رغم التراجع الحاد بأسعار
الذهب الفورية بنسبة تقارب 10بالمئة في 30 كانون الثاني/ يناير، وهو أكبر انخفاض لها منذ عام 1983، إلا أن أسعار المعدن النفيس لا تزال في تصاعد.
ولمعرفة أسباب التقلبات التي وصفت بالعنيفة في أسواق المعادن الثمينة، والتوقعات بشأن الرسم البياني لأسعار الذهب والفضة في ظل حالة عدم اليقين، أجرى موقع "
عربي21" مقابلة خاصة مع أستاذ الاقتصاد في كلية أوكلاند الأمريكية الدكتور مصطفى شاهين، وفيما يلي نصها:
هناك قلق وحالة من عدم اليقين بشأن الذهب هل تنصح بشرائه أم بيعه في هذا الوقت؟
أنا أنصح الناس بشراء الذهب الآن، وفق توقعات تفيد بعودة صعود أسعاره، ولكن بشرط عدم بيعه بعد أسبوع أو شهر بهدف التربح، حينها لا أرى فائدة من اقتناء الذهب نظرا لوجود لاعبين كبار لا يمكن مجاراتهم ضمن عمليات الرفع والخفض خلال التداول.
ورغم هذا فإن المرجح هو ارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة، نظرًا لمواصلة الرئيس ترامب العمل بسياساته الإقصائية للحلفاء، كما أن
كيفن وارش المرشح ليكون رئيسًا جديدًا للاحتياطي الفيدرالي، طُلب منه خفض سعر الفائدة.
هو إجراء سيصب في صالح الذهب، بالتزامن مع تداعيات التوترات السياسية الكبيرة جدًا داخل أمريكا، ومنها ما يخص فضائح إبستين والحرب الأوكرانية، والتهديد بفرض رسوم على الاتحاد الأوروبي، كلها عوامل تدفع باتجاه تراجع الثقة على المستوى العالمي بالدولار.
الكثير حاليًا، على مستوى الحكومات والبنوك المركزية باتت تتحوط عبر شراء كميات من الذهب، وبالتالي نحن مقبلون على ارتفاع قيمة المعدن النفيس، على الأقل حتى شهر تشرين الثاني/نوفمبر وهو موعد إجراء انتخابات التجديد النصفية الأمريكية، فقد تتغير بعض الأمور حال تصدّر الديمقراطيين المشهد السياسي في الولايات المتحدة.
ولا نستبعد أن تتجاوز أسعار الذهب معدلاتها المنطقية، ولكن لن يصل لسعر العشرة آلاف كما يقول البعض على الأقل هذا العام، رغم أن الأونصة زادت خلال يوم واحد في الأسابيع الماضية 200 دولار، وهو ما يدل على وجود قوة كبيرة داخل السوق تشتري كميات كبيرة جدًا من الذهب.
الكثيرون يسألون لِمَ هذا الانهيار المفاجئ والدراماتيكي منذ عقود في أسعار الذهب والفضة.. ما القصة؟
الذهب لم ينخفض، بل واقع الحال أن أسعاره حققت مكاسب طائلة خلال الأربع سنوات الأخيرة. أما الأسباب التي دفعت إلى ارتفاع أسعاره، فهي الخوف الذي انتاب الناس بسبب التغيرات الجيوسياسية التي تحدث في العالم، خاصة في أمريكا، نظرًا لوجود علاقة عكسية بين قيمة
الدولار وأسعار الذهب.
ومنذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض قبل نحو عام، اتخذ جملة إجراءات، ومنها رفع التعريفات الجمركية على عدة دول، وهو ما دفع الناس للجوء إلى الذهب نظراً لخشيتهم من أن تؤدي تلك الرسوم إلى خفض قيم الأسهم في
البورصة.
كما أن تلويح ترامب بخفض أسعار الفائدة سيعني أن العائد من الدولار أو أذون الخزانة سينخفض هو الآخر، وهو ما دفع الكثيرين للتوجه نحو اقتناء الذهب باعتباره أكثر أماناً.
