محلل إسرائيلي: إيران تفاوض واشنطن تحت التهديد والفجوة واسعة

إيران اشترطت حصر أي مفاوضات بالملف النووي ورفضت بشكل قاطع إدراج الصواريخ الباليستية- جيتي
قال الكاتب والمحلل الإسرائيلي تسفي برئيل إن إيران وافقت على خوض مفاوضات مع الولايات المتحدة تحت وطأة التهديد العسكري، غير أن الفجوة بين الطرفين ما تزال واسعة، في ظل غموض يحيط بشكل وهيكل المحادثات المتوقع انطلاقها غدا في سلطنة عُمان.

وأوضح برئيل في مقال نشرته صحيفة "هارتس" الإسرائيلية أنه لم يتضح حتى الآن من سيشارك في هذه المحادثات، ولا القضايا التي ستُدرج على جدول أعمالها، أو المدة الزمنية لانعقادها.

وكان قد بدا، الجمعة الماضي، أن اتفاقا أوليا قد أُبرم بشأن عقد الاجتماع في إسطنبول، حيث زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تركيا، والتقى نظيره التركي هاكان فيدان والرئيس رجب طيب أردوغان.

ونقلت مصادر تركية أن الاتفاق شمل رعاية أردوغان لاجتماع متعدد الأطراف، يضم إلى جانب ممثلين عن الولايات المتحدة وإيران، ممثلين عن السعودية وقطر وباكستان ومصر والإمارات العربية المتحدة، إلا أن إيران عادت لاحقا وطلبت نقل مكان الاجتماع من إسطنبول إلى مسقط، دون تقديم أي تفسير رسمي من جانبها أو من تركيا أو الولايات المتحدة.


وقال معلق تركي يعمل في وسيلة إعلامية تُعد معارضة للحكومة في أنقرة لصحيفة هآرتس: "فوجئت تركيا بالقرار، بل وشعرت بخيبة أمل"، مضيفا أن الاجتماع كان من المفترض أن يشكل استعراضا دبلوماسيا مهما لأردوغان، الذي يعمل منذ بداية الأزمة مع إيران على دفع مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران.

ورأى المعلق أن التراجع الإيراني نابع من خشية طهران من أن تُجبر، في إطار منصة متعددة الأطراف، على مناقشة قضايا تعتبرها خارج نطاق التفاوض، مثل خفض عدد الصواريخ الباليستية وقطع العلاقات مع حلفائها في لبنان والعراق واليمن.

ومع ذلك، أشار التحليل إلى أن إيران لم تكن بحاجة إلى تغيير مكان انعقاد الاجتماع لتحديد إطار المفاوضات، مرجحا أنها سعت إلى تقديم اللقاء الحالي بوصفه استمرارا للجولات الخمس التي عقدتها مع الولايات المتحدة في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025، وليس كمفاوضات جديدة ذات جدول أعمال واسع.

ورغم ذلك، لم يُحسم نهائيا مكان انعقاد الاجتماع ولا تشكيل الوفود، في وقت أبدت فيه واشنطن استعدادا لعقد اللقاء في عُمان، فيما أفاد موقع أكسيوس بأن الولايات المتحدة ما تزال تصر على عقده في تركيا.

وفي حال التوصل إلى اتفاق وعقدت المحادثات في مسقط، يتوقع الكاتب أن يتركز الاجتماع على قضيتين رئيسيتين: خفض عتبة التهديد العسكري الأمريكي، وحصر المفاوضات في الملف النووي دون غيره، وهما شرطان أساسيان وضعتْهما طهران للموافقة على الحوار.

وأكد قادة إيرانيون في هذا السياق: "لن نتفاوض تحت التهديد"، مشددين على أن ملف الصواريخ الباليستية غير مطروح للنقاش إطلاقا.

وعند وصوله إلى عُمان للمشاركة في مفاوضات مع الولايات المتحدة في أيار/مايو، صرح عراقجي بأن إيران تسعى إلى تقديم الاجتماع الحالي بوصفه امتدادا للجولات الخمس السابقة.

