أثار مقتل سيف
الإسلام القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، في بلدة الزنتان شمال
غربي
ليبيا، موجة تساؤلات واسعة حول دوافع
الاغتيال والجهة التي تقف خلفه.
ونشرت صحيفة
"
أوبزيرفر" تقريرا أعده باري مالون، الذي عمل مراسلا لوكالة أنباء
"رويترز" أثناء الحرب في ليبيا تحدث فيه عن عملية اغتيال نجل الزعيم السابق
معمر القذافي، سيف الإسلام في بلدة الزنتان، شمال- غرب ليبيا الأسبوع الماضي.
وقال مالون إن عملية
الاغتيال "الاحترافية" والمحكمة تغلق فصلا دمويا في التاريخ الليبي المعاصر،
وتساءل عن السبب الذي دفع القتلة لاغتيال سيف الإسلام القذافي الذي تحول من "بلي
بوي" إلى زعيم محتمل.
وأضاف أن الزنتان بعيدة
جدا عن مقاعد دار الأوبرا في فيينا برفقة عارضة الأزياء والممثلة الأمريكية كارمن إلكترا،
لكن في الزنتان تحديدا، اغتيل سيف الإسلام، السياسي الذي كان ينظر إليه في وقت من الأوقات
على أنه مستقبل ليبيا.
وقال محامي سيف الإسلام
إن نجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، والذي كان يعتقد سابقا أنه الوريث المحتمل،
قتل على يد أربعة مسلحين في حديقة منزله، واصفا المهاجمين بأنهم قوات خاصة واجهها موكله
البالغ من العمر 53 عاما "مباشرة"، فيما ذكرت تقارير محلية كيفية تنفيذ عملية
الاغتيال وأنها تمت بدقة شديدة.
ونقلت الصحيفة عن أنس
القماطي، مدير "معهد صادق" للأبحاث في طرابلس قوله: "لم يكن هذا اشتباكا
بين ميليشيات، بل كان مخخطا له ومنسقا ومتقنا، كانوا يعلمون متى سيصل وعطلوا أجهزة
المراقبة ونفذوا العملية ثم اختفوا. هذا المستوى من التخطيط يستبعد العمليات الميليشياتية
التقليدية".
وقال مالون إنه في
عالم عالم السياسة الليبية الغامض والمتشرذم، ورغم كثرة الشائعات، لم ترد أي تقارير
موثوقة تشير إلى هوية من يقف وراء عملية الاغتيال. وقال القماطي: " الدوافع واضحة،
لكن الأدلة غائبة" و "نحن نقرأ إشارات دخان في بلد لا تنطفئ فيه النيران
أبدا".
اظهار أخبار متعلقة
وعلق الكاتب أن هذه
نهاية مبتذلة أو قل تافهة لحياة شهدت تحول سيف الإسلام إلى ثاني أقوى رجل في ليبيا
بعد والده، حيث أوكل إليه والده قيادة مبادرات دبلوماسية هامة.
وقال مالون إن سيف
الإسلام كان الوجه المقبول لليبيا في الغرب إذ كان يختلط بالنخب السياسية في أنحاء
أوروبا ولا سيما في لندن، حيث أنفق ملايين الدولارات على قصر في ضاحية "هامبستيد
غاردن" الراقية.
وجاءت زيارته لدار
الأوبرا عام 2006 في وقت كانت فيه حملة سيف الإسلام تهدف لإخراج ليبيا من عزلتها التي
كانت تعيشها منذ سنوات.
ورغم أنه كان يعتبر
نسخة أكثر رزانة من القذافي الأب، إلا أنه لم يكن يمانع بعض مظاهر البذخ، فقد كان يمتلك
نمرين ولا يرتدي إلا أفخم البدلات ويستمتع بالحفلات الباذخة وصحبة عارضات الأزياء.
وقدم نفسه كمصلح حقيقي
يسعى إلى دفع عائلته الاستبدادية نحو مستقبل أكثر ديمقراطي.. ولم يكن الأمر مجرد كلام،
فقد تحسنت العلاقات مع الدول الغربية بشكل ملحوظ عندما وافق معمر القذافي على التخلي
عن طموحاته النووية عام 2003، وهو تنازل كبير يعتقد أن ابنه توسط فيه، وأدى في نهاية
المطاف إلى رفع العقوبات المفروضة منذ زمن طويل. وعرض سيف الإسلام إمكانية الوصول إلى
نفط ليبيا، الذي تعيقه البنية التحتية المتهالكة، معتقدا أنه يستطيع استغلال ذلك لعقد
صفقات تجارية مواتية. وكان يدعو باستمرار إلى وضع دستور يضمن حقوق الإنسان.
