البرغوثي لـ"عربي21": المرحلة الثانية في غزة على "كف عفريت" والوضع قابل للانفجار

قال مصطفى البرغوثي إن تسمية "مجلس السلام" لا تعكس حقيقته مع انضمام نتنياهو إليه وعدم وجود أي تمثيل فلسطيني فيه- عربي21
حذّر الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، الدكتور مصطفى البرغوثي، من هشاشة "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، مؤكداً أن "العملية برمتها باتت على (كف عفريت)، في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية وإطلاق النار على المدنيين في قطاع غزة ومنع إدخال المساعدات الإنسانية.

وحذر البرغوثي من انفجار الأوضاع في أي لحظة إذا استمر هذا السلوك الإجرامي دون ضغوط دولية حقيقية تُلزم الاحتلال باحترام التزاماته".

وفي مقابلة خاصة مع "عربي21"، قال البرغوثي إن "ما يُعلن عن فتح معبر رفح لا يتجاوز كونه فتحاً شكلياً ونظرياً"، لافتاً إلى أن "سلطات الاحتلال تواصل فرض قيود مُشدّدة على حركة الدخول والخروج، وبأعداد أقل بكثير مما أُعلن عنه". مُضيفًا أن المعبر تحول إلى أداة إضافية لخنق الفلسطينيين، ولا سيما الجرحى والمرضى المصابين بأمراض خطيرة وسرطان، الذين يواجه كثيرون منهم خطر الموت نتيجة منعهم من السفر للعلاج".

وأشار الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، إلى أن "إسرائيل تتعمّد إبقاء التوتر قائمًا في محاولة لتعويض فشلها في تحقيق هدفها الأساسي المتمثل في تهجير سكان قطاع غزة، مستفيدة من حسابات سياسية داخلية يقودها نتنياهو للهروب من أزمته الانتخابية والمحاكمات عبر تفجير الحرب من جديد".

وشدّد البرغوثي على أن "غزة ليست بحاجة إلى أي إدارة أجنبية، عربية كانت أم دولية"، مؤكدًا أن "الفلسطينيين وحدهم القادرون على إدارة شؤونهم وإعادة إعمار قطاعهم"، ومُحذِّرًا من "أي ترتيبات تهدف إلى فصل غزة عن الضفة الغربية أو استبدال الاحتلال الإسرائيلي بأشكال أخرى من الاحتلال أو الوصاية الأجنبية".

وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

كيف تقيّم عملية فتح معبر رفح؟ وما آلية فتح المعبر؟

معبر رفح، في الواقع، لم يُفتح إلا نظرياً، لأن سلطات الاحتلال الإسرائيلية تعمل على ثلاثة أمور. أولاً، قيّدت عدد مَن يستطيعون الدخول والخروج، وقيّدت عدد الذين يستطيعون العودة إلى غزة بنسبة ثلث مَن يستطيعون الخروج، ومع ذلك لم تُطبّق حتى هذه النسبة المقلّصة، التي لا تتجاوز 150 لمن يخرج و50 لمن يدخل.

خلال الأيام الماضية، في بعض الأيام، لم يدخل سوى 12 شخصاً فقط، وهو ما يجري ضمن عملية تضييق خطيرة جداً على الناس، خاصة أننا نعرف أن هناك 18500 مريض يعانون من جراح شديدة وخطيرة.

فضلاً عن مرضى السرطان أو المصابين بأمراض خطيرة أخرى، لا يستطيعون أن ينتظروا، حسب المخطط الإسرائيلي، ستة أو سبعة أشهر حتى يستطيعوا الخروج بهذا المعدل، وللأسف سيموت كثيرون منهم بسبب عدم القدرة على الخروج.

وبالنسبة للعودة أيضاً، هناك تقييدات شديدة، وهناك معبر إضافي ثالث افتعلته إسرائيل لتعذيب الناس؛ إذ يقضي الناس أكثر من 24 ساعة في عملية السفر من معبر إلى معبر، وأخطر ما جرى أن إسرائيل تُسلِّم العائدين إلى عصابات العملاء الذين ينكّلون بهم، ويقومون بتعذيبهم وأحياناً باعتقالهم.

هذه أمور خطيرة للغاية، لذلك أعتقد أن المعبر فُتح نظرياً، لكن عملياً لم يُفتح، خصوصاً أن إسرائيل أيضاً تشترط ألا يُسمح بالعودة إلا لِمَن خرجوا أثناء الحرب، أثناء العدوان، وهذا يحرم مئات الآلاف من الطلاب، ومَن يعملون خارج غزة من أهل غزة. 

