توحيد عملية تحصيل الإيرادات وتقليل الجبايات غير القانونية. كما يسهم هذا الحضور في تحقيق قدر أكبر من الانضباط الإداري، ووضوح سلاسل اتخاذ القرار، وسهولة الرقابة والمتابعة.
وكل ذلك ينعكس إيجابا على تفعيل السياسة المالية، لأن الإيرادات حينها تدخل في قنواتها الرسمية بعيدا عن حالة التشظي والتسرب المالي، غير أن تحقيق هذا المسار يظل مرهونا بشكل كبير بإلغاء مراكز النفوذ وتضارب الصلاحيات داخل المناطق نفسها، بما يضمن وحدة القرار المالي والإداري.
ومن هنا، نؤكد على ضرورة تنفيذ القرار رقم 11 الخاص بالإصلاحات الاقتصادية بكامل مضامينه، لما يشكله من إطار عملي لإعادة ضبط الإدارة المالية، وتعزيز الانضباط المؤسسي، وتوجيه الإيرادات نحو القنوات الرسمية للدولة.
ما السيناريوهات الاقتصادية المحتملة لليمن خلال السنوات الخمس المقبلة؟ وما العوامل الحاسمة التي قد تحدد مسار التعافي أو استمرار التدهور؟
لدينا ثلاثة سيناريوهات محتملة للخمس السنوات القادمة. السيناريو الأرجح هو سيناريو التحسن التدريجي، لا سيما في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، مدفوعا بالدعم الإقليمي، وتنفيذ إصلاحات أوسع لتحسين الإيرادات، وانتظام صرف الرواتب، ودعم مسار البنية التحتية، إلى جانب استقرار نسبي في سعر الصرف وتباطؤ وتيرة التضخم، ومن شأن هذا المسار أن يعكس صورة إيجابية للوضع العام داخل مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، بالتوازي مع مسار سياسي أو عسكري قد يسهم في إنهاء حالة الانقسام التي فرضتها ميليشيا الحوثي، سواء عبر الوسائل الدبلوماسية أو العسكرية.
أما السيناريو الثاني فهو سيناريو التذبذب، ويتمثل في حدوث تهدئة قصيرة نسبيا، مع استمرار المعارك الجانبية وتدخل قوى إقليمية لا ترغب في استقرار كامل للوضع، ما قد يُدخل الاقتصاد في حالة تذبذب مزمن ويحدّ من فرص التعافي المستدام، ورغم أن هذا السيناريو يظل واردا، فإنه ليس المسار المفضل.
في المقابل، يبرز السيناريو الثالث بوصفه الأسوأ، ويتمثل في تعثر مسار الإصلاحات وحدوث تصعيد سياسي وأمني على المستوى الداخلي، سواء داخل معسكر الشرعية نفسه أو في المواجهة مع ميليشيا الحوثي، الأمر الذي قد يقود إلى تدهور اقتصادي أعمق وتراجع مؤشرات الاستقرار.
ومع ذلك، فإن مجمل المؤشرات الراهنة ترجّح السير في اتجاه سيناريو التحسن التدريجي، إذا ما استمرت الإصلاحات، وتعزز الدعم الإقليمي والدولي، وتم الحفاظ على قدر من الاستقرار السياسي والأمني.