وفي خطوة أثارت جدلا
واسعا بين الموالين لوالده وجهاز أمن الدولة، مد غصن الزيتون إلى خصومه اللدودين في
الجماعات الإسلامية الليبية، مما أدى إلى إطلاق سراح العديد من السجناء.
وفي بريطانيا، كان
من بين دائرته المقربة بيتر ماندلسون، الذي واجه موجة انتقادات لاذعة عام 2009 عندما
كشفت مجلة "سبيكتاتور" عن انضمامه إلى سيف الإسلام في رحلة صيد في قصر واديسدون
التابع للورد روتشيلد في مقاطعة باكينغهامشير. وأصدر مكتب ماندلسون بيانا في حينه قال
فيه إنه لا يعلق عادة على ارتباطاته الاجتماعية، لكنه أكد أنه لن يقتل طائرا من طيور
التدرج أبدا.
وكانت علاقات سيف الإسلام
بالمجتمع البريطاني الراقي عميقة، وورد أنها شملت لقاءين مع أندرو ماونتباتن-ويندسور،
لكن بعد اندلاع الحرب الأهلية الليبية عام 2011، سارع أصدقاؤه للنأي بأنفسهم عنه.
وقد أجبر هوارد ديفيز،
مدير كلية لندن للاقتصاد (أل أس إي) آنذاك، للاستقالة بعد اعترافه بـ"أخطاء في
التقدير" لقبوله تبرعا بحثيا بقيمة 1.5 مليون جنيه إسترليني من معمر القذافي الابن،
وسفره إلى ليبيا لتقديم المشورة للحكومة.
كما اضطرت الجامعة
للتحقيق في مزاعم تفيد بأن أطروحة الدكتوراه التي منحتها لسيف الإسلام - بعنوان
"دور المجتمع المدني في دمقرطة مؤسسات الحكم الرشيد العالمية: من 'القوة الناعمة'
إلى صنع القرار الجماعي؟" - قد سُرقت أو أنه دفع لمستشارين لكتابتها نيابة عنه.
وقال مالون، كان من
الممكن أن يكون الوضع مختلفا تماما، وربما كان من الممكن التماس العذر لأصدقائه الغربيين
لاعتقادهم أنهم على وشك أن يكافأوا على رعايتهم وحسن تقديرهم عندما ظهر سيف الإسلام
على شاشة التلفزيون ليخاطب الشعب الليبي، مع اندلاع الثورة ضد والده.
اظهار أخبار متعلقة
فقد توقع الكثيرون
أن يعلن عن تنازلات، وربما حتى أن معمر القذافي على وشك التنحي لصالح وريثه الإصلاحي.
وبدلا من ذلك، شاهد الشعب الليبي والعالم سيف الإسلام وهو يشير بإصبعه إلى الشاشة محذرا
من أن البلاد ستغرق في "أنهار من الدماء" إذا لم تتوقف الاحتجاجات. ونقل
الكاتب عن دبلوماسي غربي قوله في ذلك الوقت: "كانت لغته تشبه لغة والده تماما،
سقط قناعه وانطلقت غريزة حماية السلالة". وفي خطاب سيعلق في الذاكرة، وصف المتظاهرون
بـ"الجرذان"، وقال إن الحكومة ستقاتل "حتى آخر رجل وامرأة ورصاصة".
فقد اتخذ الوجه الوديع
خيارا وهو الانضمام إلى والده ومعتصم القذافي، شقيقه الأصغر المتشدد الذي قال مراقبون
في طرابلس إنه كان ينافسه بشدة على خلافة والدهما والقتال.
وما حدث بعد ذلك موثق
جيدا، نجحت الثورة، بمساعدة حلف الناتو، وألقي القبض على معمر القذافي وأعدم فورا.
وبعد ظهوره في شوارع
طرابلس لحشد القوات مع اقتراب الثوار من العاصمة، فر سيف الإسلام قبل أن يقبض عليه
في طريقه إلى النيجر المجاورة متنكرا بزي بدوي.