كما يمنعونا نحن أهل الضفة الغربية من الذهاب إلى غزة، ولدينا فرق طبية جاهزة للذهاب هناك لمساعدة أطبائنا وممرضينا الذين تعبوا تعبًا هائلًا خلال العامين الماضيين، ومع ذلك لا يُسمح لأحد بالدخول إلى قطاع غزة.
 

بحسب المعلومات المتاحة لكم، متى ستدخل لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع؟

حتى الآن لا يزال الأمر غير واضح؛ إذ كان من المقرر أن تدخل اللجنة يوم الاثنين الماضي، إلا أنها لم تدخل حتى هذه اللحظة. كما لا يزال غير معلوم، في حال دخولها، ما إذا كانت ستتعرض للمضايقات نفسها التي تمارسها سلطات الاحتلال، أو لمضايقات من مجموعات العملاء الموجودة هناك.

وعليه، فإن المشهد ما يزال ضبابياً. وبطبيعة الحال، إذا كان مسؤولو اللجنة الوطنية الإدارية سيتعرضون لهذا القدر من التنكيل، فإن ذلك يُشكّل مؤشراً خطيراً على عدم قدرتهم على أداء مهامهم، وإجمالاً الوضع خطير للغاية.

إسرائيل تتملص من جميع الاتفاقيات، وأخطر ما في الأمر أنها لم توقف الحرب؛ فهناك وقف لإطلاق النار من طرف واحد فقط، هو الطرف الفلسطيني، في حين تواصل إسرائيل عمليات القصف والتنكيل.

فقدنا حتى هذه اللحظة أكثر من 540 شهيدًا منذ 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وهو تاريخ التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، إضافة إلى أكثر من 1500 جريح. ومن وجهة نظري، فإن غياب الضغوط الحقيقية على إسرائيل، في ظل تواطؤ واضح من الجانب الأمريكي وصمته على هذه الانتهاكات، هو ما شجّعها على التمادي في تنكيلها بالناس، كما يحدث حاليًا عند معبر رفح.

بالتالي، ما فرص نجاح المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار؟ وكيف تقيّم هذه العملية إجمالًا؟ العملية برمتها باتت الآن، كما يُقال، على "كفّ عفريت"؛ فهناك خطر حقيقي من انفجار الأوضاع نتيجة استمرار إسرائيل في إطلاق النار على المدنيين في قطاع غزة، إلى جانب منعها إدخال المساعدات الإنسانية.

ما تسمح إسرائيل بدخوله حتى الآن لا يتجاوز 42% مما كان مقررًا في المرحلة الأولى. أما في المرحلة الثانية، فكان يفترض أن تُفتح المعابر على مصراعيها بشكل كامل لإدخال كل ما يحتاجه القطاع، وهو ما لا يحدث حتى اللحظة.

إسرائيل لا تسمح بإدخال المعدات، ولا تسمح بإدخال الأجهزة الطبية الضرورية للغاية لدعم وإسناد القطاع الصحي. وحتى الآن، كما أشرت، لم توقف إطلاق النار، بل تواصل أيضا تنفيذ عمليات خطف لمواطنين من داخل قطاع غزة، إلى جانب عمليات اغتيال يتباهى نتنياهو اليوم بتنفيذها.

لذلك، فإن الوضع شديد الهشاشة، وقد يقود إلى انهيار كامل لاتفاق وقف إطلاق النار إذا استمرت إسرائيل في هذا السلوك الإجرامي.

ماذا لو انهار اتفاق وقف إطلاق النار بشكل كامل، كما أشير؟

ستنفجر الحرب من جديد، وستعود معاناة أهل غزة من حرب الإبادة الرهيبة والخطيرة. نحن نعرف أن إسرائيل تتعمد التوتير لسببين.

الأول أنها فشلت في هدفها المركزي والرئيسي من حرب الإبادة التي شنّتها على غزة، وحرب التجويع والعقوبات الجماعية فشلت في تحقيق هدفها، وهو التطهير العرقي لسكان قطاع غزة، بسبب صمود وبسالة وبطولة أهل غزة.

