الاحتلال يخشى التفريط بمصالحه في غزة بسبب الضغوط الأمريكية

خلافات أمريكية إسرائيلية بخصوص المرحلة الثانية من اتفاق غزة- جيتي
في الوقت الذي تقدم فيه المبادرة الأمريكية لإعادة إعمار قطاع غزة لدولة الاحتلال مخرجًا من أعبائه الاقتصادية والمعيشية، لكنها تنطوي على خطر فقدانها السيطرة الأمنية، مما يجعلها تخشى أن تتحول رؤية إنشاء "ريفييرا في غزة" إلى ستار لتقوية حماس، الأمر الذي قد يستدعي منه الانتقال من موقف رد الفعل في صياغة آليات تنفيذ هذه المبادرة.

كيرين بن غال، باحثة الشئون الفلسطينية والشرق أوسطية في منظمة "مايند إسرائيل"، ذكرت أنه "كان من المفترض أن يُجسّد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة دافوس عن إنشاء "مجلس السلام"، الذي نُظر إليه في الغالب على أنه مبادرة فردية، الحلم الإسرائيلي، من حيث إطار دولي إقليمي بقيادة الولايات المتحدة يتحمل عبء غزة، وعلى عكس الأطر القائمة، لا ينزلق للعداء تجاه إسرائيل، ورغم ذلك فإن هذا الإعلان لا زال يحمل مرارة له".

وأضافت بن غال في مقال نشره موقع ويللا، وترجمته "عربي21" أن "إسرائيل لا تملك مصلحة أو قدرة على تحمل تكاليف إعادة بناء قطاع غزة وحدها، لاسيما مع تقدير المبلغ بـ 70 مليار دولار، ومن الأفضل لها أيضاً أن تنأى بنفسها عن جهود نزع سلاح القطاع علناً وعملياً، مع الحفاظ على مصالحها الأمنية "خلف الكواليس"، لذا، يُعدّ استعداد المجلس لتحمّل مسؤولية قطاع غزة تطوراً إيجابياً، يُمثّل تقدماً نحو المرحلة الثانية "رغم كل الصعاب".

وأوضحت الباحثة أنه "مع وضوح الإمكانات في الأفق، يبدو أن دولة إسرائيل تفقد السيطرة، فالوقائع تُحدّد على ما يبدو على الأرض دون علمها أو موافقتها؛ والقيود التي فرضتها تُهمَل؛ وهي تتفاعل مع التغييرات بدلاً من أن تكون في موقع القيادة، وقد يُحرمها هذا النمط من نفوذها على العمليات الجارية في القطاع، ويؤدي إلى نتيجة تُناقض أهدافها الاستراتيجية، الأمر الذي قد يتطلب منها أن تُعزّز موقفها في ساحة صنع القرار بشكل استباقي، وتضمن دمج خطوطها الحمراء في المصالح التي تُوجّه عمل المجلس".

وأكدت بن غال أنه "رغم الاعتراضات الإسرائيلية، تمضي الولايات المتحدة قدماً، ويتجلى ذلك في سلسلة أحداث مقلقة: بدءاً من إعلان البيت الأبيض عن إنشاء مجلس السلام، الذي ضم ممثلين عن قطر وتركيا؛ مروراً بتصريح ترامب بشأن ضرورة إدخال القوات التركية إلى القطاع؛ وصولاً إلى تصريح رئيس اللجنة الفنية الحكومية لغزة بشأن فتح معبر رفح، دون تنسيق مع إسرائيل".

وأشارت الكاتبة إلى أن "الوضع الحالي يزيد من عدم يقين إسرائيل بشأن القدرة على الحفاظ على مصالحه في ظل الضغوط الأمريكية الشديدة، صحيح أنه يفترض أن يعمل مجلس السلام بالتنسيق معه، ويأخذ في الحسبان شواغله الرئيسية، لكن الهيئة المسؤولة عن غزة تتكون من عدة مستويات، منها مجلس الإدارة، المهيمن عليه أمريكياً؛ ومجلس إدارة غزة، الذي يضم ممثلين عن تركيا وقطر ومصر والإمارات العربية المتحدة والأمم المتحدة؛ ولجنة فنية حكومية يفترض أن تكون محايدة، لكنها تضم أشخاصاً ذوي انتماء سياسي واضح لحركة فتح".

وأضافت أن "إنشاء قوة الاستقرار الدولية المفترض أن تساعد في نزع سلاح غزة، وحماية الحدود، يتأخر أيضاً، لعدم وجود دول مستعدة لإرسال جنود لتنفيذ هذه المهام، وفي هذه المرحلة، تستند الرؤية إلى قوة شرطة فلسطينية، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت ستمتلك القدرة أو الحافز اللازمين لتنفيذ مهامها بالكامل، وفي ضوء كل هذا، قد يتحول مجلس السلام من سيناريو مثالي إلى واقع إشكالي يضر بإسرائيل، إذا أصبح آلية لا يملك من خلاله وسيلة لتفريغ مشاكله، أو الحفاظ على خطوطه الحمراء".


وبينت بن غال أن "هذا قد يؤدي لأوضاع معقدة على الأرض، واشتباكات غير مرغوب فيها، خاصة في غياب آليات التنسيق والشفافية والرقابة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، مما قد يمنح حماس فرصة استغلال الغطاء المدني الذي سيوفره المجلس لصالحها، وألا يصبح مجرد عنصر هامشي آخر في نظام يعطي الأولوية للأهداف الاقتصادية وفرص الأعمال".

وأشارت إلى "مخاوف إسرائيل من المساس بمصالحه تجلت في خطابات مؤتمر دافوس، حيث طُلب منه تنحيتها، بما فيها المتعلقة باستمرار نفوذ قطر وتركيا في غزة، صحيح أنه قد يكون من الصواب تخفيف القيود قليلًا، خاصةً عندما لا ترغب إسرائيل بقيادة غزة؛ لكن لا يمكن التخلي عن مصالحه الأساسية، المتمثلة في منع دخول العناصر التي تهدف لإشعال فتيل التوتر في المنطقة؛ والحفاظ على محيط أمني كافٍ طالما لا توجد عناصر على الأرض لديها القدرة والرغبة في فرض المنطقة العازلة؛ وعدم السماح لحماس بالتعافي".

تشير هذه القراءة إلى أن المبالغة الإسرائيلية في الحديث عن المخاوف الأمنية من تطورات غزة، تحمل بين طياتها قلقا من تنامي الضغوط الأمريكية لتنفيذ خطة ترامب لوقف الحرب، الأمر الذي قد يجعلها تواجه بين حين وآخر عراقيل ميدانية لتطبيقها على الأرض.