أطباء بلا حدود لـ"عربي21": قرار إنهاء عملياتنا في غزة سيكون له أثر إنساني مُدمّر

حملة "إسرائيلية" ممنهجة استهدفت المنظمات الدولية- عربي21
قرّر الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، وقف أنشطة منظمة "أطباء بلا حدود" في قطاع غزة، وأمهلتها حتى 28 شباط/ فبراير الجاري للخروج منه، لرفضها تقديم قوائم موظفيها لتل أبيب.

جاء ذلك في بيان أصدرته وزارة شؤون الشتات الإسرائيلية، المُكلّفة من قِبل حكومة الاحتلال بملف التعامل مع المنظمات الإنسانية العاملة بغزة والضفة الغربية المُحتلة.

الوزارة قالت إن "منظمة أطباء بلا حدود امتنعت عن نقل قوائم موظفيها المحليين (الفلسطينيين)، مخالفةً بذلك الإجراء الإلزامي المتبع مع المنظمات الإنسانية كافة"، على حد زعمها.

والجمعة، قالت المنظمة، في بيان وصل "عربي21" نسخة منه، إنه "بعد أشهر من الاتصالات غير المثمرة مع السلطات الإسرائيلية، وانعدام الضمانات التي تكفل سلامة موظفينا واستقلالية إدارة أنشطتنا، قررنا عدم مشاركة قائمة موظفينا الفلسطينيين والدوليين مع إسرائيل".

و"أطباء بلا حدود" من أكبر المنظمات الإنسانية العاملة بغزة، ومن شأن وقف أنشطتها أن يُلحق ضررا بالغا بالخدمات الطبية الشحيحة المُقدّمة في القطاع.

وتدير المنظمة وتتعاون مع 15 عيادة ومركزا طبيا في غزة، كما تعمل فرقها في المستشفيات الرئيسية بالقطاع.

ويعاني نحو 2.4 مليون مواطن فلسطيني في غزة، بينهم 1.5 مليون نازح، أوضاعا كارثية، جراء حرب إبادة جماعية بدأتها إسرائيل في القطاع بدعم أمريكي في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 واستمرت عامين.

ومطلع كانون الثاني/ يناير الماضي، أعلنت وزارة شؤون الشتات في حكومة الاحتلال الإسرائيلي إلغاء تراخيص عمل 37 منظمة إنسانية.

وفي هذا الإطار، أجرت "عربي21" مقابلة خاصة مع المدير التنفيذي للمكتب الإقليمي لمنظمة "أطباء بلا حدود"، الدكتور خالد الشيخ، والذي حذّر من أن "أي قرار بإنهاء عملياتهم في قطاع غزة والضفة الغربية سيكون له أثر إنساني مُدمّر على السكان الذين يعتمدون على خدماتها، لا سيما أن هذه الإجراءات تأتي في ظل شتاء قارس للغاية، ونظام صحي متهالك ومحدود الموارد ويرزح تحت ضغط غير مسبوق".

وقال إن "عدم تمكيننا من الوجود والعمل داخل الأراضي الفلسطينية يخلق خطورة بالغة جدا على السكان في غزة والضفة، ويقوّض قدرتنا على تقديم الخدمات الطبية والإنسانية التي تضطلع بها (أطباء بلا حدود)، إلى جانب تدخلات إغاثية أخرى هامة داخل قطاع غزة، وهو ما يوضح حجم الدور الحيوي الذي نقوم به".

وأشار الشيخ إلى أن غياب "أطباء بلا حدود" سيحرم مئات الآلاف من الوصول إلى خدمات طبية أساسية في ظل احتياجات إنسانية هائلة وانهيار شبه كامل للنظام الصحي، مُشدّدا على أنه "من الصعب جدا تعويض خدماتنا، سواء من خلال الجهود الإغاثية أو الصحية الأخرى، نظرا لحجم العمليات التي تقدمها (أطباء بلا حدود)".


وإلى نص المقابلة الخاصة مع "عربي21":

بداية، ما تعقيبكم على قرار إسرائيل بوقف أنشطة منظمة "أطباء بلا حدود" في قطاع غزة؟

منذ فرض السلطات الإسرائيلية الشروط الجديدة المتعلقة بتجديد تسجيل المنظمات الإنسانية، أوضحت "أطباء بلا حدود" أن ربط استمرار عملها بمشاركة بيانات وأسماء موظفيها يتعارض مع التزامات أساسية منصوص عليها في القانون الدولي الإنساني، ولا سيما واجب حماية العاملين في المجال الطبي وضمان استقلالية العمل الإنساني.