وبسبب رفض الجانب المصري التعاطي مع فكرة تهجير السكان. هذا الفشل يجعل الحكومة الإسرائيلية تواصل المحاولة، على أمل أن تخلق ظروفًا قاهرة وقاتلة للناس تجبرهم على الرحيل.

أما السبب الثاني فهو الانتخابات الإسرائيلية، وشعور نتنياهو بأنه يفقد القاعدة التي انتخبته، وشعوره بأنه سيخسر الانتخابات القادمة. حسب آخر استطلاعات الرأي، هو وائتلافه لن يحصلا على أكثر من 50 مقعدًا.

وهذا يعني سقوطًا حتميًا، وبالتالي هو يحاول أن يُشعل الحرب من جديد لإنقاذ نفسه مرة أخرى، كما فعل في السابق، لإنقاذ نفسه من المحاكمات التي يتعرض لها في أربع قضايا فساد كبرى في إسرائيل.

هناك أنباء عن أن الإمارات تعتزم إدارة الشؤون المدنية داخل قطاع غزة.. ما صحة ذلك؟ وهل تعتقد أن هناك أجندة سياسية للإمارات في غزة أم لا؟


سمعنا بالفعل مثل هذه الأخبار أو الإشاعات، وبعد ذلك صدر نفي رسمي من جانب الإمارات بأن هذا ليس وارداً. على كل حال، غزة ليست بحاجة لأحد أن يديرها، لا عربياً ولا دولياً، وأهل غزة يستطيعون أن يديروا غزة بشكل كامل، وهذا هو الهدف من تشكيل اللجنة الوطنية الإدارية.

وطبعاً، غزة لن تُدار بمعزل عن الضفة الغربية، لأننا نعرف أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنشأ ترتيبات إدارية وعملية مختلفة كلياً عن الضفة الغربية، تمهيداً لفصل غزة عن الضفة بشكل كامل، كجزء من محاولات إسرائيل تصفية إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

باختصار، الفلسطينيون هم الذين يجب أن يديروا أمورهم في غزة وفي غير غزة، ولا يمكن أن نقبل باستبدال احتلال إسرائيل باحتلال أجنبي، أو باحتلالين معا: احتلال أجنبي في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

يتردد أن هناك خطة إماراتية لإنشاء مجمع سكني للفلسطينيين قرب "الخط الأصفر" في رفح.. فما الجدوى السياسية لهذا المشروع الإماراتي في رفض معظم الفلسطينيين الإقامة في مناطق يسيطر عليها جيش الاحتلال؟


عندما التقينا في مصر بالإخوة المصريين كوسيطين، وأنا أتحدث هنا عن لقائنا كقوى فلسطينية، اتفقنا على ثلاث مبادئ.

المبدأ الأول أن اللجنة الإدارية الوطنية التي تشكلت ستكون مسؤولة عن كل قطاع غزة، وليس عن جزء منه فقط. ثانيًا، أن قوة الاستقرار يجب أن تأتي بسرعة، لا لتدخل المنطقة التي يسيطر عليها الفلسطينيون الآن، وإنما لتكون قوة حفظ سلام بيننا وبين الجانب الإسرائيلي، حتى يخرج جيش الاحتلال من كل هذه المناطق.

أي إعادة إعمار يجب أن تشمل كل قطاع غزة، وليس جزءاً منه، وأول عملية إعادة إعمار لا يجوز أن تكون في منطقة مثل رفح، الخالية من السكان كلياً، والتي مُسحت عن وجه الأرض بالكامل.

أول ما يجب أن يبدأ به الإعمار هو مدينة غزة نفسها، ومنطقة خان يونس، وجميع المناطق التي يسكنها مليونا ومئتا ألف إنسان فلسطيني الآن، وبعد ذلك يمتد إلى باقي المناطق بعد خروج جيش الاحتلال منها.

ولا يجوز أن يتحدث أحد عن إعادة إعمار في ظل سيطرة جيش الاحتلال على المناطق، كما هو الحال الآن في رفح، أو في ظل سيطرة مجموعات عميلة لإسرائيل ارتكبت في السابق جرائم، وتحاول أن ترتكب المزيد من الجرائم.

ما تقييمكم لتشكيل "مجلس السلام" حتى الآن؟ وهل هو فرصة لإنقاذ غزة أم أن العكس هو الصحيح؟


بصراحة، لا يمكنني الجزم بتقييم نهائي؛ فتسمية هذا الكيان بـ "مجلس السلام" لا تعكس حقيقته؛ إذ يبدو في جوهره "مجلس ترامب".