وما جرى هو أن معظم من قام بشراء الذهب أصيب بالذعر بعد أن وصلت سعر أونصة الذهب إلى أكثر من ستة آلاف دولار، حيث خشي الناس من انخفاض مفاجئ، لذا حدث إقبال نحو البيع وفق نظرية الـ"قطيع"، ولا ننسى أن هناك لاعبين كبار في السوق يحركونه.
هل كان للمستثمرين الصينيين وإقبالهم على شراء الذهب دور في تحديد اتجاه السوق؟
لا ننسى أن على مستوى دول دخلت هي الأخرى ضمن سباق شراء الذهب وليس البنوك والمستثمرين فحسب، ووفق إحصائيات تقول إن من 25 كانون الثاني/يناير إلى 25 تشرين الثاني/نوفمبر اشترت الصين وشركاؤها قرابة 300 طن من الذهب.
وهو ما يعني أن الصين تشكل لاعبًا كبيرًا في سوق المعادن النفيسة، بسبب تخوفات بكين من انهيار الدولار جراء السياسات التي يتبعها الرئيس الأمريكي ومساعيه تجاه التضييق على حلفائه.
ومع هذا اتضح أن تهديدات ترامب لم تجدِ نفعًا إزاء ابتزاز الحكومات، والتي باتت تبحث عن أسواق بديلة، واتفاقية التبادل التجاري بين الهند وأوروبا مثالًا على ذلك، وهو ما انعكس سلبًا على قيمة الدولار ودفع بمزيد من الاهتمام بالمعدن النفيس "الذهب".
رغم فك الارتباط بين الدولار والذهب عام 1971، إلا أن ما حدث خلال تراجعات الخميس والجمعة يعكس وجود تداخل، حيث غلب عنصر السيولة على الثقة، لماذا برأيك؟
منذ اتفاقية "بريتون وودز" قبل نحو 44 عاما، عملت الولايات المتحدة على جعل الدولار قوة عالمية، ورغم فك ارتباطه بالذهب في 15 آب/أغسطس 1971 خلال عهد الرئيس نيكسون، إلا أن الدولار ما زال يحافظ حتى اللحظة على قوته التي يستمدها من قوة الاقتصاد الأمريكي، والذي هو أساساً شريان الاقتصاد الأول.
ولكن ما جرى مؤخرًا، وتحديدًا حين فرضت أمريكا في عهد الرئيس جو بايدن عقوبات على روسيا شملت حظرًا على الاحتياطيات الدولارية لروسيا في الخارج والتي تقدر بـ750 مليار دولار، دفع العديد من الدول للبحث عن تحوطات تجنبها خطر تعرضها لنفس السيناريو حال أغلقت أمريكا حساب حكومات بعينها، فكان شراء الذهب هو الخيار الأفضل.
ما قصة الفضة، ولماذا ظهرت على الساحة مؤخرًا كمعدن نفيس يمكن الاستثمار به؟
ظهرت
الفضة، كالنحاس وبعض المعادن النادرة، للأسباب نفسها، وهو التخوف من الدولار؛ فالناس بدأت تلجأ إلى أي شيء يحتفظ بقيمته، سواء كان ذهبًا أو فضة أو عملات أخرى.
وأضاف، هنا على الناس أخذ الحيطة والحذر، بدلاً من السعي وراء الربح السريع الذي تكون نسب الخسارة فيه مرتفعة، ولنا ما حدث في بلدان عدة مثال على ذلك، فكثيرون خسروا مدخراتهم في لبنان وزيمبابوي، وحتى مصر التي التهم التضخم فيها أموال الناس.
وبعد أن كنا ننصح الناس في السابق باللجوء إلى الدولار على افتراض أنه عملة مستقرة قيمتها عالميًا، إلا أن سياسات الرئيس ترامب قلبت الطاولة، وأفقدت عملة أمريكا سمة الثقة والأمان، لذا بات التحوط بالذهب والفضة هو الخيار الأفضل اليوم.