أوكسفام لـ"عربي21": تراجع دعم اللاجئين بجنوب السودان يهدد مستقبل جيل كامل

المنظمة خفضت قدرتها الشهرية من خدمة 10 آلاف شخص إلى 300–400 فقط- جيتي
حذّرت مديرة منظمة أوكسفام في دولة جنوب السودان، شبنم بلوش، من أن "تراجع الدعم الإنساني للاجئين في جنوب السودان ستكون له تداعيات كارثية على مستقبل جيل كامل، خاصة الأطفال والشباب والنساء، في ظل تفشي معدلات الجوع الحاد والأمراض وتعطل التعليم وارتفاع معدلات البطالة وتزايد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي"، مؤكدة أن "العالم مُطالب بتحرك عاجل قبل أن تتحول الأزمة إلى انهيار إنساني شامل".

وفي مقابلة خاصة مع "عربي21"، أضافت: "نحن اليوم نواجه واقعا مؤلما وقاسيا يفرض علينا تقليص استجابتنا الإنسانية رغم اتساع حجم الاحتياجات الهائلة، وكأن العالم يدير ظهره لأولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الدعم، في لحظة تتوقف فيها حياتهم على استمرار هذه المساعدات"، لافتة إلى أن "معظم المنظمات اضطرت إلى تقليص عملياتها، والمجتمعات المضيفة تعاني أصلا في تلبية احتياجاتها الأساسية، والآن هناك المزيد من اللاجئين".

وأشارت مديرة منظمة أوكسفام في جنوب السودان، إلى أن البلاد تواجه تدفقا غير مسبوق من الفارّين من النزاع في السودان، موضحة أن نحو 1.3 مليون لاجئ وعائد وصلوا حتى الآن، بينهم أكثر من 600 ألف لاجئ سوداني، مع توقعات بوصول مئات الآلاف الإضافيين بحلول نهاية عام 2026، ما يفاقم الضغط على الخدمات الهشّة أصلا.

وشدّدت بلوش على أن "الاحتياجات الإنسانية بلغت مستويات حرجة جدا؛ إذ يعاني 7.5 ملايين شخص من الجوع الحاد، بينما تشير التقديرات إلى تفاقم الأزمة خلال موسم الجفاف المقبل، مع تهديد مباشر لحياة ملايين الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات، في ظل نقص الغذاء والرعاية الصحية والمياه النظيفة".

وتاليا نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

بدايةً، هل لديكم أرقام مُحدّثة بشأن أعداد اللاجئين في جمهورية جنوب السودان؟


تتزايد أعداد اللاجئين والعائدين يوميا مع استمرار النزاع في السودان، الذي يدفع مزيدا من السكان إلى النزوح. حاليا، فرّ نحو 1.3 مليون لاجئ وعائد من السودان إلى جنوب السودان، ويشمل هذا الرقم 601,814 لاجئا سودانيا (حتى نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2025)، بينما يمثّل الباقون مواطنين من جنوب السودان كانوا قد انتقلوا إلى السودان قبل سنوات طويلة ويعودون الآن إلى بلادهم. ومن المتوقع وصول 380 ألف شخص إضافي بحلول نهاية عام 2026، وبالتالي ما نشهده هو تصاعد مستمر في الأعداد، ما سيزيد الضغط على الموارد الإنسانية المحدودة أصلا وعلى الخدمات الأساسية، فضلا عن أن جنوب السودان تعاني أيضا من صراعاتها الداخلية.

ما أبرز الاحتياجات الإنسانية الملحّة التي يواجهها اللاجئون في جنوب السودان؟

تتمثل الاحتياجات الأكثر إلحاحا في الغذاء، والحصول على مياه آمنة ونظيفة، ومرافق صرف صحي آمنة تحفظ الكرامة، إلى جانب الرعاية الصحية وخدمات الحماية. ومع استمرار النزاع في السودان وتجدد أعمال العنف في جنوب السودان، تصاعدت الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.


لقد بلغ انعدام الأمن الغذائي مستويات حرجة جدا؛ حيث يعاني 7.5 ملايين شخص من الجوع الحاد، وتشير أحدث توقعات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) إلى أن الأوضاع مرشحة للتدهور بصورة كبيرة؛ إذ يُتوقع أن يواجه 7.55 ملايين شخص مرحلة الأزمة (أي المرحلة الثالثة من التصنيف الأممي) أو أسوأ منها خلال ذروة موسم الجفاف لعام 2026 (من نيسان/ أبريل إلى تموز/ يوليو). وخلال الفترة نفسها، سيحتاج نحو 2.11 مليون طفل دون سن الخامسة، إضافة إلى 1.15 مليون امرأة حامل ومرضع، إلى علاج منقذ للحياة بسبب سوء التغذية الحاد.