وقد نبّهنا منذ البداية إلى أن عدم الامتثال لهذه الشروط سيؤدي إلى عدم تجديد تسجيل المنظمة، ما يعني عمليا إنهاء عملياتنا في غزة والأراضي الفلسطينية مع نهاية شهر شباط/ فبراير. وعليه، فإن القرار المُتخذ أمس الأحد ليس إجراءً مفاجئا، بل نتيجة لمسار قانوني وإداري تم التحذير من تبعاته مسبقا.
إن أي خطوة تؤدي إلى عرقلة عمل منظمة طبية إنسانية محايدة في سياق نزاع مسلح تُعرّض حياة المدنيين للخطر، وتُشكّل انتهاكا لواجب ضمان وصول الرعاية الطبية دون عوائق، كما يفرضه القانون الدولي الإنساني.

ما الدوافع القانونية والإنسانية التي استندت إليها منظمة "أطباء بلا حدود" في رفضها مشاركة قوائم موظفيها مع إسرائيل؟ ولماذا تخشون مشاركة هذه القوائم؟

يستند موقف "أطباء بلا حدود" إلى اعتبارات إنسانية وقانونية أساسية، في مقدمتها واجب حماية موظفيها في سياق يشهد تصاعدا غير مسبوق في استهداف العاملين في القطاع الصحي. في ظل غياب ضمانات ملموسة بشأن كيفية استخدام هذه البيانات، تخشى المنظمة أن تؤدي مشاركة القوائم إلى تعريض موظفيها الفلسطينيين والدوليين لمخاطر جسيمة، وهو ما يتعارض مع مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية تجاه سلامتهم.

وقرارنا يأتي في وقت عبّرنا فيه مرارا وتكرارا عن بالغ قلقنا إزاء استهداف الطواقم الطبية، حيث قُتل نحو 1700 من العاملين في القطاع الصحي، من بينهم 15 موظفا تابعون لمنظمة "أطباء بلا حدود"، وفي ظل غياب أي ضمانات أو شفافية بشأن كيفية استخدام البيانات، سواء من حيث تخزينها أو توظيفها لأغراض إدارية، وبالتالي فنحن نؤكد أننا لم ولن نشارك أسماء موظفينا، حفاظا على سلامتهم وسلامة الطواقم الطبية، وبما يتماشى مع القانون الدولي الإنساني، ومع مبادئ الحياد والاستقلالية التي تحكم عملنا الإنساني.

كيف ينعكس غياب الضمانات الأمنية على قدرة المنظمات الإنسانية على العمل باستقلالية في مناطق النزاع؟ وما الضمانات التي تطالبون بها بشكل محدد؟

غياب الضمانات الأمنية يضع المنظمات الإنسانية أمام ضغوط تمس استقلاليتها، ويقوّض قدرتها على اتخاذ قرارات إنسانية خالصة بعيدا عن أي إملاءات سياسية أو أمنية. "أطباء بلا حدود" طالبت بضمانات واضحة، تشمل استخدام أي معلومات حصريا لأغراض إدارية مُعلنة، وعدم تعريض أي موظف للخطر، والحفاظ على السيطرة الكاملة للمنظمة على شؤون الموارد البشرية والإمدادات الطبية، إضافة إلى وقف أي إجراءات أو مواد قد تسيء لسمعة المنظمة أو تهدد سلامة طواقمها.

إلى أي مدى يُعدّ طلب مشاركة البيانات الشخصية للموظفين خرقا لمبادئ العمل الإنساني؟

مشاركة البيانات الشخصية في سياق نزاع مسلح، دون ضمانات واضحة، قد تُشكّل خرقا عمليا لمبادئ العمل الإنساني، خصوصا مبدأي الحياد وحماية العاملين. أي إجراء قد يؤدي إلى تعريض الطواقم للخطر أو المساس بثقة المجتمعات المحلية في استقلالية المنظمات الإنسانية يُهدّد جوهر هذه المبادئ.