وبدأت بذلك فترة سجن
طويلة احتجزته خلالها ميليشيا في مدينة الزنتان، معقل الثوار، ورغم صدور مذكرة توقيف
دولية بحقه، وحكم صدر في محكمة بطرابلس عام 2015 ويقضي بالإعدام رميا بالرصاص، رفض
مقاتلو الزنتان التخلي عن ورقة تفاوضهم المهمة.
وعلق مالون إن تحذيرات
عائلة القذافي من انقسام ليبيا في حال نجاح الثورة المدعومة غربيا، قد تحققت، فسرعان
ما غرقت البلاد في الفوضى بعد عام 2011، حيث سيطرت جماعات الضغط والميليشيات والقبائل
على مناطق نفوذها وتنافست على السلطة. وفي ليبيا اليوم حكومتان، إحداهما في طرابلس
غرباًوالأخرى في طبرق شرقا، وكلتاهما مدعومة بمجموعة متنوعة من الجماعات المسلحة والحكومات
الأجنبية.
وقد دفع شعور الإحباط
لدى الشعب الليبي تجاه الحكومتين، وما ينظر إليه من فساد، سيف الإسلام إلى القيام بخطوته
الجريئة الوحيدة منذ إطلاق سراحه المفاجئ بموجب عفو عام 2017.
ففي عام 2021، ومع
نجاح مبادرة الأمم المتحدة لإجراء انتخابات رئاسية، سافر من ملاذه الآمن في الزنتان
إلى مدينة سبها جنوبا لتسجيل ترشحه رسميا، ما لفت الأنظار إليه لقلة ظهوره. وكانت هذه
الخطوة، في نظر الكثيرين، نابعة من الحنين إلى الاستقرار النسبي الذي ساد عهد والده،
ورغبة بعض فلول التيار الأخضر، الموالين لمعمر بن الخطاب، في وجود شخصية قيادية يلتفون
حولها.
ويرى القماطي لصحيفة
"أوبزرفر": "كانت سلطة سيف رمزية بحتة، لا يملك أراض ولا ميليشيات ولا
تنظيمات سياسية. لقد كان مختفيا عن الأنظار منذ عام 2021، يعيش تحت الحماية الروسية
في جنوب ليبيا والزنتان، حيث كان يعتمد على الجماعات المحلية".
ووفقا لجلال حرشاوي،
المحلل في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، فقد سهلت قوات من مجموعة فاغنر الروسية المرتزقة
رحلته إلى سبها، حيث حرسوه برا وحلقت طائراته جواً. وأضاف لصحيفة "أوبزرفر":
"لم يكن ظهوره في سبها أمام اللجنة الانتخابية ممكنا لولا حماية روسيا".
وأضاف أن محللون ليبيون
قالوا إن روسيا دعمت اسميا حكومة الجنرال خليفة حفتر، لكنها اعتبرت سيف الإسلام بمثابة
ضمانة.
اظهار أخبار متعلقة
وقال حرشاوي إن الظهور
كان خاطفا، ولم يدل المرشح المحتمل بتصريحات كثيرة، وكان الأمر في جوهره إجراء أمنيا.
وأضاف: "ظهر، وأعلن ترشحه، ثم اختفى في غضون عشرين دقيقة". ويرى حرشاوي أن
سيف الإسلام كان مكسبا لمن دعموه لمجرد أنه "على قيد الحياة، وهذا يكفي لاستخدامه
كرمز". لكنه أشار إلى أن استطلاعات رأي موثوقة أظهرت أنه قد يحصل على ما يصل إلى
40% من الأصوات.
لم تنظم الانتخابات،
ويعود ذلك جزئيا إلى احتمال ظهور ما أسماه البعض "الخيار الثالث" الذي يهدد
تقاسم السلطة بين الشرق والغرب، حيث رحل سيف الإسلام، ومع
وجود أبناء القذافي الأربعة الباقين على قيد الحياة في الخارج، وانعدام نفوذهم وسلطتهم،
انتهت سلالة معمر.
وفي النهاية، يبدو
أن رجلا نجا من الحرب، ومذكرات التوقيف الدولية وحكم الإعدام، لم يستطع أو لم يرغب،
في توضيح مبادئه للشعب الليبي أو للفصائل المتنفذة في البلاد.