عاد إقليم
بلوشستان، جنوب غربي
باكستان، إلى واجهة المشهد الأمني والسياسي، عقب موجة هجمات منسقة نفذتها جماعة تطلق على نفسها "جيش
تحرير بلوشستان"، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين وقوات الأمن، مقابل مقتل أعداد كبيرة من المسلحين، في واحدة من أكثر المواجهات دموية منذ سنوات، ما أثار تساؤلات واسعة حول قدرة الدولة على احتواء التمرد المتصاعد في الإقليم المضطرب.
قال رئيس حكومة إقليم بلوشستان، سرفراز بوجتي، الأحد، إن قوات الأمن الباكستانية قتلت 145 مسلحا خلال 40 ساعة، عقب هجمات منسقة وقعت في مناطق متفرقة من الإقليم.
وأوضح بوجتي، في مؤتمر صحفي عقده بمدينة كويتا، أن العدد يشمل مسلحين قتلوا في غارات نفذت يومي الجمعة والسبت الماضيين، إضافة إلى آخرين لقوا حتفهم خلال عمليات التمشيط الجارية.
وأضاف أن 17 عنصرا من قوات إنفاذ القانون و31 مدنيا قتلوا خلال الهجمات، فيما كان الجيش الباكستاني قد أعلن، في بيان سابق، مقتل 92 مسلحا، إضافة إلى 18 مدنيا و15 عنصرا أمنيا، قبل أن تتضح الحصيلة النهائية.
وبحسب بيان الجيش، اندلعت الهجمات في عدة مناطق مطلع الأسبوع، ما دفع القوات المسلحة إلى التدخل لاحتوائها، مؤكدا أن العمليات الأمنية لا تزال مستمرة لمنع أي اختراق إضافي.
اتهام الهند ورفض نيودلهي
وقال الجيش الباكستاني إن الهجمات نفذها “مسلحون مدعومون من الهند”، في اتهام متكرر في سياق الصراع داخل بلوشستان. غير أن نيودلهي سارعت إلى نفي هذه الاتهامات، ووصفتها بأنها “لا أساس لها”، معتبرة أنها محاولة لصرف الأنظار عن الأزمات الداخلية الباكستانية.
من جانبه، اعتبر وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار أن الهجمات “تهدف إلى تقويض أمن وسلامة الشعب الباكستاني واستقرار الإقليم والبلاد”، فيما توعد وزير الدفاع خواجة آصف، في مؤتمر صحفي بإسلام آباد، بـ“القضاء على المهاجمين”، مؤكدا وجود صلات خارجية داعمة لهم.
“العاصفة السوداء” و”الطوفان الثاني”
في المقابل، أعلنت جماعة “جيش تحرير بلوشستان” الانفصالية المحظورة مسؤوليتها عن الهجمات، وقالت إنها نفذت عملية منسقة أطلقت عليها اسم “هيروف” أو “العاصفة السوداء”، استهدفت قوات الأمن والمنشآت الحكومية في أنحاء الإقليم.
وجاءت هذه الهجمات بعد أيام من تصعيد غير مسبوق شهدته بلوشستان في يوم السبت الماضي، حين تمكن مسلحون من السيطرة لساعات على مقار حكومية، ونهب بنوك، واختطاف مسؤولين، وقتل العشرات، ونصب حواجز أمنية داخل مدن عدة، بما فيها مركز الإقليم كويتا.
وأقرت الحكومة وأجهزة الأمن بأن الانفصاليين شنوا هجوما منسقا على 12 مدينة، مستخدمين أسلحة ثقيلة وعمليات انتحارية، بينها تفجير داخل المنطقة الخضراء التي تضم مؤسسات حكومية وأمنية حساسة، ما أدى إلى مقتل عدد من عناصر الشرطة.
وأطلقت الجماعة على هذا التصعيد اسم “الطوفان الثاني”، في إشارة إلى موجة هجمات سابقة نفذتها العام الماضي، ما يعكس انتقالها إلى مرحلة أكثر جرأة وتنظيما.
إخفاق استخباراتي أم اختراق أمني؟
وأثارت هذه التطورات تساؤلات واسعة داخل باكستان حول مدى جاهزية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، إذ يرى مراقبون أن الهجوم كشف ليس فقط عن تصاعد قدرات الجماعات الانفصالية، بل أيضا عن ضعف استخباراتي واضح، تمثل في قدرة المسلحين على الانتشار بأعداد كبيرة داخل المدن، والوصول إلى مناطق شديدة التحصين.
ورغم ذلك، كان الناطق باسم الجيش الباكستاني، الجنرال أحمد شريف، قد أكد في مؤتمر صحفي الشهر الماضي أن الوضع الأمني في بلوشستان “تحسن كثيرا”، مشيدا بدور حكومة الإقليم، ومؤكدا أن الجيش حقق “نجاحات كبيرة” ضد المسلحين.
إجراءات طوارئ واسعة
وعقب الهجمات الأخيرة، أعلنت السلطات حالة إنذار قصوى في بلوشستان، شملت تشويش الاتصالات الخلوية، وتعليق حركة القطارات، وفرض قيود مشددة على التنقل.
كما انتشرت قوات الشرطة والوحدات شبه العسكرية بكثافة في شوارع كويتا ومدن أخرى، وسط مخاوف السكان من الخروج من منازلهم.
وأكد الجيش، في بيان، أن “المحرضين والمنفذين والميسّرين والمتواطئين مع هذا العمل الجبان سيلاحقون أمام القضاء”، متعهدا بعدم السماح بزعزعة استقرار الإقليم.
جذور الأزمة.. إقليم غني وسكان فقراء
ويعد إقليم بلوشستان أكبر أقاليم باكستان مساحة وأكثرها فقرا، رغم غناه بالموارد الطبيعية، من غاز طبيعي، ونفط، ومعادن مثل النحاس والذهب. ويقطن الإقليم نحو 15 مليون نسمة من أصل 240 مليونا هم سكان باكستان، وفق تعداد 2023.
ورغم أن موارد الإقليم تدر إيرادات ضخمة على الحكومة الفدرالية، فإن نحو 70% من سكانه يعيشون تحت خط الفقر، ويشكون من التهميش السياسي والاقتصادي وغياب التنمية، وهو ما يغذي مشاعر الغضب والاحتقان.
كما يضم الإقليم ميناء غوادر الاستراتيجي، أحد أهم موانئ أعماق البحار في باكستان، وركيزة أساسية في الممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني البالغة كلفته 62 مليار دولار، الذي يهدف إلى ربط جنوب غرب الصين ببحر العرب.
جيش تحرير بلوشستان.. التنظيم والقيادة
ظهر جيش تحرير بلوشستان في أواخر التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، وتصاعد نفوذه بعد عام 2006، عقب مقتل الزعيم القومي البلوشي نواب أكبر بوغتي على يد الجيش الباكستاني في عهد الرئيس السابق برويز مشرف.
ويقود التنظيم حاليا بشير ذيب بلوش، وهو ناشط طلابي سابق من منطقة نوشكي، تولى القيادة بعد مقتل أسلم بلوش عام 2018. ويعتقد أن نائبه حمال ريحان٬ يشرف على عمليات لواء المجيد، الجناح الانتحاري للتنظيم.
ويشير محللون إلى أن انضمام الضابط السابق في الجيش الباكستاني رحمن جول بلوش٬ أسهم في تطوير القدرات القتالية للتنظيم، ونقله من هجمات محدودة إلى عمليات واسعة النطاق، شملت استهداف مصالح صينية وقنصلية بكين في كراتشي، إضافة إلى هجمات انتحارية داخل مؤسسات تعليمية.
تصاعد دموي بلا أفق سياسي
وتشير بيانات منصة “بوابة جنوب آسيا للإرهاب” إلى أن عدد القتلى جراء الهجمات المسلحة في باكستان بلغ 3 الاف و967 شخصا منذ العام الماضي، وهو أعلى رقم منذ عام 2015.
كما قتل أكثر من 1600 شخص خلال عام 2024 وحده، نصفهم تقريبا من الجنود والشرطيين، وفق مركز إسلام آباد للأبحاث والدراسات الأمنية.
وفي ظل استمرار التمرد، وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتبادل الاتهامات الإقليمية، يبقى إقليم بلوشستان واحدا من أعقد التحديات التي تواجه الدولة الباكستانية، مع غياب أي مؤشرات قريبة على تسوية سياسية شاملة تنهي عقوداً من الصراع المفتوح.