شهدت
الحدود بين
باكستان وأفغانستان تصعيدا حادا خلال مساء الخميس صباح الجمعة٬ حيث تبادلت القوات على الجانبين القصف المدفعي ونيران الهاون، فيما أعلن وزير الدفاع الباكستاني أن بلاده تخوض "حربا مفتوحة" ضد جارتها التي تسيطر عليها حركة
طالبان.
ويأتي هذا التصعيد في إطار صراع متقطع طويل الأمد، يمثل حلقة جديدة في سلسلة التوترات بين البلدين، ويضع الجيش الباكستاني المجهز جيدًا والممول نوويا، في مواجهة مقاتلي طالبان المتمرسين، الذين يمتلكون خبرة قتالية طويلة ومهارات حرب العصابات المتطورة، بما في ذلك انتصارهم على القوات الأمريكية وقوات الناتو عام 2021 بعد سنوات من المقاومة المسلحة على مختلف الأنظمة في أفغانستان. وفق وكالة "رويترز".
القوة العسكرية والتصنيف الدولي
تصنف باكستان ضمن أقوى الجيوش في آسيا، وغالبا تظهر ضمن أفضل 10–15 جيشا عالميا وفق مؤشر "
Global Firepower"، مستندة إلى قاعدة عسكرية واسعة وتجهيزات متقدمة تشمل البر والجو والبحر.
يتمتع الجيش الباكستاني بقدرة فائقة على الاحتفاظ بالجنود وتجهيزهم، مدعوما ببرامج حديثة لتطوير الأسلحة التقليدية والنووية على حد سواء، مع اعتماد كبير على شريكها الدفاعي الأساسي، الصين، لتحديث معداتها وإنتاج بعض الأنظمة محليا.
في المقابل، تصنف أفغانستان ضمن الدول ذات القدرة العسكرية المحدودة نسبيا، وتعتمد على حركة طالبان كمؤسسة عسكرية موحدة، دون دعم دولي واسع أو تحديث مستمر لقواتها.
الفارق في الموارد البشرية والمادية بين الطرفين يجعل التوازن العسكري في صالح باكستان بشكل واضح، رغم خبرة طالبان في تكتيكات حرب العصابات.
القوة البشرية
تمتلك باكستان نحو 660 ألف جندي نشط، بينهم 560 ألفا في الجيش، و70 ألفا في القوات الجوية، و30 ألفا في البحرية، مدعومين بوحدات شبه عسكرية تصل إلى نحو 300 ألف فرد.
وتعتمد باكستان على قاعدة سكانية كبيرة تتجاوز 240 مليون نسمة، ما يمنحها القدرة على تعبئة قوات الاحتياط وتدريبها وتجهيزها بالأسلحة والمعدات الحديثة، بما يضمن استمرار التفوق العسكري على المدى الطويل.
أما أفغانستان، فتقدر قوة الجيش التابع لحركة طالبان بنحو 172 ألف مقاتل، مع خطط لزيادة العدد إلى 200 ألف، فيما تظل قواتها شبه العسكرية محدودة وغير منظمة بدرجة كبيرة، ويفتقر هيكلها العسكري إلى التنظيم الواسع والمنضبط مثل الحرس الوطني الباكستاني. كما أن ضعف الدعم الدولي وغياب التمويل المستدام يعوق تطوير التدريب والقدرات العملياتية لقوات طالبان.
القوات البرية والمعدات
تتمتع باكستان بأسطول بري متقدم يشمل أكثر من 2,600 دبابة قتالية حديثة، منها دبابات أل زاري المطورة محليا، ودبابات T‑80 الروسية، بالإضافة إلى مدرعات صينية وباكستانية محلية.
كما تضم القوات البرية أكثر من 17 ألف و500 مركبة قتالية مدرعة، تشمل ناقلات الجنود المدرعة ومركبات القتال المشترك، إضافة إلى 3–4 آلاف قطعة مدفعية متقدمة، تشمل هاوتزر وراجمات صواريخ وأنظمة دفاع جوي متعددة المصادر.
أما أفغانستان، فتعتمد على دبابات قديمة من الحقبة السوفيتية، وحوالي 5 الاف و200 مركبة مدرعة، إضافة إلى مدفعية محدودة وعدد غير معروف من الهاوتزر، ما يوضح الفجوة الكبيرة بين القوات البرية للجيشين. ويظل نقص التحديث المستمر وعدم القدرة على صيانة المعدات القديمة عقبة كبرى أمام قوة طالبان التقليدية.