صحيح أن نحو 70 دولة انضمت إليه، غير أن واقع الحال يُظهر أنه إذا ما اتفقت 69 دولة على قرار معيّن، واتخذ ترامب موقفًا معاكسًا، فإن القرار الذي يسود هو قراره هو، بعدما منح نفسه حق رئاسة هذا المجلس مدى الحياة، حتى بعد خروجه من منصب رئاسة الولايات المتحدة، وهو أمر يثير كثيرًا من الاستغراب، فضلًا عن منحه نفسه حق النقض المُنفر.

أخطر ما سمعناه هو السماح بانضمام مجرم الحرب نتنياهو لهذا المجلس دون الالتزام بميثاقه، في حين لا وجود لأي تمثيل فلسطيني في المجلس، ولا يمكن أن يقبل الفلسطينيون الوصاية الدولية.

وانطلاقا من ذلك، يمكن تحديد طبيعة العلاقة على النحو التالي:
كان لا بد من تشكيل هذا المجلس من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار، إلا أن العلاقة بين اللجنة الإدارية الوطنية الفلسطينية وهذا المجلس ينبغي أن تكون علاقة تنسيق، لا علاقة إشراف أو وصاية يمارسها المجلس على اللجنة الوطنية الإدارية.

وهذه مسألة خلافية، وموضوع نقاش وصراع وكفاح سياسي، تتعلق بتحديد الإطار الصحيح الذي يجب أن تُدار فيه الأمور.

أما النقطة الثانية، فتتمثّل في ضرورة ربط ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" بتحقيق سلام حقيقي؛ فوقف إطلاق النار لا يُعدّ سلامًا، وحتى الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال من قطاع غزة لا يعني بالضرورة تحقيق السلام.

السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة، ومنح الشعب الفلسطيني حقه الكامل في تقرير المصير، وحقه في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة. وبدون ذلك، فإن ما يجري الحديث عنه لا يتجاوز كونه ترتيبات انتقالية، لا أكثر ولا أقل.

على صعيد آخر، كيف تنظرون لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقبلة؟ وما موقفكم منها؟


نحن ندعو للانتخابات منذ زمن طويل، لأنه لم يكن لدينا انتخابات منذ 20 عامًا، وهذا أدى إلى خلل في النظام السياسي الفلسطيني.

وبالطبع، نحن نرحب بأن تُجرى انتخابات للمجلس الوطني بمشاركة الفلسطينيين في الداخل والخارج، ولكن دون اشتراطات سياسية على أي من المرشحين، وبإطار نظام انتخابي نزيه واضح.

حتى الآن، النظام غير واضح. نريد أن نعرف ما هو النظام الذي على أساسه ستُجرى الانتخابات، وبحيث تكون انتخابات حرة ونزيهة حقًا، ويشارك فيها فعليًا كل الفلسطينيين، سواء من هم موجودون في الداخل، في الأراضي المحتلة، أو من هم موجودون في الخارج، من 8 ملايين لاجئ فلسطيني مهجرين.

يجب أن تُجرى الانتخابات، ويجب ألّا يُمنح أحد أي ذرائع لاستبدال الانتخابات الحرة بالتعيين، ويجب أن تُجرى الانتخابات في كل المناطق، وعندما تُجرى على أساس نظام القائمة النسبية، كما ذُكر، فهذا يعني أنه ستكون قوائم، ويستطيع الفلسطيني في الداخل أو الخارج أن ينتخب القائمة التي يثق بها.

لكن حتى الآن، لم نطلع بعد على نظام الانتخابات، ونريد أن نتأكد منه، لأنه كان قد أُعلن عن انتخابات بلدية، وحاولت السلطة فرض شروط على المرشحين بأن يلتزموا بالتزامات منظمة التحرير، ونحن عارضنا ذلك، لأن التزامات منظمة التحرير تعني الاعتراف بإسرائيل، وتعني اتفاق أوسلو، وتعني التنسيق الأمني.

نحن ناضلنا مع أربع قوى فلسطينية أخرى، وحتى ذهبنا إلى المحكمة الدستورية، وتراجعت السلطة وسحبت بند الاعتراف بالالتزامات، وهذه خطوة إيجابية إلى الأمام.

