أكد المحلل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" رون بن يشاي، أن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن مهاجمة
إيران، وتوقيت هذا القرار، لا يزالان غير محسومين، مشيرًا إلى أن مجموعة من الأسئلة الأساسية ستحدد ما إذا كان الهجوم سيقع ومتى سيحدث.
وأوضح بن يشاي أنه، سواء رغبت "
إسرائيل" في ذلك أم لا، فإن الواقع يشير إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يسيطر فقط على أجندة الأمن القومي الإسرائيلي، بل يملي أيضًا على الحكومة الإسرائيلية الخطوات التي يتعين عليها اتخاذها في القضايا الأمنية والسياسية الحساسة.
وأضاف أن ترامب يدرك أن هذه الخطوات تضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في كثير من الأحيان أمام تحديات سياسية داخلية، وقد تهدد بتفكك الائتلاف الحكومي.
وأشار إلى أن هذا الواقع يفسر، إلى حد كبير، غياب مجلس الوزراء الإسرائيلي بأكمله عن نقاش حقيقي حول القضايا المركزية، وفي مقدمتها الملف الإيراني والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب المتعلقة بقطاع غزة.
وبيّن المحلل العسكري أن السؤال الأكثر إلحاحًا لدى الرأي العام الإسرائيلي يتمثل في معرفة ما الذي سيحدث ومتى، في حال شنت
الولايات المتحدة هجومًا على إيران، أو إذا بادرت
طهران إلى توجيه ضربة استباقية تلحق ضررًا كبيرًا بـ"إسرائيل" قبل تعرض النظام الإيراني لهجوم مباشر. وأضاف أن هذا القلق يتجسد في تساؤلات تتعلق بإمكانية عودة صفارات الإنذار في ساعات الليل، والاضطرار المتكرر إلى التوجه نحو الملاجئ والتحصينات.
وأكد بن يشاي أن جميع المؤشرات تدل على أن أحدًا لا يملك إجابة واضحة عن هذه التساؤلات، بما في ذلك الرئيس ترامب نفسه، الذي تُظهر التجربة أنه يتخذ قراراته في اللحظة الأخيرة، وحتى حينها قد لا تكون نهائية. ولفت إلى أن خطاب نائب الرئيس الأميركي جيه. دي. فانس، الذي ألقاه يوم السبت، عكس بدوره حالة الغموض السائدة، مشيرًا إلى أن البنتاغون والقيادة المركزية الأمريكية لم يتلقيا أوامر سوى بالاستعداد، من خلال تجهيز قوة بحرية وجوية كبيرة قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة ضد إيران إذا صدرت التعليمات، إلى جانب الاستعداد للدفاع عن الجنود والقواعد والمصالح الأمريكية وحلفائها في الشرق الأوسط، ومن ضمنهم "إسرائيل".
وأوضح أن هذه الاستعدادات، ولا سيما في ما يتعلق بالدفاع المشترك ضد أي هجوم انتقامي إيراني باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، كانت محور المحادثات بين قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال براد كوبر ورئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الفريق إيال زامير. ورجّح أن الجانبين بحثا أيضًا سبل التعاون الاستخباراتي في حال تنفيذ هجوم أمريكي محتمل، وكذلك آلية انضمام سلاح الجو الإسرائيلي إلى الحملة الهجومية في حال تعرض إسرائيل لهجوم.
وأضاف أن غياب قرار رئاسي نهائي دفع القائدين العسكريين إلى إجراء ما يصفه جيش الاحتلال بـ"مناقشة استراتيجية للوضع والرد"، على أن تُستكمل تفاصيلها لاحقًا. ولفت إلى ما نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" حول مطالبة ترامب للبنتاغون والقيادة المركزية بوضع خطة تفضي إلى "حسم واضح"، مشيرًا إلى أن مفهوم "الحسم" بالنسبة لترامب لا يزال غير محدد، سواء من حيث طبيعة النتائج المرجوة أو شكل التغيير المطلوب داخل إيران.
وعدد بن يشاي خمسة أسئلة رئيسية تشكل جوهر معضلة القرار الأميركي. يتمثل السؤال الأول في مدى إمكانية تحقيق سقوط النظام الإيراني، أو على الأقل إضعافه بشكل كبير، من خلال ضربة نارية قوية ودقيقة ومحدودة زمنيًا. أما السؤال الثاني فيتعلق بوجود قوى داخل إيران، سواء في النظام أو بين الشعب، قادرة على استغلال هذا الضعف لإسقاط النظام أو فرض تغيير جذري في سياساته الداخلية والخارجية، مستشهدًا بتجربة فنزويلا، حيث لم يسقط النظام رغم استهداف مادورو، بل تولى نائبه الحكم بعد أن قدم وعودًا مسبقة للولايات المتحدة.