في المقابل، تبدو الهوة بين مواقف واشنطن وطهران كبيرة، لا سيما بعد تصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن المفاوضات يجب أن تشمل أيضا قضية الصواريخ وعلاقات إيران مع حلفائها والمنظمات الإرهابية الإقليمية.

ورغم ذلك، يشير الكاتب إلى أن طهران، على الرغم من خطابها، توافق فعليا على التفاوض تحت تهديد عسكري كبير، وأن سعيها لرفع العقوبات يفرض عليها مناقشة قضايا أخرى تطالب بها الولايات المتحدة.

ويرى الكاتب أن تضييق هذه الفجوة قد يمر عبر الاتفاق على آلية لإدارة المفاوضات ضمن إطار "خطوة بخطوة"، اقترحها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وتحظى بقبول السعودية وقطر ومصر، وربما إيران أيضا.


ويقضي هذا الإطار بتحديد مراحل زمنية واضحة تُلزم إيران بتنفيذ إجراءات متفق عليها، من بينها تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة إلى دولة ثالثة فور بلوغ مرحلة محددة.

وعرضت روسيا بالفعل استضافة شحنة اليورانيوم هذه، فيما نقل مصدر تركي للصحيفة أن أنقرة قد تقدم عرضا مماثلا.

وأضاف الكاتب أنه في المرحلة الثانية سيُطلب من إيران السماح بعودة جميع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن تُدمّر في المرحلة الثالثة ما تبقى من مرافق التخصيب النووي لديها.

وفي المقابل، ستطالب إيران برفع تدريجي ومتفق عليه للعقوبات الأمريكية، إضافة إلى إلغاء العقوبات الدولية المفروضة عليها بموجب بند "العودة التلقائية" المنصوص عليه في الاتفاق النووي الموقع عام 2015.

وقبل كل ذلك، سيطالب الإيرانيون بإزالة التهديد الأمريكي بالهجوم، وسط مخاوف من أن يمنح اتفاق إطاري كهذا النظام الإيراني هامشا للمناورة، ويضعف تأثير الضغط العسكري الذي أتاح أساسا إمكانية التفاوض.

وفي ظل التباين بين الخشية من "صفقة سيئة" تخدم إيران، والاعتقاد بأن الحرب الشاملة هي السبيل الوحيد لتحقيق نتائج ملموسة، يتوقع برئيل أن تلعب الدول العربية وتركيا دورا محوريا. وفي هذا السياق، زار أردوغان السعودية قبل يومين والتقى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، قبل أن يتوجه في اليوم التالي إلى مصر ويجري محادثات مطولة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وعلى الرغم من أن هذه اللقاءات عُرضت رسميا في إطار التعاون الاستراتيجي، فإن جوهرها تمحور حول الحرب المحتملة ضد إيران وسبل تجنبها والتداعيات الإقليمية المتوقعة.

ولفت التحليل إلى أن هذه الدول حظيت بتقدير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي استمع إلى مواقفها، لكنها لم تنجح حتى الآن في إقناع إيران بالقبول ولو بجزء من شروط واشنطن.


وفي الوقت ذاته، أدركت طهران أن محاولاتها الأخيرة لتحسين علاقاتها مع السعودية والإمارات وتعزيز علاقاتها مع مصر لم تشكل مظلة حماية كافية، كما أن شركاءها الاستراتيجيين، الصين وروسيا، لم يصمدوا في اختبار الدفاع عنها، لا خلال حرب الأيام الاثني عشر ولا في ظل التهديد الأمريكي الحالي.

وأكد الكاتب أن الولايات المتحدة وإيران تجريان حوارا ثنائيا غير متكافئ، يهدد فيه بقاء النظام الإيراني في مواجهة المصالح الإقليمية الأمريكية، من دون يقين حول الطرف الذي سيتراجع أولا.