شبّه كاتب ومؤرخ
بريطاني بارز المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران بلعبة قمار خطيرة،
محذرًا من أن إصرار الطرفين على انتظار خطأ الآخر قد يفضي إلى اندلاع
حرب في
الأيام المقبلة، في ظل حشد عسكري أمريكي متسارع وضغوط سياسية متبادلة.
ونشرت صحيفة
"
صاندي تايمز" مقالا أعده استاذ التاريخ العالمي بجامعة أوكسفورد بيتر فرانكوبان،
قال فيه إن المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران بلعبة القمار، حيث لم يترك
أي منهما لنفسه مساحة للتراجع، مما يجعل الأمر خطيرا والحرب قد تندلع في الأيام المقبلة،
فقد نقلت خلال الأيام القليلة الماضية كميات هائلة من الأسلحة وأصبحت على مسافة قصيرة
لضرب
إيران.
وتم تحريك طائرات متطورة،
من بينها مقاتلات الشبح إف-35 وطائرات النقل سي-17 وطائرات التزود بالوقود جوا. ونشرت
هذه المعدات في دييغو غارسيا، القاعدة النائية في المحيط الهندي التي لطالما ارتبطت
بتعزيز النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط.
وأضاف فرانكوبان أن
حجم وسرعة هذه الحركة لا لبس فيهما، وهي حركة مقصودة. وكما قال الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب نفسه في سلسلة منشورات الأسبوع الماضي: "أسطول ضخم يتجه نحو إيران. إنه
يتحرك بسرعة، بقوة وحماس وعزيمة كبيرتين".
وتابع أن القوة التي
حشدت نفسها "جاهزة وراغبة وقادرة على تنفيذ مهمتها بسرعة، وبقوة وعنف إذا لزم
الأمر". كما أكد الرئيس على وجود بديل، قائلا: "نأمل أن تجلس إيران سريعا
إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف- لا أسلحة نووية - اتفاق يصب في مصلحة
جميع الأطراف".
وقال يوم السبت للصحفيين
على متن الطائرة الرئاسية بأن طهران تجري مفاوضات "جدية" مع واشنطن، بعد
أن قال لقناة "فوكس نيوز" في وقت سابق من اليوم نفسه: "سنرى ما إذا
كان بإمكاننا التوصل إلى اتفاق [في المحادثات مع إيران]، وإلا فسنرى ما سيحدث، لدينا
أسطول كبير متجه إلى هناك". وأضاف أن الحلفاء الإقليميين لن يطلعوا على خطط الضربات
المحتملة لأسباب أمنية. وقال: "لو أخبرتهم بالخطة، لكان الأمر سيئا تقريبا مثل
إخباركم بها، بل قد يكون أسوأ في الواقع".
وفي خطوة أخرى يبدو
أنها تهدف إلى زيادة الضغط على النظام الإيراني، قال ترامب إنه تم التوصل إلى
"مفهوم" لاتفاق تشتري بموجبه الهند النفط من فنزويلا بدلا من إيران.
وفي يوم الجمعة، زار
وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إسطنبول لإجراء محادثات مع نظيره التركي
حول التفاوض مع الولايات المتحدة. وقالعلي لاريجاني، المسؤول الأمني الإيراني البارز،
يوم السبت، بأن إطار عمل للمفاوضات مع الولايات المتحدة يحرز تقدما. ويرى معظم المحللين
أن طهران أمام خيار صعب: التفاوض أو الاستسلام.
لكن ترامب يواجه المعضلة
نفسها أيضا، فالولايات المتحدة قادرة على شن هجوم كبير، لكن ما هو أقل وضوحا هو ما
إذا كانت ترغب في ذلك، وماذا تريد أن تحقق من خلاله، وما هي الشروط التي قد تقبل بها
لعدم شن الهجوم.
وأضاف المؤرخ أن إيران،
في الوقت الحالي، هي أضعف مما كانت عليه ومنذ وصول النظام الإسلامي إلى السلطة عام
1979، وقمعت الاحتجاجات بوحشية في الأسابيع الأخيرة، مما أسفر عن سقوط العديد من القتلى
وتواجه اقتصادا منهكا نتيجة عقود من سوء الإدارة والعقوبات الدولية وجيشا لا يزال يعاني
من آثار حرب استمرت 12 يوما في حزيران/يونيو 2025، عندما قامت إسرائيل، إلى جانب الولايات
المتحدة، بتفكيك جزء كبير من البنية التحتية الدفاعية للبلاد.