الآن يجب أن نتأكد أن النظام الانتخابي سيكون سليماً، وأن الانتخابات ستُجرى فعلاً، لا أن يتذرع البعض لاحقاً بالقول إنها لا يمكن أن تُجرى، ثم ننتهي بالتعيين للمجلس الوطني.

هذا أمر سيكون خطيراً جداً، ونحن قلقون، لأن عندنا تجربة سابقة، عندما اتفقنا على إجراء الانتخابات في عام 2011، ثم تراجعت السلطة وألغت الانتخابات. الآن، المعيار الحقيقي يكمن في أمرين: أولاً، أن يكون هناك نظام انتخابي سليم، وثانياً، أن تُجرى الانتخابات فعلاً في موعدها.

لكن المرسوم الرئاسي حدّد فئة معينة من الشعب الفلسطيني للمشاركة في انتخابات المجلس الوطني، سواء كمرشحين أو ناخبين؛ إذ يشترط أن يوقع المرشح والناخب على تعهد بالالتزام ببرنامج منظمة التحرير، وباتفاق أوسلو، ونبذ ما يصفه بـ "العنف والإرهاب". ما تعقيبكم؟


في الواقع، هذا الشرط لم يعد قائماً بالشكل الذي جرى تداوله؛ فجزء أساسي منه أُلغي، بما في ذلك مسألة الالتزامات المتعلقة ببرنامج منظمة التحرير واتفاق أوسلو. وهو ما سبق أن أُلغي أيضاً فيما يتصل بانتخابات المجالس البلدية.

ووفق ما وصلنا من معلومات، فإن هذه الشروط أُلغيت كذلك فيما يخص انتخابات المجلس الوطني. وعليه، فإن الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها المُمثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني لا يُشكّل إشكالية بحد ذاته؛ فهذه ليست موضع خلاف. الإشكالية الحقيقية تكمن في وجود أي شروط إضافية قد تُفرض على العملية الانتخابية.

وفي هذا السياق، ننتظر الاطلاع النهائي على النظام الانتخابي المعتمد، وعندها سيكون بإمكاننا إبداء موقفنا ورأينا بشكل واضح ومحدد.

موعد انتخابات المجلس الوطني في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، وهو اليوم الذي يصادف ذكرى وعد بلفور المشؤوم.. هل هذه مصادفة برأيكم؟



لا أعتقد أن هناك علاقة مباشرة بين الأمرين؛ فذكرى وعد بلفور تحل في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، في حين أن الموعد المُعلن للانتخابات هو الأول من الشهر ذاته. ومع ذلك، وبغض النظر عن مسألة التطابق الزمني من عدمه، لا أرى ارتباطًا سياسيًا أو دلاليًا بين الحدثين.

وحتى لو افترضنا وجود أي علاقة رمزية، فيجب أن تُفهم على أنها تعبير عن رفضنا القاطع لوعد بلفور، الذي شكّل الأساس التاريخي لنكبة الشعب الفلسطيني وما تلاها من مآسٍ ومعاناة مستمرة.

هل تعتقد أن إسرائيل سترفض إجراء الانتخابات في القدس على غرار ما حدث في 2021؟

من المؤكد أنها ستحاول ذلك؛ فقد استُخدم هذا الأمر ذريعة لإلغاء الانتخابات عام 2021، ومن الوارد أن تُستخدم الذريعة ذاتها مرة أخرى.

غير أننا في ذلك الوقت قدّمنا مقترحاً واضحاً، حظي بموافقة جميع القوى الفلسطينية، يقضي بإجراء الانتخابات في القدس رغماً عن إرادة إسرائيل، وتحويلها إلى معركة مقاومة مدنية في وجه الإجراءات الإسرائيلية، عبر نشر صناديق الاقتراع في مختلف أحياء القدس المحتلة، وتوثيق العملية برمتها من خلال كاميرات تصوير، وكدنا نمضي في هذا الخيار لولا قرار السلطة بإلغاء الانتخابات.

وأملي ألا يتحول الحديث عن انتخابات المجلس الوطني إلى مجرد شعار يُرفع، ثم يجري التهرّب من استحقاقه لاحقًا؛ فهذه مسألة تُمثل تحديًا حقيقيًا، والشعب الفلسطيني بأكمله يتطلع إلى إجراء انتخابات، لأنه لا شرعية لأحد من دون العودة إلى صندوق الاقتراع. والشرعية الأساس، بل والوحيدة المستدامة، هي الشرعية الديمقراطية.
 