كيف تحدد منظمة "أوكسفام" أولويات استجابتها الإنسانية؟

تحدد "أوكسفام" أولويات استجابتها من خلال المشاركة المنتظمة في تقييمات الاحتياجات المشتركة، بالتنسيق مع شركاء محليين ودوليين. وتساعد هذه العملية على تحديد الاحتياجات الأكثر إلحاحا لدى السكان المتضررين، وضمان أن تكون التدخلات موجهة بدقة ومتسقة مع خطة الاستجابة الإنسانية الأوسع نطاقا.

ما حجم الدعم الذي تقدمه "أوكسفام" للاجئين في جنوب السودان مقارنة بحجم الاحتياجات الفعلية على الأرض؟

تعمل "أوكسفام" في جنوب السودان منذ حصول البلاد على استقلالها عام 2011، وتواصل تعاونها الوثيق مع شركاء محليين لدعم التعليم، وتعزيز سبل العيش الزراعية، ومساندة الناجين من العنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي، وتعزيز حقوق النساء.

وتجدر الإشارة إلى أن "أوكسفام" تدعم اللاجئين القادمين من السودان عبر استجابتها في مقاطعة رينك، رغم وجود مخيمات للاجئين في مقاطعتي مابان وأجونغوك حيث لا تنفذ المنظمة عمليات مباشرة.

وفي مقاطعة رينك - إحدى نقاط الدخول الرئيسية للاجئين والعائدين - قدّمت "أوكسفام" دعما لأكثر من 400 ألف شخص عبر توفير إمدادات إنسانية عاجلة تشمل المياه النظيفة، ومستلزمات النظافة، والمساعدات النقدية، وخدمات الحماية.

ومع ذلك، فإن حجم الاحتياجات يفوق بكثير مستوى الدعم الحالي؛ إذ لا تغطي تدخلات "أوكسفام" في رينك سوى نسبة محدودة من إجمالي اللاجئين والعائدين المحتاجين في البلاد، فيما تظل الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة كبيرة.
هل توجد فجوات تمويلية كبيرة تؤثر على الاستجابة الإنسانية؟

نعم، توجد فجوات تمويلية كبيرة تعيق توفير الخدمات الأساسية في المناطق المستضيفة للاجئين، ليس فقط بالنسبة إلى "أوكسفام" في جنوب السودان، بل أيضا بالنسبة إلى منظمات أخرى. وحتى نهاية عام 2025، دعمت "أوكسفام" إنشاء وتأهيل مرافق الصرف الصحي، وتركيب نقاط مياه، وتنفيذ حملات توعية بالنظافة، وتقديم مساعدات نقدية للاجئين والعائدين الذين يعبرون إلى جنوب السودان قرب رينك.

لكن بسبب التخفيضات الكبيرة في التمويل، اضطرت "أوكسفام" إلى تقليص استجابتها، رغم استمرارها في العمل، فيما تظل الاحتياجات أعلى بكثير، وتُعد هذه التخفيضات كارثية لملايين الأشخاص الذين يواجهون أصلا الجوع الحاد، وتفشي الأمراض، والنزوح.


وعلى سبيل المثال، "أوكسفام" كانت قادرة في السابق على توفير منشآت المياه والصرف الصحي والخدمات لنحو 10 آلاف شخص شهريا، لكن في الأشهر الماضية أصبحنا قادرين على تقديم الخدمات نفسها لعدد يتراوح بين 300 و400 شخص فقط، وهذا يوضح حجم الفجوة الناتجة عن اقتطاعات التمويل. لذلك، نرجو من المجتمع الدولي أن يُظهر بعض التضامن مع هؤلاء اللاجئين والمجتمعات المضيفة؛ فالعالم مُطالب بتحرك عاجل قبل أن تتحول الأزمة إلى انهيار إنساني شامل.

كيف تنسق "أوكسفام" جهودها مع الأمم المتحدة والمنظمات الوطنية والدولية الأخرى لضمان فعالية الاستجابة؟

نعمل ضمن أطر تنسيقية مشتركة مع منظمات أخرى، حيث تشارك "أوكسفام" بفاعلية في منصات التنسيق الخاصة بقطاعات المياه والإصحاح، والحماية، والتعليم، وسبل العيش. ويساعد ذلك على تجنب الازدواجية، وتبادل المعلومات، وضمان تكامل الجهود.

