مصر تصبح واجهة جديدة لشركات النسيج التركية.. ماذا حدث لقلعة الصناعات؟

أزمة النسيج التركي وتحوّل الإنتاج إلى مصر - الأناضول
أزمة النسيج التركي وتحوّل الإنتاج إلى مصر - الأناضول
شارك الخبر
شهد قطاع النسيج في تركيا خلال الفترة الأخيرة تحولا حادا ينذر بفصل جديد في تاريخ الصناعة الوطنية، بعد أن كان لسنوات طويلة أحد أهم روافد الصادرات التركية ومشغلا لآلاف العمال. 

فقد أدت الضغوط الاقتصادية المتزايدة، من ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع الطلب الخارجي، وتقلبات سعر الصرف إلى إغلاق عدد كبير من المصانع داخل تركيا، بينما لجأت شركات عدة إلى نقل خطوط إنتاجها إلى الخارج، وعلى رأسها مصر التي أصبحت وجهة جذب صناعية أساسية في المنطقة.

تقف وراء هذا التحول معطيات اقتصادية هيكلية تتداخل فيها عوامل محلية ودولية، ما يدفع الباحثين إلى قراءة أعمق في أسباب خروج الإنتاج من تركيا، وتداعياته على الاقتصاد المحلي، ومستقبل هذه الصناعة ما بين الحفاظ على القيمة المضافة محليا، أو توسيع الانتاج عبر مراكز خارجية أكثر تنافسية.

تكاليف إنتاج متصاعدة

واجهت المصانع التركية تحديات كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية، تمثلت في ارتفاع ملحوظ في تكاليف التشغيل مقارنة بدول منافسة. فقد ارتفعت رواتب العمال تدريجيا، بينما لم تتزامن هذه الزيادة مع تحسينات مماثلة في الإنتاجية المحلية.

بحسب التقرير السنوي لغرفة أصحاب الصناعة التركية (توسياد)، فإن تكلفة اليد العاملة في تركيا تبقى أعلى بكثير من نظيراتها في دول مثل مصر، ما أدى إلى ضغوط كبيرة على الهامش الربحي للمصنعين. 

تعاظمت هذه الضغوط بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية، في وقت تشهد تركيا تقلبات متلاحقة في سعر الليرة مقابل العملات الأجنبية، مما زاد الأعباء التصديرية على المنتج المحلي. بحسب ما ذكره موقع “تركيا تودي”.

كما أن أحد أكبر المشكلات التي تواجه القطاع هو أن تكاليف الإنتاج في تركيا٬ حيث أصبحت نحو أربع إلى خمس مرات أعلى مما هي عليه في مصر، وفق بيانات وزارة الاقتصاد التركية التي تم توزيعها في اجتماع غرفة التجارة والصناعة بآذار/مارس 2025.

اظهار أخبار متعلقة


تراجع الصادرات التركية في النسيج

كانت تركيا في العقود الماضية من رواد سوق النسيج في الأسواق الأوروبية والأمريكية، لكن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن مجلس المصدرين الأتراك (TIM) تظهر أن صادرات النسيج والملابس الجاهزة تراجعت من قرابة 10.5 مليار دولار في عام 2021 إلى حوالي 9.49 مليار دولار في 2024 مع توقعات باستمرار التراجع خلال 2025.

في الوقت نفسه، زادت الضغوط التنافسية من قبل دول آسيوية مثل الصين وبنغلاديش وفيتنام، التي تقدم منتجات منخفضة التكلفة وتحافظ على حصتها في الأسواق العالمية. 

دفع هذا التراجع في الطلب الخارجي العديد من المصانع التركية إلى إعادة التفكير في موقع التصنيع، سواء عبر التحول إلى منتجات بمحتوى تكنولوجي أعلى، أو عبر نقل خطوط الإنتاج إلى دول ذات تكلفة أقل. وفق ما ذكره موقع “تركيا تودي”.

مصر وجهة أساسية.. أكثر من 200 مصنع 

وسط هذا الواقع المتأزم، برزت مصر كوجهة جاذبة لصناعة النسيج التركية بسبب ميزة التكلفة المنخفضة، التسهيلات الاستثمارية، ووجود اتفاقيات تجارة دولية تسهل الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية.

بحلول نهاية عام 2025، تشير إحصاءات المجلس المصري-التركي للأعمال والاستثمار إلى أن أكثر من 200 مصنع تركي تعمل في مصر ضمن قطاع النسيج والملابس الجاهزة، كما تركزت الاستثمارات في مناطق اقتصادية خاصة مثل منطقة قناة السويس الصناعية.

هذا التحول لم يشمل فقط المصانع الصغيرة أو المتوسطة، بل شمل أيضا شركات تركية كبرى، مثل:  مجموعة يَشيم (Yesim Group) - تاي غروب (Tay Group) - إروغلو للملابس (Eroğlu Giyim) - تشاليك القابضة (Çalık Holding) - إل سي وايكيكي (LC Waikiki) - ديكتاش (Diktaş)

وغيرها من الشركات التي أعلنت عن توسيع خطوط إنتاجها في مصر خلال 2024-2026. بحسب ما ذكره موقع “تركيا تودي"

اظهار أخبار متعلقة


نماذج الانتقال من تركيا إلى مصر

أحد الأمثلة البارزة هو إعلان شركة كولينز (تحت مظلة مجموعة إيروغلو القابضة) في أواخر 2025 عن إغلاق مصنعها في ولاية أكسراي التركية، مع نقل خطوط الإنتاج إلى مصر، ما أدى إلى فقدان نحو 1500 عامل لوظائفهم.