أما السؤال الثالث فيتعلق بإمكانية مواصلة تصعيد التهديد العسكري لعدة أسابيع إضافية، بهدف دفع القيادة الإيرانية إلى قبول الشروط الأمريكية للدخول في مفاوضات بشأن رفع العقوبات وإنهاء التهديد العسكري، مع احتمال أن يختار الإيرانيون، بمن فيهم المرشد علي خامنئي، ما وصفه بـ"تسوية بطولية"، كما فعلوا في مراحل سابقة.
ويتناول السؤال الرابع جدوى استغلال النفوذ الأمريكي المتنامي في الشرق الأوسط، في حال تعذر إسقاط النظام بالقصف الجوي، لتوجيه ضربة تركز على تدمير ما تبقى من البرنامج النووي العسكري الإيراني، والبنية التحتية للصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة ومنشآت الإنتاج والمخزونات تحت الأرض، بهدف تحقيق ما لم يتحقق خلال "حرب الأيام الاثني عشر".
أما السؤال الخامس، الذي وصفه بالأهم، فيتعلق بمدى دقة المعلومات الاستخباراتية الأمريكية وقدرتها على تحقيق أحد الأهداف المطروحة، سواء إسقاط النظام أو إلحاق أضرار طويلة الأمد بالبنية التحتية العسكرية الإيرانية، إضافة إلى تقدير الثمن المتوقع من حيث الخسائر البشرية والدمار واضطراب إمدادات الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.
وأشار بن يشاي إلى أن ترامب، بعد امتناعه عن شن هجوم قبل أسبوعين، فقد عنصر المفاجأة، ومعه القدرة على إحداث تغيير جذري داخل إيران، مثل استهداف المرشد علي خامنئي، الذي كان حينها محصنًا داخل شبكة معقدة من المخابئ والأنفاق العميقة والمحصنة، تفوق من حيث التحصين تلك التي كان يمتلكها حسن نصر الله سابقًا.
وأضاف أن ترامب يبدو مدركًا لجميع هذه الاعتبارات، مشيرًا إلى أنه أثبت في السابق ميله للتفكير المتأني والتشاور قبل اتخاذ قرارات مصيرية، كما أنه لا يتردد في التراجع عن قراراته إذا تبين له أن كلفتها تفوق فوائدها. واستشهد بما حدث الأربعاء الماضي، عندما كانت الطائرات الأمريكية على وشك الإقلاع، قبل أن يتم التراجع عن الخطوة. وأكد أن ترامب لا يرغب في دفع ثمن عملية طويلة الأمد من أرواح الجنود الأميركيين والتكاليف الباهظة، ولا يزال بإمكانه إنهاء الحصار العسكري المفروض على إيران والعودة إلى المسار الدبلوماسي عبر مفاوضات يقودها ستيف ويتكوف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وفي السياق ذاته، شدد بن يشاي على أن الرأي العام الإسرائيلي ينبغي أن يكون على دراية بأن القوات التي نشرها البنتاغون ووضعها تحت إمرة القيادة المركزية الأمريكية ليست جاهزة بعد من الناحية العسكرية الاحترافية، موضحًا أن الأمر قد يستغرق ما بين أسبوع وثلاثة أسابيع لاستكمال الجاهزية، بسبب متطلبات الدعم اللوجستي وجمع المعلومات الاستخباراتية الأولية.
وختم المحلل العسكري بالإشارة إلى تساؤل آخر يتعلق برد الفعل الإيراني المحتمل، متسائلًا عما إذا كان النظام الإيراني سيسعى إلى الانتقام عبر مهاجمة إسرائيل، أو سيقتصر رده على استهداف القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة. واعتبر أن المؤشرات الحالية تفيد بأن إيران لا ترغب في مهاجمة إسرائيل، إدراكًا لقدرات سلاح الجو الإسرائيلي وتعزيز إسرائيل لقدراتها الدفاعية بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية ودول المنطقة، ما يجعل من غير المرجح أن تقدم طهران على خطوة كهذه طالما لا يزال لديها أمل في البقاء وتجنب منح إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها.