"معاريف": صمت نتنياهو الإعلامي في واشنطن قرار استراتيجي لا بروتوكول

اجتماعات مغلقة مع ويتكوف وكوشنر وروبيو قبل لقاء ترامب - جيتي
تحت عنوان "وراء الصمت الإعلامي: تحرك نتنياهو الهادئ ضد ترامب وإيران"، قالت صحيفة "معاريف أون لاين" إن التزام رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بتقليص التغطية الإعلامية خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن لم يكن خيارا بروتوكوليا عابرا، بل قرارا محسوبا في لحظة شديدة الحساسية تتصل بالمفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران.

وبحسب التقرير الذي أعدته آنا بارسكي، فإن الزيارة جرت في صمت شبه كامل، دون مراسم رسمية غير ضرورية، ودون أي محاولة لتقديم "صورة نصر" أمام الكاميرات، في ظل تقديرات بأن أي تصريح علني قد يغلق أبواب التفاوض ويعقّد مسار المحادثات بين واشنطن وطهران.

وأوضحت "معاريف" أن الصمت الإعلامي خدم الزعيمين، لكن لأسباب متباينة؛ إذ سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إبقاء زمام المبادرة بيده، عبر بيان مقتضب عقب الاجتماع أكد فيه رغبته في استنفاد فرص التفاوض مع إيران لمعرفة ما إذا كان بالإمكان الوصول إلى اتفاق، مع الحرص في الوقت نفسه على ترك احتمال الفشل قائما.

ووفق الصحيفة، تعمد ترامب عدم تحديد هدف واضح أو سقف زمني أو تفاصيل ملزمة، بما يمنحه حرية المناورة: مواصلة الحوار، أو تشديد المواقف، أو الانسحاب من المفاوضات في أي لحظة، مع تحميل الإيرانيين مسؤولية الانهيار إذا حدث.

في المقابل، قالت "معاريف" إن نتنياهو لم يأت إلى واشنطن لمجرد متابعة التفاوض أو الضغط لتسريع مساره، بل بهدف أعمق يتمثل في التأثير على هيكل الاتفاق نفسه إذا تم توقيعه، وليس فقط على جدول توقيته.

وأشارت إلى أن سلسلة الاجتماعات التي عقدها نتنياهو لم تكن "زيارة مجاملة"، بل تحركا سياسيا منظما لاستهداف مراكز القوة المحيطة بالرئيس الأمريكي، إذ شملت لقاءات مع ويتكوف وكوشنر مساء، ثم مع وزير الخارجية ماركو روبيو صباحا، قبل الاجتماع المباشر مع ترامب.

واشنطن منقسمة

ونقلت الصحيفة أن الموقف داخل واشنطن ليس موحدا؛ فهناك تيار يرى إمكانية التوصل إلى اتفاق صعب يمنح ترامب إنجازا دبلوماسيا، بينما يحذر آخرون من أن إيران ستستخدم المفاوضات للمماطلة واستغلال الانقسامات داخل الإدارة الأمريكية.

وبحسب التقرير، لا يظهر رئيس الحكومة الإسرائيلية موقفا حاسما داخل هذا الجدل، لكنه يحاول إدخال الرؤية الإسرائيلية إلى النقاش الأمريكي بحيث تبدو "طبيعية" ومقبولة في تقديرات صناع القرار.
جوهر الخلاف:  هل يشمل الاتفاق الصواريخ الباليستية؟

وقالت "معاريف" إن النقاش الأساسي لا يدور حول جدوى التفاوض من عدمه، بل حول حدود الاتفاق وما إذا كان سيقتصر على الملف النووي أم يتوسع ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية.

وأوضحت أن إدراج الصواريخ يعد شرطا أساسيا، إذ ترى إسرائيل أن اتفاقا لا يشملها قد يخلق واقعا تظهر فيه إيران نفسها كمن أوقف تصنيع القنبلة، بينما تواصل في الوقت نفسه بناء قدراتها الصاروخية التي تعتبرها تل أبيب تهديدا مباشرا لها وللقوات الأمريكية في المنطقة.

في المقابل، اعتبرت الصحيفة أن واشنطن تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، إذ تمتلك الولايات المتحدة خبرة طويلة في التعامل مع التهديدات الباليستية عبر الردع وأنظمة الدفاع، وهو ما يفسر التباين بين الطرفين.

طهران ترفض

وعن الموقف الإيراني، قالت "معاريف" إن اعتراض طهران على إدراج الصواريخ لا يقتصر على كونه تكتيكا تفاوضيا، بل لأن منظومة الصواريخ تمثل ركيزة أساسية في الردع الإيراني ومصدر قوة داخلي للحرس الثوري، وإن التخلي عنها قد يخل بتوازن القوى داخل النظام.

