في ظل تصاعد التوتر بين الحكومة السورية وقوات
سوريا الديمقراطية «
قسد»، وتزايد المؤشرات على احتمال انزلاق المشهد إلى مواجهة مفتوحة، تتكاثر الأسئلة حول مصير اتفاق العاشر من آذار/مارس، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة وتركيا والاحتلال الإسرائيلي، في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
في هذا الحوار مع موقع "عربي21"٬ يقدم اللواء المتقاعد محمد عباس، الخبير العسكري السوري، قراءة شاملة لتطورات الوضع الميداني والسياسي، متوقفا عند جذور الخلاف بين دمشق و«قسد»، وخلفيات الموقف الإسرائيلي، ومخاطر التفكيك الطائفي، إضافة إلى رؤيته لمستقبل الدولة السورية وإمكانات السلام والاستقرار.
هل فشل اتفاق آذار؟
وحول ما إذا كان الاتفاق قد فشل، يؤكد عباس أنه لا يمكن الجزم بانهياره، لكنه شدد على أن الاتفاق بحاجة إلى “منتج نهائي”، أي صيغة تنفيذية ترضي الطرفين وتؤدي إلى دمج حقيقي للمناطق الشرقية (الحسكة، القامشلي، دير الزور، الرقة) ضمن الدولة السورية، مدنيا وعسكريا وإداريا.
وحذر من أن الإعلان عن فشل الاتفاق يعني عمليا الانتقال إلى الخيار العسكري، وهو سيناريو غير مرغوب فيه بعد أكثر من 15 عاما من الحرب، مشددا على أن الحل السياسي والحوار يبقيان الخيار الأفضل.
يتوقف اللواء عباس عند اتهامات متبادلة بين الطرفين، تتعلق بشكل الدولة السورية مستقبلا، حيث تتطلع «قسد» إلى فيدرالية أو لامركزية سياسية، فيما ترفض الحكومة أي صيغة تفرض بالقوة.
وأوضح أنه يؤيد اللامركزية الإدارية، لكنه يرفض فرض الفيدرالية أو اللامركزية السياسية بقرار عسكري أو تفاوضي مغلق، مؤكدا أن أي نظام سياسي يجب أن يحسم عبر استفتاء شعبي يعكس إرادة السوريين بعد سقوط النظام السابق.
وأشار إلى أن الحرب الطويلة فتحت المجال أمام طرح مشاريع تفكيكية كأوراق تفاوضية، مؤكدا أن الأكراد مكون أصيل من المجتمع السوري، منتشرون في كل الجغرافيا السورية، وليسوا كتلة جغرافية منفصلة.
الدور التركي والأمريكي والإسرائيلي
ويقر اللواء عباس بوجود ضغط تركي على «قسد»، معتبرا أن أنقرة ترى في أي كيان كردي مسلح على حدودها الجنوبية تهديدا مباشرا لأمنها القومي.
وفي المقابل، اعتبر أن الدعم الأمريكي يشكل ركيزة أساسية لتمسك «قسد» بمواقفها، مشيرا إلى وجود خيار إسرائيلي بديل تلوّح به تل أبيب عبر خطاب “حماية الأقليات”.
وحذر عباس من خطورة هذا الدور، مؤكدا أن تل أبيب لا تخفي نواياها بتفكيك سوريا، مستشهدا بتصريحات رئيس وزراء
الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي أعلن صراحة أنه لا يريد سوريا قوية وموحدة على حدوده الشمالية.
الاحتلال ومشروع التفكيك… بدأ 1948
يستعرض اللواء عباس الخلفية التاريخية للمشروع الإسرائيلي، مشيرا إلى أن فكرة تفكيك الدول العربية تعود إلى عام 1948، حين قال دافيد بن غوريون إن إسرائيل ستنتصر على العرب “بغبائهم وضعفهم”.
وأشار إلى وثيقة «كيفونيم» عام 1981، ووثيقة نتنياهو «Clean Break» عام 1996، وخرائط رالف بيترز في «حدود الدم»، وصولا إلى أطروحات برنارد لويس وصمويل هنتنغتون، التي رأت في سوريا بوابة لإضعاف العالم الإسلامي.
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى اليوم إلى إعادة إنتاج هذه المشاريع عبر دعم النزعات الطائفية والانقسام المجتمعي، واستخدام خطاب حماية الأقليات كغطاء للتدخل.
بحسب عباس، فإن اعتماد «قسد» على الدعم الأمريكي، وتلميحات الدعم الإسرائيلي، يشكل تهديدا مباشرا للسيادة السورية، موضحا أن تل أبيب تعمل على بناء نفوذ داخل سوريا عبر الاستثمار في الانقسامات المجتمعية، لا سيما في الجنوب والسويداء.
وأشار إلى اجتماع عقد في تل أبيب للأقليات السورية، واعتبره غير بريء، هدفه تقديم إسرائيل كـ«حامية للأقليات»، وهو توصيف وصفه بالتجني، مؤكدا أن ما يحمي الأقليات هو التكامل الوطني وليس التدخل الخارجي.
السويداء.. استثمار الاحتلال في الجراح
وحول أحداث السويداء، أقر اللواء عباس بوقوع أخطاء من جميع الأطراف، مشيرا إلى سقوط قتلى وحدوث انتهاكات وثقتها منظمات دولية، لكنه شدد على أن ما جرى كان يمكن تجاوزه ولا يزال قابلا للاحتواء.
وأكد أن الاحتلال يحاول استثمار هذه الأحداث لفرض حضوره جنوبا، وخلق واقع نفوذ يمتد من القنيطرة ودرعا والسويداء، وربما أبعد من ذلك.
وعن دعوات بعض الشخصيات المحلية للاستقواء بتل أبيب وصف عباس أي اتصال مع الاحتلال بأنه مرفوض وطنيا وأخلاقيا، محذرا من خطورة الخطاب الطائفي والتحريضي المنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأكد أيضا أن هذا الخطاب، الذي يكفر جميع مكونات المجتمع، يخدم أجندات خارجية، وعلى رأسها ما وصفه بـ«الذباب الإلكتروني» ووحدات الحرب النفسية الإسرائيلية.
جيش من لون واحد لا يحمي وطنا
وشدد اللواء عباس على أن الجيش السوري لا يمكن أن يكون جيش فئة أو لون واحد، مؤكدا أن الجيش الوطني الحقيقي يجب أن يعكس كل أطياف المجتمع السوري.
واستخدم استعارة «قوس قزح السوري» ليصف التعددية، معتبرا أن قوة سوريا تكمن في تنوعها وتلاحمها، لا في الإقصاء أو التفوق القسري.
وعن المفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، أبدى عباس أملا حذرا، معتبرا أن السلام حاجة ملحة، لكنه رهان صعب في ظل إصرار الاحتلال على الاحتفاظ بالجولان وجبل الشيخ، وفرض مناطق منزوعة السلاح.
وأكد أن تل أبيب تستغل ضعف سوريا العسكري الحالي، لكن الشعب السوري قادر، بإرادته الوطنية، على حماية بلاده ومنع تكرار سيناريوهات التفكيك.
يخلص اللواء محمد عباس إلى أن سوريا تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم: إما دولة مواطنة موحدة تقوم على الحقوق المتساوية والتكامل المجتمعي، أو الانزلاق إلى مشاريع التفكيك التي يعمل عليها الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود.
ويؤكد أن لا خلاص لسوريا إلا بالحوار، ودمج جميع المكونات ضمن دولة واحدة، وقطع الطريق على أي تدخل خارجي يستثمر في الدم والانقسام.