هل تلقيتم أي رد من قِبل إسرائيل تجاه موقف "أطباء بلا حدود"؟

حتى الآن، لم تتلق "أطباء بلا حدود" ردا يوفّر ضمانات ملموسة تلبي الشروط التي طرحتها. المنظمة لا تزال منفتحة على الحوار حتى الآن، لكنها لم تتوصل إلى تفاهم يضمن سلامة موظفيها واستقلال عملياتها، ونؤكد أن استمرار غياب الرد على أسئلتنا المشروعة يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية واضحة. إن عدم تمكين القطاع الإنساني من أداء مهامه يُشكّل معضلة كبرى لسكان قطاع غزة، ويحرم نسبة واسعة منهم من الوصول إلى الخدمات الأساسية التي ما تزال تُقدّم إلى الآن.

ما توقعاتكم لرد فعل إسرائيل تجاه الخطوة الأخيرة التي أقدمت عليها المنظمة؟

من الصعب التكهن بردود الفعل المستقبلية، لكن استمرار غياب التفاهم قد يؤدي إلى مزيد من القيود الإدارية أو التشغيلية. ما يهم "أطباء بلا حدود" هو تجنب أي خطوات من شأنها أن تؤثر سلبا على قدرتها على تقديم الرعاية الطبية المنقذة للحياة.


هل بات طرد "أطباء بلا حدود" من الأراضي الفلسطينية أمرا لا مفر منه؟

الطرد ليس حتميا، لكنه خطر حقيقي في حال لم يتم التوصل إلى حل قبل انتهاء المهلة القانونية الحالية. المنظمة تحذر من أن أي قرار بإنهاء عملياتها سيكون له أثر إنساني مدمر على السكان الذين يعتمدون على خدماتها؛ فمنظمة "أطباء بلا حدود" تعمل في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، وقد قدّمت أكثر من 800 ألف استشارة طبية، ونحو 23 ألف عملية جراحية، كما تزوّد السكان بأكثر من نصف مليون لتر من المياه. وتأتي هذه الإجراءات الاضطرارية في ظل شتاء قارس للغاية، ونظام صحي متهالك يرزح تحت ضغط غير مسبوق.

إن عدم تمكيننا من الوجود والعمل داخل الأراضي الفلسطينية يخلق خطورة بالغة جدا على السكان في غزة والضفة، ويقوّض قدرتنا على تقديم الخدمات الطبية والإنسانية التي تضطلع بها "أطباء بلا حدود"، خاصة أن منظمتنا تشارك في نحو ثلث حالات الولادة داخل قطاع غزة، فضلا عن تقديم أكثر من 23 ألف عملية جراحية، ويقدم أطباؤنا وفرقنا الطبية الرعاية لواحد من كل خمسة مرضى في مستشفيات غزة، إلى جانب تدخلات إغاثية أخرى هامة داخل القطاع، وهو ما يوضح حجم الدور الحيوي الذي نقوم به.


ما العلاقة بين تصاعد الاعتداءات على العاملين في القطاع الصحي وبين موقف "أطباء بلا حدود" من القرار الإسرائيلي؟

تصاعد الاعتداءات على العاملين الصحيين هو عامل أساسي في موقف المنظمة. في بيئة يتزايد فيها استهداف الطواقم الطبية، تصبح حماية الموظفين أولوية قصوى، وأي إجراء قد يرفع مستوى المخاطر عليهم غير مقبول.

كيف يمكن تفسير قرار السلطات الإسرائيلية إنهاء تسجيل المنظمة في هذا التوقيت تحديدا؟

يأتي القرار في سياق تغييرات تنظيمية أُعلن عنها سابقا، شملت فرض متطلبات جديدة لتسجيل المنظمات الإنسانية، من بينها طلب مشاركة أسماء الموظفين المحليين والدوليين. انتهاء تسجيل "أطباء بلا حدود" السابق ترافق مع هذه الإجراءات، ما يضع مستقبل عملياتها أمام تحدٍ قانوني وإداري واضح، ويثير مخاوف جدية بشأن استقلالية العمل الإنساني وسلامة العاملين.

ما المخاطر المحتملة لاستخدام المعلومات الشخصية للموظفين خارج الإطار الإداري المُعلن؟

استخدام هذه المعلومات خارج الإطار الإداري قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة، تشمل الترهيب أو الاعتقال أو الاستهداف المباشر للموظفين، وهو ما لا يمكن للمنظمة القبول به تحت أي ظرف.