وأضافت أن بنية الجمهورية الإسلامية "المجزّأة" ـ بما تضمه من مراكز قوى متعددة وآليات أمنية مستقلة ومصالح اقتصادية ـ تجعل من الصعب تحديد الجهة المسؤولة عن تنفيذ أي التزام، وهو ما يعمق المخاوف الإسرائيلية ليس فقط من الاتفاق، بل مما سيحدث بعده: من سيشرف؟ من سيفتش؟ وما الذي سيحدث عند اكتشاف أي خرق؟

وأكدت الصحيفة أن الانقسام لا يقتصر على واشنطن، بل يمتد إلى الداخل الإسرائيلي، حيث يرى فريق أن أي اتفاق سيمنح النظام الإيراني شريان حياة اقتصاديا وسياسيا يعززه من الداخل، ويسمح له بإعادة الاستثمار في الصواريخ وأذرعه الإقليمية.

في المقابل، يحذر فريق آخر من الاعتقاد بأن الخيار العسكري سيحسم الأزمة نهائيا، إذ قد يؤدي الهجوم إلى أضرار مؤقتة وردع محدود، لكنه قد يوحد المجتمع الإيراني خلف قيادته، ويفتح دوائر ردود فعل في ساحات أخرى، خاصة أن المنطقة ـ وفق الصحيفة ـ تتفاعل بسرعة وأحياناً بشكل غير متوقع.

نتنياهو يتجنب "الإملاء" على ترامب

وأشارت "معاريف" إلى أن نتنياهو يدرك أن القرار النهائي سيتخذ في واشنطن، وأن ترامب تحكمه اعتبارات تتجاوز الشرق الأوسط، من الحرب في أوكرانيا إلى التنافس في المحيطين الهندي والهادئ.

ولذلك، اختار نتنياهو نهجا حذرا: لا يريد أن يظهر وكأنه يملي خطوات الرئيس الأمريكي، ولا يريد أن يمنح خصوم ترامب ذريعة لاتهام إسرائيل بأنها تدفع نحو الحرب.

وأضاف التقرير أن تجنب اصطحاب وفد أمني واسع النطاق جاء في السياق نفسه، إذ تم تمرير الرسائل الإسرائيلية في محادثات مغلقة بعيدا عن الصور التي قد تثير تأويلات مبكرة.

غزة في الخلفية.. لا في قلب الزيارة

وقالت الصحيفة إن ملف غزة هيمن على أجواء الزيارة، وإن لم يكن محورها الرئيسي، مشيرة إلى أن ترامب تحدث عن "التقدم المحرز في غزة والمنطقة"، وأن البيت الأبيض يبحث في أفكار متعددة لآليات استقرار دولية.

وبحسب "معاريف"، فإن نتنياهو يتعامل مع هذه القضية بحساسية داخلية شديدة، وأي اتفاق عملي يتطلب قرارات سياسية معقدة، لذلك بقيت غزة في الخلفية: لم تنكر، لكن لم يتم تسليط الضوء عليها.

وختمت "معاريف" بأن الزيارة لم تنتج نتائج مباشرة يمكن اعتبارها "حدثا كبيرا"، لكنها كانت مهمة لأن نتنياهو أصبح جزءا من عملية تتشكل الآن، لا خارجها.

ووفق التقرير، فإن قدرة نتنياهو على التأثير ستقاس بمدى نجاحه في إدخال المطلب الإسرائيلي المتعلق بإدراج الصواريخ ضمن التعريف الأمريكي للاتفاق "المناسب". فإذا تحقق ذلك، قد تعد الزيارة خطوة مهمة. 

أما إذا بقي خارج الإطار، فستجد إسرائيل نفسها أمام سؤال حاسم: كيف تتصرف إذا تم توقيع اتفاق يعالج جزءا من التهديد ويترك جزءا آخر معلقا؟

وأكدت الصحيفة أن اختيار الصمت لم يكن ترددا، بل إدراكا بأن النقاش الحقيقي يدور بعيدا عن الكاميرات، وأن القرارات تصنع في بنود وتقييمات استخباراتية ومحادثات غير مسجلة، مشيرة إلى أن الأسابيع المقبلة ستحدد ما إذا كانت الدبلوماسية ستتبلور في إطار واسع يلبي مطالب القدس، أم ستتحول إلى حل وسط ضيق يترك تساؤلات مفتوحة.