ويعلق الكاتب أن ترامب
قد يميل في ظل هذه الظروف، لتحقيق أهداف أوسع في أي مفاوضات مع القيادة الإيرانية.
وعلى رأس جدول الأعمال، بطبيعة الحال، يأتي البرنامج النووي الإيراني. وفي أقصى الحالات،
قد تطالب الولايات المتحدة إيران بالامتناع التام عن تخصيب اليورانيوم، وهو موقف يعد
خطا أحمر بالنسبة للمرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، الذي يعتبره حقا سياديا لبلاده.
وعلى الأرجح، لن يرضى ترامب بالتزام أقل من إيران بالسماح بعمليات تفتيش دورية واسعة
النطاق، ويعود ذلك جزئيا إلى سهولة التخفي عن المفتشين ولعدم ثقته بمن يماطلون لكسب
الوقت واستعادة مكانتهم.
وقد انسحب ترامب نفسه
من الاتفاق السابق المسمى، خطة العمل الشاملة المشتركة خلال فترة رئاسته الأولى. لذا،
من المفترض أن تكون الشروط التي سيقبلها هذه المرة أكثر صرامة، مع ضمانات لا يمكن التراجع
عنها بالتأخير أو الغموض أو أي تغيير في المزاج السياسي في طهران مستقبلاً
ويقول فرانكوبان إن
عدم الوضوح بشأن التوفيق بين هذين النقيضين يشير إلى أن ترامب قد يحتاج إلى تنازلات
جوهرية أخرى، ربما فيما يتعلق ببرامج الصواريخ والوكلاء الذين باتوا ضعفاء والقيود
المفروضة على سلوك إيران الإقليمي، وهي مطالب تمس جوهر العقيدة الاستراتيجية الإيرانية.
ومن شبه المؤكد أن
طهران ستنظر إليها لا على أنها تفاوض، بل على كمطالب استسلام. وهذه هي بالتأكيد الرهانات
التي دفعت وزير الخارجية الإيراني إلى إبداء استعداده للانخراط في الحوار. وقال يوم
الجمعة: "طلبت الولايات المتحدة أكثر من مرة التفاوض معنا، عبر وسطاء مختلفين،
وجددت هذه المطالب، وليس لدينا أي مشكلة في الدخول في مفاوضات، إلا أن المفاوضات لا
يمكن أن تبدأ بالتهديدات. يجب عليهم تنحية تهديداتهم جانبا".
ويتساءل العديد من
المراقبين للشأن الإيراني عما إذا كان هدف عراقجي هو تسجيل موقف إيراني سلمي قبل أي
عمل عسكري أمريكي، ليتمكن من الادعاء بأن أي استخدام للقوة سابق لأوانه وغير مبرر.
من الواضح أن ترامب لا يكترث كثيرا بالرأي العام. وعلى أي حال، وبسبب الاحتجاجات
في إيران، فمن المرجح أن يتبنى وجهة النظر القائلة بأن الكثيرين في المنطقة سيرحبون
برؤية قوة تستطيع التعامل مع إيران.
وأضاف الكاتب أن الحشد
العسكري يمنح ترامب نفوذا، ولكنه في الوقت نفسه يضيق هامش مناورته. وعليه، تكمن المشكلة
فيما إذا كان هناك أي حل يسمح لإيران بالحفاظ على ماء وجهها وتجنب الظهور بمظهر انتهاك
سيادتها لسيادتها، وقد أُثير هذا القلق وأكثر من مرة وعلى أعلى مستويات النظام الإيراني،
بما في ذلك من قبل المرشد الأعلى نفسه.
وفي الوقت نفسه، يحتاج
ترامب إلى انتصار كبير لتبرير خفض التصعيد. وقد صاغ هذه المواجهة بصورة قاطعة: لا أسلحة
نووية، ولا أعذار. فالتراجع دون تحقيق إنجاز ملموس سيقوض صورة الحزم التي يسعى إلى
إظهارها محليا ودوليا، وقد تكون المطالب التي من الممكن أن ترضي واشنطن مستحيلة سياسيا
أو أيديولوجيا بالنسبة لطهران.
وهذا ما يجعل احتمال
العمل العسكري أكثر ترجيحا. وقد أوضحت إيران أنها لا ترغب في تلبية مطالب أمريكا، غالبا
عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعد بمثابة قناة اتصال بين دولتين لا
تربطهما علاقات دبلوماسية.