القوات الجوية
تمتلك باكستان أسطولا جويا متقدما يضم أكثر من 460 طائرة مقاتلة ومتعددة المهام، منها مقاتلات JF‑17 Thunder المشغلة بالتعاون مع الصين، وطائرات "أف35" الأمريكية، بالإضافة إلى مقاتلات ميراج III/V الفرنسية. ويشمل الأسطول أكثر من 260 مروحية هجومية ونقلية، بما فيها مروحيات AH-1 كوبرا ومروحيات نقل ودعم قتالي، إلى جانب طائرات إنذار مبكر وطائرات لتزود بالوقود، ما يجعل القوة الجوية الباكستانية عنصرا حاسما في التفوق العسكري الإقليمي.
على النقيض، لا تمتلك أفغانستان قوة جوية فعلية، وتعتمد على عدد محدود من الطائرات والمروحيات القديمة، معظمها يعود للحقبة السوفيتية أو كان مهداة، مع صعوبة تقدير عدد الطائرات الصالحة للطيران. هذا النقص يمنح باكستان تفوقا جويا حاسما في أي مواجهة مستقبلية على الحدود.
القوات البحرية
تمتلك باكستان أسطولا بحريا يضم أكثر من 120 قطعة بحرية، تشمل فرقاطات وسفن دوريات وغواصات حديثة، ما يمنحها تفوقا استراتيجيا في بحر العرب ومجالا للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية.
بينما تفتقر أفغانستان لأي قوة بحرية فعلية، نظرا لغياب البحر عن حدودها، ولا يمكن اعتبارها قوة بحرية سوى في بعض المجاري المائية الداخلية المحدودة، ما يضاعف الفارق بين الطرفين في النطاق البحري والاستراتيجي.
الترسانة النووية
تمتلك باكستان نحو 170 رأسا نوويا، بالإضافة إلى صواريخ بالستية قصيرة ومتوسطة المدى، ما يجعلها قوة نووية إقليمية قوية قادرة على ردع أي تهديد محتمل.
في المقابل، لا تمتلك أفغانستان أي أسلحة نووية أو صواريخ استراتيجية، ما يزيد من التفاوت العسكري والردعي بين الجيشين، ويجعل أي مواجهة مفتوحة في نطاق السيطرة الباكستانية النووية أكثر حساسية على المستوى الدولي.
القوة الاقتصادية والموارد
يمثل الاقتصاد الباكستاني عامل قوة إضافيا، بحجم أكبر بكثير من الاقتصاد الأفغاني، ما يتيح لها ميزانية دفاعية سنوية تتجاوز 7 مليارات دولار، مقابل نحو 290 مليون دولار فقط لأفغانستان، مع اعتماد الاقتصاد الأفغاني بشكل كبير على المساعدات الدولية.
كما تمتلك باكستان بنية تحتية أفضل تشمل شبكات طرق وسكك حديد وموانئ استراتيجية، بينما تظل أفغانستان محدودة الموارد، وتعتمد على الزراعة والمعادن دون قاعدة صناعية أو عسكرية متطورة.
التكتيكات والخبرة القتالية لطالبان
رغم الفجوة الكبيرة في المعدات والقوة البشرية، تظل تكتيكات حرب العصابات التي يتبعها مقاتلو طالبان سمة مميزة لهويتهم العسكرية، حيث اعتمدوا على أساليب التمويه، الهجمات المفاجئة، والاستغلال الذكي للتضاريس الجبلية الوعرة، مما يجعلهم خصوما صعب التقدير في مناطق النزاع غير المتكافئ.
كما صقلت عقود من النزاع وخبرات القتال ضد القوات الأمريكية والناتو حنكة طالبان في التخطيط العملياتي والقدرة على البقاء في مواجهة قوة تقليدية كبيرة.
تاريخ متأزم مفاوضات فاشلة
تاريخ الصراع بين باكستان وأفغانستان طويل، ويعود إلى عقود من التوترات الحدودية، دعم الميليشيات، والنزاعات العرقية والسياسية، مع تأثير كبير للصراع الداخلي في أفغانستان على الأمن الإقليمي.
الجيش الباكستاني، الذي رسخ هيمنته على السياسة الداخلية عبر الانقلابات العسكرية والتعديلات الدستورية، يعتمد على ترسانة حديثة من المعدات التقليدية والنووية، ما يعزز قدرته على حماية حدود البلاد والمصالح الاستراتيجية في جنوب آسيا.
أما طالبان، فتمثل القوة الوحيدة المنظمة في أفغانستان، لكنها تواجه تحديات كبيرة تشمل ضعف التمويل، افتقار الدعم الدولي، ونقص البنية التحتية العسكرية الحديثة، رغم الخبرة العالية في تكتيكات حرب العصابات والقدرة على التكيف مع ظروف النزاع غير المتكافئ.