كيف أثّرت مشاورات المنظمة مع موظفيها الفلسطينيين على صياغة موقفها النهائي؟

مشاورات "أطباء بلا حدود" مع موظفيها الفلسطينيين كانت محورية، وأسهمت في التأكيد على أن أي مشاركة للمعلومات لا يمكن أن تتم دون موافقة صريحة من الأفراد المعنيين، ومع ضمانات حقيقية لسلامتهم.

ما دلالات عرض المنظمة مشاركة قائمة "محدودة واستثنائية" من الأسماء، وما الشروط التي رافقت هذا العرض؟

هذا الطرح جاء في إطار محاولة استثنائية لتقليل الضرر والحفاظ على استمرار تقديم الرعاية الطبية، وكان مشروطا بضمانات واضحة تتعلق بالاستخدام الحصري للمعلومات، وعدم تعريض أي موظف للخطر، والحفاظ على استقلالية المنظمة التشغيلية.

كيف يعبّر وصف "الخيار المستحيل" – الذي أشرتم له في بيانكم الأخير - عن طبيعة الضغوط المفروضة على المنظمات الإنسانية في غزة؟

يعبّر هذا الوصف عن معضلة حقيقية بين خيارين كلاهما بالغ الخطورة: إما مشاركة معلومات حساسة عن الموظفين، أو التوقف عن تقديم رعاية طبية منقذة للحياة في سياق إنساني كارثي.

ما الآثار الإنسانية المتوقعة في حال طُردت أطباء بلا حدود من غزة والضفة الغربية؟

الآثار ستكون مُدمّرة جدا، في ظل احتياجات إنسانية هائلة وانهيار شبه كامل للنظام الصحي. غياب "أطباء بلا حدود" سيحرم مئات الآلاف من الوصول إلى خدمات طبية أساسية.

ما تأثير شلل النظام الصحي - خصوصا توقف الخدمات المتخصصة - على مستقبل الرعاية الصحية في غزة؟

شلل النظام الصحي وتوقف الخدمات المتخصصة، مثل علاج الحروق، وتقديم الخدمات الصحية للأطفال والأمهات، والعمليات الجراحية، والاستشارات الطبية، إضافة إلى توزيع المياه النظيفة، سيؤدي إلى ارتفاع الوفيات والإعاقات التي يمكن تفاديها، ويقوّض أي أفق لإعادة بناء منظومة رعاية صحية فعالة في المستقبل القريب.

إلى أي حد يمكن تعويض خدمات "أطباء بلا حدود" في حال توقف عملياتها، ولماذا؟

من الصعب جدا تعويض هذه الخدمات، سواء من خلال الجهود الإغاثية أو الصحية الأخرى، نظرا لحجم العمليات التي تقدمها "أطباء بلا حدود"، ولأن الجهات العاملة في القطاع الصحي تعمل في ظروف شديدة القسوة ضمن نظام صحي منهك ومحدود الموارد. إضافة إلى ذلك، فإن توقف عمليات المنظمة سيعرّض آلاف الأشخاص في غزة والضفة الغربية لخطر فقدان الوصول إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية الأساسية.

ما الرسالة الأساسية التي تسعى منظمة "أطباء بلا حدود" إلى إيصالها من خلال هذا الموقف؟

الرسالة الأساسية هي أن سلامة الموظفين غير قابلة للمساومة، وأن "أطباء بلا حدود" ملتزمة بمواصلة تقديم الرعاية الطبية المنقذة للحياة، لكن دون التخلي عن مبادئها الإنسانية أو تعريض طواقمها للخطر. وفي هذا السياق، تؤكد المنظمة أنها لن تشارك أسماء موظفيها مع السلطات الإسرائيلية في ظل الظروف الحالية، وفي غياب ضمانات كافية وملموسة تضمن سلامة العاملين واستقلالية العمل الإنساني، مع بقائها منفتحة على الحوار للوصول إلى حل يحقق ذلك.

ونشدّد، كما أكدنا مرارا في السابق، على ضرورة إبعاد العمل الإنساني عن أي تسييس أو إقحام في قضايا سياسية، وضرورة تمكين العاملين في القطاع الإنساني من العمل بحرية كاملة، وفق المعايير المهنية والإنسانية المعروفة والمتوافق عليها دوليا.