وفي الوقت الذي قال
فيه عراقجي عبر منصة إكس بأن "إيران لطالما رحبت باتفاق نووي عادل ومنصف ونافع
للطرفين، على قدم المساواة وخال من الإكراه والتهديد والترهيب يضمن حق إيران في التكنولوجيا
النووية السلمية، ويضمن عدم امتلاكها أسلحة نووية"، إلا أن تصريحه بأن القوات
المسلحة الإيرانية "على أهبة الاستعداد" لن يلقى ترضى به واشنطن.
ويعلق فرانكوبان بأن
هذه الإدارة تتميز، خلافا للإدارات السابقة بموقف أكثر حزما، وتدرك أن الكثير من الأمور
قد تسوء.
وليس من المستغرب أن
يستشهد ترامب وماركو روبيو بنموذج فنزويلا عدة مرات، حيث قال روبيو أمام مجلس الشيوخ
الأسبوع الماضي بأن تغيير القيادة في إيران "سيكون أكثر تعقيدا بكثير" مما
كان عليه الحال في الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية في بداية كانون الثاني/يناير.
ولا تزال دروس العراق
وغزوه حاضرة لدى المخططين الأمريكيين، ليس من ناحية نشر قوات عسكرية أمريكية ضاربة
والكلفة المالية والبشرية لتلك الحرب، بل لأنها خلفت البلاد عاجزة عن إدارة شؤونها
المحلية، مثل التعليم وتحصيل الضرائب، بل وحتى إدارة حركة المرور.
وأضاف أنه وربما لم
يكن هدف ترامب الاستراتيجي تغيير النظام بشكل جذري، بل إعادة هيكلة سياسية داخل إيران
نفسها. هذا الأمر مطروح منذ الصيف الماضي، حين استهدفت هجمات إسرائيلية، بمباركة أمريكية،
علماء نوويين وشخصيات عسكرية رفيعة المستوى، بينما لم يمس السياسيون ورجال الدين البارزون.
وأردف أنه يعود ذلك
جزئيا إلى تسلسل الأهداف الهرمي، ولكنه كان أيضاً بمثابة مدخل لنقاش مستقبلي حول بقاء
النظام بصورة معدلة، حتى أن ترامب نفسه ألمح إلى هذا المنطق آنذاك: "نعرف تماما
أين يختبئ ما يسمى بـ'المرشد الأعلى'"، كما كتب. "إنه هدف سهل، لكنه آمن
هناك - لن نقتله، على الأقل ليس الآن".
من المستحيل تصور أي
تغيير من الداخل في ظل الظروف الراهنة، كما يتضح من العدد الكبير (والمثير للدهشة)
من التصريحات المتحدية التي أدلى بها كبار المسؤولين علنا في الأيام الأخيرة، معلنين
ولاءهم وتفانيهم للقضية. لذا، فإن السيناريو الأرجح هو تصاعد الأحداث في الأيام المقبلة،
وشن سلسلة من الضربات المحدودة ضد أهداف رمزية لكنها مؤلمة، بهدف حشد الجهود وفتح حوارات
مختلفة.
ويعترف الكاتب أن إيران
لديها، بلا شك أوراقا رابحة، إقليميا وعالميا، فليس من قبيل المصادفة، على سبيل المثال،
توجيه تحذيرات شديدة اللهجة إلى الدول الأوروبية، حيث يدعي عراقجي أن لا أحد منها يعمل
على منع "اندلاع حرب شاملة في منطقتنا"، بل "توجج النيران"، في
حين هدّد الأدميرال علي شمخاني، الذي عين رئيسا لهيئة جديدة تشرف على العمليات العسكرية،
باتخاذ إجراء "فوري وشامل وغير مسبوق" يستهدف تل أبيب و"كل من يدعم
المعتدي"، ويفترض أن المقصود هنا جميع دول الناتو التي كانت قبل أسبوع قلقة بشأن
ما إذا كانت الولايات المتحدة قد انقلبت من صديق إلى عدو.
ويعتقد الكاتب أن ما
يحدث هو لعبة جيوسياسية في أبشع صورها وأكثرها خطورة. فهنا، طرفان يتبادلان النظرات
المتحدية في انتظار تراجع الآخر.
وثمة مخرج من هذا المأزق،
لكنه ينطوي على تراجعات تبدو بالغة الخطورة بحيث لا يمكن لأي منهما قبولها. إذن، قد
لا يتحدد ما سيحدث بعد ذلك بالاستراتيجية أو براعة الدولة، بل بسوء التقدير، فاللحظة
التي يتم فيها كشف الخدعة وتجاوز الخط الفاصل ويأخذ التصعيد زخما خاصا به يخرج عن السيطرة.