لنتخيل جزيرة إبستين الصغيرة "ليتل سانت جيمس" بمساحة 72 فدانا تقريبا، مزروعة بأشجار النخيل الطويلة، وفيها فلل فاخرة، ومقر رئيسي للإقامة، وبناء يشبه المعبد بقبة ذهبية.
إلى جانب ذلك، تضم الجزيرة مرافق خدمية وترفيهية، أرصفة على البحر لليخوت والمراكب، وحمامات سباحة، وعربات تشبه عربات الغولف للتنقل بين المرافق والتجول في الجزيرة.
قريبا منها "غريت سانت جيمس" وهي جزيرة أكبر من الأولى بحسب ما يظهر من اسمها، لكنها لم تكن مكان الإقامة الأساسي لإبستين وضيوفه.
وكان يعمل في الجزيرة التي اشتراها عام 1998، وفق أدنى التقديرات، عشرات الموظفين من خدم، وتقنيين، وحراس، وسائقين وطيارين، غير أن ما كان يجري فيها من ممارسات إبستين وضيوفه لم يخرج إلى العلن إلا بعد عام 2005، دون أن يكون ذلك نتيجة بلاغ أو وشاية من العاملين في الجزيرة.
السر في العقود
يكمن السر في اتفاقيات عدم الإفشاء الشائعة في الولايات المتحدة، وتعتبر سيفا مسلطا على رقاب الموظفين والعمال، بدعوى حماية حقوق رب العمل وأسراره.
اتفاقية عدم الإفشاء (NDA)، ويشار إليها بأسماء واختصارات عدة، لكنها تؤدي نفس الغرض القانوني، هي اتفاق لتقييد وصول معلومات بين طرفين (رب العمل والموظف) لطرف ثالث (السلطات، المنافسون، وغيرهم).
ويلزم الاتفاق الطرف الثاني بعدم مشاركة أي معلومات أو إفشائها بأي شكل من الأشكال تحت طائلة الغرامة، والتي غالبا ما تكون مبالغ مالية كبيرة لا يستطيع الطرف الثاني تحملها بحال من الأحوال.
وأفاد العديد من العمال لوكالة "أسوشيتد برس" أنهم أُجبروا على توقيع اتفاقيات عدم إفشاء للعمل لدى إبستين.
لماذا لم يتكلم أحد؟
تقول مجلة
فوربس إن أكثر من 70% من العمال الذين يبلغون عن إساءة يتعرضون للانتقام بطريقة ما، إما الطرد من العمل، أو تخفيض الراتب، أو تقليل عدد ساعات العمل، والحرمان من الترقية، أو اتخاذ إجراء قانوني بحقهم.
وتنقل عن جويل جوينسكي المؤسسة المشاركة لمنظمة
liftourvoices إن أكثر من 80% من الموظفين الأمريكيين ملزمون بالتحكيم القسري، الذي يمنع الموظف من اللجوء للقضاء أو المشاركة في دعاوى جماعية كشرط للتوظيف، وأكثر من ثلثهم ملزمون باتفاقيات عدم الإفشاء.
وتقول المنظمة إن قرابة نصف الولايات الأمريكية لا تملك قوانين تحكم اتفاقيات عدم الإفشاء في أماكن العمل.
وعلى سبيل المثال، أجبر موظفون تعرضوا للإيذاء من قِبل المنتج السينمائي هارفي واينستين، على التفاوض على اتفاقية عدم الإفشاء مع الشركة لتضمنها بنودا تمنعهم ليس فقط من الإفصاح عما تعرضوا له، بل أيضا من التحدث إلى طبيب أو مستشار دون توقيع هؤلاء أيضا على اتفاقية عدم إفشاء، وطُلب منهم بذل قصارى جهدهم لعدم الإفصاح عن أي شيء في دعوى مدنية أو جنائية تُرفع ضد واينستين.
كيف انكشف أمره؟
في آذار/مارس 2005، بدأت الشرطة في بالم بيتش بولاية فلوريدا التحقيق مع إبستين بعد بلاغ تقدمت به عائلة فتاة تبلغ من العمر 14 عامًا أفادت بتعرضها للتحرش في قصره، فيما أبلغت لاحقا عدة فتيات قاصرات، كثيرات منهن طالبات في المرحلة الثانوية، الشرطة بأن إبستين كان يستأجرهن لتقديم جلسات تدليك ذات طابع
جنسي، لتتدحرج القضية حتى انتحاره في محبسه عام 2019.
شهادات متأخرة
قال أحد العاملين السابقين لدى إبستين، لوكالة
بلومبيرغ، إن الموظفين على الجزيرة كانوا مُلزمين بارتداء قمصان بولو سوداء أو بيضاء، وكان عليهم الاختفاء في حضوره بحيث لا يراهم.
وجاءت شهادة الموظف في تموز/ يوليو 2019، أي بعد القبض على إبستين، وقبل انتحاره.
وأفاد الموظف السابق، الذي لم يذكر طبيعة عمله، أن مكتب إبستين كان منطقة محظورة تماما، إلا من مدبرة المنزل في حالات ضيقة.
وأشار الموظف إلى أن إبستين كان يتجول عاري الصدر مرتديا بنطالا قصيرا، ونعالا، مع موسيقى تأملية تعزف في المنطقة حول المنزل الرئيسي والمسبح، حيث كانت النساء عاريات تحت أشعة الشمس.
وفي حديث لشبكة "
إن بي سي" الأمريكية، قال ستيف سكالي، وهو عامل في مجال تكنولوجيا المعلومات عمل في جزيرة إبستين من عام 1999 إلى عام 2006، إنه كان يرى هناك شابات كثيرًا، وكان المنزل الرئيسي مليئًا بصور لفتيات عاريات الصدر في غرفة النوم الرئيسية، والمكتب، وصالة الألعاب الرياضية.
ونشرت تصريحات سكالي في 13 آب/ أغسطس 2019 أي بعد انتحار إبستين.
وأعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها أزالت مؤقتا بعض الملفات المنشورة المتعلقة بإبستين، بدعوى أنها تتضمن معلومات تخص بعض الضحايا.
وأفادت الوزارة في بيان، أنها سحبت مؤقتا عن الرأي العام، وأوضحت أن سبب إزالة الوثائق يعود إلى احتوائها على معلومات تخص بعض الضحايا.
ووصفت نشر المعلومات الحساسة التي أثارت ردود فعل من الضحايا ومحاميهم، على أنه "خطأ تقني أو بشري".