هل توجد تحديات ملحوظة في التنسيق بينكم؟

كانت هناك تحديات في السابق، غير أن المنظمات حققت تقدما ملحوظا في تعزيز التنسيق، استنادا إلى خطط استجابة موحدة، وتعزيز الدور الفني لمجموعات العمل القطاعية، وتبني استجابات قائمة على الأدلة ومتسقة مع الأطر التوجيهية المشتركة؛ فعلى سبيل المثال، يتم تنسيق استهداف المساعدات النقدية متعددة الأغراض من خلال مجموعة العمل المعنية بالنقد بقيادة برنامج الأغذية العالمي، بما يضمن اعتماد معايير موحدة لتحديد المستفيدين، وتحليلا منسقا للهشاشة، وسجلات مشتركة، ما يقلل بدرجة كبيرة من مخاطر الازدواجية، خصوصا احتمال تلقي الأسرة الواحدة مساعدات نقدية من أكثر من جهة.

ما تداعيات تراجع الدعم الإنساني على اللاجئين من جنوب السودان في السودان؟

إن خفض المساعدات يُمثل كارثة لملايين الأشخاص الذين يكافحون أصلا في مواجهة الجوع الحاد والأمراض. ونحن اليوم نواجه واقعا مؤلما وقاسيا يفرض علينا تقليص استجابتنا الإنسانية رغم اتساع حجم الاحتياجات الهائلة، وكأن العالم يدير ظهره لأولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الدعم، في لحظة تتوقف فيها حياتهم على استمرار هذه المساعدات.

لسوء الحظ، فإن مقدار الدعم ينخفض بشكل مستمر، وهذا يقيّد قدرتنا على الاستجابة، ومعظم المنظمات اضطرت إلى تقليص عملياتها، والمجتمعات المضيفة تعاني أصلا في تلبية احتياجاتها الأساسية، والآن هناك المزيد من اللاجئين.

هل لديكم تقديرات بشأن تأثير النزاع المطول في السودان على المستقبل الاجتماعي والاقتصادي للاجئين من جنوب السودان لا سيما الأطفال والشباب؟

من الصعب تقديم تقديرات دقيقة، غير أن النزاع المطول في السودان يخلّف بالفعل آثارا اجتماعية واقتصادية عميقة، خصوصا على الأطفال والشباب؛ فقد تعطّل التعليم بشدة، إذ تعرّض كثير من الأطفال لنزوح متكرر أجبرهم على الانقطاع عن الدراسة لفترات طويلة. ومن دون ضمان الوصول المستدام إلى تعليم جيد، فإن جيلا كاملا مُهدّد بالتأخر، ما يحدّ من فرص العمل مستقبلا ويزيد من مخاطر الاستغلال، والزواج المبكر، والتجنيد في الجماعات المسلحة.

كما أن فرص كسب العيش محدودة للغاية؛ حيث يواجه الشباب معدلات بطالة مرتفعة، ونقصا في فرص اكتساب المهارات، وصعوبة في الوصول إلى الأراضي أو الأنشطة المدرة للدخل، ما يعمّق الفقر، ويزيد الإحباط، ويرفع مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي وتجدد النزاع.


ما أبرز التحديات التي تواجهها النساء والفتيات بين اللاجئين من جنوب السودان في مجالات الحماية الصحية والتعليم ومنع العنف القائم على النوع الاجتماعي؟

تواجه النساء والفتيات مخاطر متزايدة في جميع هذه المجالات؛ فالوصول إلى خدمات الرعاية الصحية للأمومة والصحة الإنجابية محدود، كما تفتقر كثيرات إلى مستلزمات النظافة الشخصية الأساسية. لقد رأينا حالات سوء تغذية حاد، ورأينا نساء حوامل يعشن في ظروف قاسية مع رضع وأطفال صغار، في ظل محدودية شديدة في المساعدات والخدمات الإنسانية المتاحة، مما يزيد من ضعفهم وهشاشتهم.

كما أن النزوح يزيد من احتمالات تعرّض النساء والفتيات للعنف القائم على النوع الاجتماعي، لا سيما في مواقع الإقامة المكتظة أو أثناء جمع المياه والحطب، فيما يؤدي نقص التمويل إلى إضعاف قدرة الناجيات على الوصول إلى الرعاية والدعم. كما ترتفع معدلات تسرب الفتيات من التعليم بسبب الفقر، والزواج المبكر، وأعباء الرعاية الأسرية، ومخاوف تتعلق بالأمان.