وفي مثال آخر، أعلنت كي سي جي تيكستايل في عام 2025 استثمارا إضافيا بقيمة 24 مليون دولار في مصنعها في مصر، ما يعكس استمرار اتجاه الشركات التركية نحو التوسع هناك.

لا يقتصر التحول على الإنتاج وحده، بل امتد ليطال التبعية التجارية بين البلدين. ففي السنوات السابقة، كانت تركيا تصدر منتجات النسيج إلى مصر بكميات أعلى، لكن في 2025 انقلب هذا الميزان إلى حد ما، حيث بلغ حجم التجارة النسيجية بين البلدين ما يقرب من 200 مليون دولار عجزا لصالح مصر، مع زيادة واردات تركيا من المنتجات المصنعة في مصر، وهو ما اعتبره محللون علامة على تحول حقيقي في العلاقات التجارية.

مزايا تنافسية واضحة

1- تكلفة العمالة المنخفضة

تكلفة العمالة في مصر تعد من العوامل الأساسية التي جذبت الشركات التركية، إذ أن العمالة هناك تكلف أقل بكثير مقارنة بتركيا، ما يساعد على خفض التكلفة الإجمالية للإنتاج.

وهذا ما أكده الأمين العام لاتحاد الغرف المصرية-الأوروبية، علاء عز، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي أحمد موسى في برنامج "على مسئوليتي" على قناة "صدى البلد" الأربعاء، أن حجم الشراكات المتاحة بين مصر وتركيا يتجاوز 22 مليار دولار. 


وأوضح عز أن الفارق الكبير في تكلفة العمالة بين البلدين كان من العوامل التي دفعت بعض المصانع التركية إلى نقل أنشطتها إلى مصر، حيث يبلغ الحد الأدنى للأجور في تركيا نحو 800 دولار مقارنة بحوالي 180 دولارا في مصر، ما فتح المجال لإنشاء مجالات صناعية جديدة في قطاعَي الملابس والإلكترونيات.

وأضاف أن مصر تستهدف جذب 15 مليار دولار استثمارات تركية بحلول نهاية عام 2026، ضمن خطة مستقبلية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك بين القاهرة وأنقرة.

2- امتيازات التجارة والتصدير

تمتلك مصر اتفاقيات تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مثل مناطق التصنيع المؤهلة QIZ، التي تسمح بتصدير المنتجات الصناعية بتسهيلات جمركية، وهو ما يمثل حافزا إضافيا للمصنعين الراغبين في دخول الأسواق العالمية بتكلفة أقل.

3- بنية صناعية مؤهلة

توفر مصر بنية لوجستية وصناعية مؤهلة في مناطق مثل المدن الصناعية في العاشر من رمضان، والسادات، وقناة السويس الاقتصادية، ما يجعلها بيئة جاهزة لاستيعاب خطوط إنتاج ضخمة وتسهيل حركة البضائع والصادرات.

اظهار أخبار متعلقة


الآثار الداخلية في تركيا

لم يؤثر هذا التحول على حجم الإنتاج والتجارة فحسب، بل ترك تداعيات اجتماعية داخلية أيضا، إذ أدى إغلاق المصانع وتسريح العمال إلى ارتفاع نسب البطالة في المناطق الصناعية التقليدية مثل: (بورصة - غازي عنتاب - دنيزلي).

وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن عام 2025 شهد استمرار موسم تسريح العمال في قطاع النسيج، مع توقعات بأن يمتد هذا التأثير إلى عام 2026 ما لم تعالج أسباب الأزمة البنيوية. بحسب ما ذكره موقع “بورصة أرينا”.

تدور نقاشات بين الصناعيين والخبراء حول اتجاهات مستقبلية محتملة وفق ما ذكره الموقع التركي “حريات نيوز”:

أ) إعادة هيكلة الإنتاج داخل تركيا
يرى فريق من الخبراء أن القطاع يمكن أن يستعيد جزءا من قوته إذا: خفضت تكاليف الإنتاج٬ وتم تحسين البنية التحتية الصناعية٬ وتوفرت حوافز استثمارية أكبر٬  ودعمت الحكومة الشركات الصغيرة والمتوسطة في التحول التكنولوجي.

ب) التخصص في القيمة العالية
بات بعض صناع القرار في تركيا يميلون إلى فكرة الانتقال من التصنيع كثيف العمالة إلى صناعات عالية القيمة المضافة (مثل التصميم، العلامة التجارية، التكنولوجيا)، بينما يبقى التصنيع كثيف العمالة في الأسواق الأقل تكلفة مثل مصر.

يمثل انتقال مصانع النسيج التركية إلى مصر انعكاسا لتحوّلات أعمق في الاقتصاد العالمي وفي المشهد الصناعي المحلي. 

ففي ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، تراجع الطلب الخارجي، تقلبات العملة، وشدة المنافسة الدولية، لم تعد تركيا الوجهة الأنسب للإنتاج منخفض التكلفة، مما دفع الشركات إلى البحث عن أماكن أكثر قدرة على المنافسة.

بفضل تكلفة العمالة المنخفضة، الامتيازات التجارية، والبنية الصناعية المناسبة، ظهرت مصر كوجهة بديلة حقيقية، الأمر الذي انعكس على الميزان التجاري، توزيع خطوط الإنتاج، والأسواق التصديرية.

وبينما يستمر هذا التحول خلال 2025 و2026، يبقى التحدي الأكبر أمام تركيا هو تأسيس استراتيجية صناعية طويلة الأجل تمكن القطاع من الارتداد والصمود في مواجهة التحولات الديناميكية في الصناعة العالمية.
التعليقات (0)