البعض يرى أن انتخابات المجلس الوطني ومؤتمر حركة فتح هدفهما تصفية الحسابات وتمهيد الطريق لحسين الشيخ.. كيف ترى ذلك؟



حركة فتح حرة في عقد مؤتمرها واتخاذ ما تراه مناسبًا من قرارات داخلية، بل إن انعقاد المؤتمر يُعدّ في حدّ ذاته أمرًا إيجابيًا، ونحن لا نتدخل في الشؤون التنظيمية الداخلية للأخوة في حركة فتح؛ فهذا شأن يخصّهم وحدهم، ومن حقهم أن يختاروا مَن يشاؤون لتمثيلهم.

وإذا كان هناك مرشحون بعينهم يحظون بدعم الرئيس أو غيره؛ فالمسار الطبيعي لذلك هو التوجّه إلى الانتخابات العامة؛ فالانتخابات وحدها هي التي تحسم مَن يفوز ومَن لا يفوز.

وأؤكد مرة أخرى أن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني اليوم هو انتخابات حرّة ونزيهة، لأنها السبيل الوحيد لاكتساب الشرعية، ولا شرعية حقيقية من دون انتخابات ديمقراطية تعبّر عن إرادة الناس.

لماذا فشلت كل محاولات رأب الصدع داخل حركة فتح أو بين فتح وحماس؟


أعتقد أن أسباب الخلاف التي كانت قائمة تعود إلى عاملين رئيسيين. العامل الأول تمثَّل في الخلاف حول البرنامج السياسي، وهو ما شكّل الأساس الحقيقي لحالة الانقسام.

غير أن هذا السبب لم يعد قائماً اليوم، بعدما أقدمت إسرائيل على تقويض اتفاق أوسلو بالكامل، وأسقطت أي إمكانية للوصول إلى حل يقوم على منطق التسوية أو الحل الوسط؛ فالحركة الصهيونية اتخذت قرارها بالدخول في مرحلة الحسم لا الحلول، ما يعني أن اتفاق أوسلو، الذي شكّل جوهر الخلاف الأول، قد مزَّقته إسرائيل ولم يعد له أي معنى عملي أو سياسي.

أما العامل الثاني فكان الخلاف على السلطة، غير أن هذا السبب بدوره فقد مضمونه؛ إذ لم يعد هناك معنى حقيقي للتنافس على سلطة هي، في الواقع، سلطة واقعة تحت الاحتلال، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة؛ فالسلطة، بشقيها، لا تمتلك سيادة فعلية، وهي كليا مثل شعبها تحت الاحتلال.

وانطلاقا من ذلك، أرى أن المرحلة الراهنة تفرض علينا تجاوز جميع أسباب الخلاف السابقة، والتوجّه نحو التعاون الجاد لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني؛ فهذا المشروع ليس حكرا على فصيل أو منطقة.

بل هو مشروع جامع لكل أبناء الشعب الفلسطيني، في الأراضي المحتلة، وفي أراضي الداخل الفلسطيني عام 1948، وفي الشتات. يجب أن يكون لنا جميعا مشروع وطني واحد، تُحشد له كل الطاقات الفلسطينية، وتُوجَّه في مسار واحد واضح.

وفي هذا السياق، تبرز أولويات لا بد من التوافق عليها. الأولوية الأولى اليوم هي دعم صمود الفلسطينيين وبقائهم على أرض فلسطين، لأن بقاء الشعب الفلسطيني على أرضه كفيل بإفشال المشروع الصهيوني.

فهذا المشروع قام تاريخيًا على ركيزتين: الاستيلاء على الأرض بالقوة، وقد نجح في ذلك إلى حدّ كبير، وتهجير السكان الأصليين، وهو الهدف الذي لم ينجح في تحقيقه بالكامل، وبقاؤنا على أرض وطننا هو الرد الحاسم على هذا المشروع.

واليوم، يُشكّل الفلسطينيون عددًا يفوق عدد اليهود الإسرائيليين على أرض فلسطين التاريخية، وهو معطى بالغ الأهمية يجب البناء عليه. أما الأولوية الثانية، فتتمثل في مواجهة سياسات الاحتلال من ضمّ وتهويد ومصادرة للأرض والحقوق، وتحقيق ذلك كله لا يمكن أن يتم إلا من خلال وحدة الفلسطينيين كافة، ضمن مشروع وطني جامع، وهدف وطني واحد ومشترك.

البعض يسأل: هل حركة فتح تنظر إلى حركة حماس بنفس نظرة إسرائيل إلى حماس؟


لا، هذا الطرح غير صحيح، ولا يجوز تعميمه أو ترديده بهذه الصيغة؛ فعلى العكس تمامًا، تضم حركة فتح عددًا كبيرًا من المناضلين والمكافحين، ولا يزال في صفوفها أسرى يقبعون في سجون الاحتلال.

كما أن لحركة فتح دورًا تاريخيًا لا يمكن إنكاره؛ إذ كان لها شرف تفجير الثورة الفلسطينية عام 1965.
وبطبيعة الحال، توجد خلافات سياسية بين الفصائل الفلسطينية، كما أن التيارات داخل حركة فتح نفسها ليست متماثلة.

وهذا أمر مفهوم في إطار أي حركة سياسية كبيرة، غير أنه من الضروري التمييز بوضوح بين حركة فتح بوصفها حركة تحرر وطني ذات تاريخ نضالي، وبين السلطة القائمة، التي نختلف معها في العديد من السياسات والمواقف. هذا التمييز أساسي لفهم طبيعة الخلافات دون الوقوع في خلط أو تجنٍّ غير مبرر.

هل السلطة تحتاج إلى تغيير جذري أم مجرد إصلاح؟ وكيف يمكن كسر الجمود السياسي القائم؟

قبل الإجابة، لا بد من طرح السؤال الجوهري: ما المقصود بالإصلاح؟؛ فالإصلاح الذي تسعى بعض الأطراف الغربية إلى فرضه لا يستهدف جوهر الخلل، بل يركّز على تغيير الرواية والسردية الفلسطينية، والتدخل في المناهج التعليمية، وحرمان الأسرى وعائلات الشهداء من حقوقهم الطبيعية، بما يمسّ كرامتهم بعد سنوات طويلة من النضال والتضحيات.

كما أن هذه الضغوط الخارجية تحاول فرض رؤى سياسية على الفلسطينيين تتعارض بشكل واضح مع مصالحهم الوطنية.

من هنا، فإن هذا النوع من "الإصلاح" مرفوض. الإصلاح الذي نريده هو إصلاح ديمقراطي حقيقي، يقوم على القضاء على جميع أشكال الفساد، وإجراء انتخابات حرّة ونزيهة للمجلس الوطني، والمجلس التشريعي، والرئاسة الفلسطينية.

وجوهر الإصلاح الحقيقي يعني أيضًا الفصل بين السلطات، ووجود قضاء مستقل، وخضوع الأجهزة الأمنية للسلطة السياسية المنتخبة ديمقراطيًا. هذه هي المتطلبات الأساسية لأي نظام سياسي سليم.

وعليه، يجب التمييز بوضوح بين الإصلاح الذي يطالب به الشعب الفلسطيني، والإصلاح الذي تطرحه بعض الأطراف الخارجية استجابةً للضغوط الإسرائيلية. وفي المحصلة، فإن السلطة الفلسطينية بحاجة ماسة إلى إعادة تقييم شاملة وإصلاح جذري، يشمل إعادة تعريف وظائفها وأدوارها.

وفي هذا السياق، لا يجوز أن تبقى منظمة التحرير الفلسطينية وكأنها جسم تابع للسلطة أو أسيرة لها، بل يجب أن تكون منظمة التحرير إطارًا قائدًا لحركة التحرر الوطني، لا خاضعة لسلطة تحكمها اعتبارات وضغوط متعددة، وهذا يستدعي إعادة النظر في العلاقة بين المنظمة والسلطة، وفي مجمل وظائف السلطة نفسها.

كما يتطلب الأمر إلغاء العقيدة الأمنية التي فُرضت على السلطة الفلسطينية، والتي تفرض على الفلسطينيين توفير حماية للاحتلال، في الوقت الذي تعجز فيه هذه الأجهزة عن حماية الشعب الفلسطيني من الاحتلال نفسه. هذه عقيدة خاطئة من أساسها، ويجب التخلي عنها تماما.

والبديل هو العودة إلى رؤية وطنية تحررية شاملة، وبرنامج وطني واضح، يهدف إلى انتزاع الحقوق الوطنية الفلسطينية، وتحقيق الحق المقدّس للشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير.