قالت مجلة “
الإيكونوميست” إن الهجوم الذي تشنه الحكومة الفيدرالية الأمريكية على مدينة
مينيابوليس ما يزال مستمرا، غير أن حملة الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب الصادمة لتخليص الولايات المتحدة من المهاجرين غير الشرعيين بدت، خلال الأيام القليلة الماضية، وكأنها تواجه مأزقا حقيقيا.
وأوضحت المجلة أن الغضب الشعبي الواسع الذي أعقب مقتل رينيه غود ثم أليكس بريتي في 24 كانون الثاني/يناير، وهما مواطنان أمريكيان كانا يحتجان على سلوك إدارة
الهجرة والجمارك (ICE)، وضع الإدارة الأمريكية في موقف دفاعي غير مسبوق.
كما ساهم الهجوم الذي وقع في 27 كانون الثاني/يناير على إلهان عمر، عضوة الكونغرس الديمقراطية عن مينيابوليس، والمعروفة بانتقادها الشديد لسياسات اليمين، في تعزيز القناعة بأن الأوضاع في المدينة تتجه نحو تصعيد خطير قد يخرج عن السيطرة.
وذكرت المجلة أن قلق ترامب بلغ حدا دفعه إلى إرسال توم
هومان، المسؤول عن ملف الحدود، لقيادة نحو 3 الاف عنصر من حرس الحدود الذين انتشروا في مينيابوليس في عمليات مكثفة لملاحقة المهاجرين غير النظاميين. وفي السياق ذاته، جرى سحب غريغوري بوفينو، الضابط المسؤول عن هذه العمليات المتنقلة، وإعادته إلى منزله في ولاية كاليفورنيا.
وفي مقابلة مع قناة “فوكس نيوز” بتاريخ 27 كانون الثاني/يناير الجاري، قال ترامب إن بوفينو “كفؤ للغاية، لكنه متطرف نوعا ما”، مضيفا أن “التطرف يكون جيدا أحيانا، لكنه ربما لم يكن مناسبا في هذه الحالة”. كما أجرى الرئيس الأمريكي اتصالا هاتفيا وديا مع حاكم ولاية مينيسوتا الديمقراطي تيم والز، الذي كانت وزارة العدل تحقق معه بتهمة التآمر لعرقلة تطبيق قوانين الهجرة في الولاية.
وأشارت “الإيكونوميست” إلى أن الإدارة الأمريكية غيرت أيضا روايتها بشأن حوادث إطلاق النار، إذ سارع مسؤولون، وقبل اكتمال التحقيقات، إلى الادعاء دون تقديم أدلة بأن رينيه غود “إرهابية”، وأن أليكس بريتي كان يخطط لـ”مجزرة ضد قوات إنفاذ القانون”. غير أن ترامب عاد لاحقا ليعبر عن أسفه للوفاتين، قائلا لقناة “فوكس”: “كلاهما كانا فظيعين… إنه أمر محزن للغاية”.
وأكدت المجلة أن غود وبريتي ليسا أول ضحايا إطلاق النار في عمليات نفذها عناصر الهجرة داخل مدن ذات أغلبية ديمقراطية، إلا أن مقتلهما جرى توثيقه بالفيديو وانتشر على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها، حيث أظهر استطلاع أن أكثر من نصف الأمريكيين شاهدوا تلك المقاطع.
وبينت أن تفسير هذه الأحداث يختلف بشدة باختلاف الانتماء السياسي، إذ يعتقد 3% فقط من الديمقراطيين أن غود كانت تحاول دهس عنصر من ICE كما زعمت وزارة الأمن الداخلي، مقابل 53% من الجمهوريين. وفي المقابل، يتزايد القلق الشعبي من حملة الترحيل الجماعي التي يقودها ترامب، بعدما انخفض صافي تأييد تعامله مع ملف الهجرة إلى مستويات سلبية، وهو تراجع وصفته المجلة بالمقلق لرئيس جعل من الهجرة قضيته المركزية على مدار أكثر من عقد.
ورغم تعهد ترامب “بتهدئة الوضع قليلا”، فإنه نفى أي تراجع عن سياسته، مؤكدا أنه لم يكتف خلال العام الماضي بتشديد تعليماته لوكالات الهجرة، بل أعاد تشكيلها بالكامل، مع تأمين زيادات ضخمة في التمويل والقدرات البشرية. واعتبرت المجلة أن إدارة الهجرة والجمارك ودوريات الحدود باتت أشبه بقوة شبه عسكرية تعمل دون رادع واضح، وتخضع مباشرة لأوامر الرئيس.
وتناولت “الإيكونوميست” الخلفية التاريخية لتطور هذه الأجهزة، مشيرة إلى أن ICE ودوريات الحدود وضعتا تحت مظلة وزارة الأمن الداخلي بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001، وأن دوريات الحدود كانت الوكالة الأكبر عددا، بينما ركزت ICE تقليديا على ترحيل المهاجرين غير النظاميين الذين ارتكبوا جرائم خطيرة.
لكن سياسة ترامب غيرت هذا التوازن، عبر نشر وحدات دوريات الحدود، المدربة على ملاحقة المهربين في الصحاري والجبال، داخل المدن الكبرى، رغم افتقارها للتدريب على التعامل مع المتظاهرين وحماية الحريات المدنية.
ولفتت المجلة إلى أن فرق النخبة التابعة لهذه الوحدات، المعروفة باسم BORTAC، تشبه إلى حد بعيد القوات الخاصة العسكرية، وأن أحد قتلة بريتي كان عنصرا في دوريات الحدود.
وأشارت إلى أن إدارة ترامب ضاعفت حجم هذه الوكالات بشكل غير مسبوق، إذ خصص قانون أقر في تموز/يوليو نحو 170 مليار دولار لإنفاذ قوانين الهجرة، وهو مبلغ يفوق ما تنفقه معظم دول العالم على جيوشها. كما جرى توظيف 12 ألف ضابط ترحيل جديد خلال عام واحد فقط، مع تقديم حوافز مالية ضخمة.
ولفت التقرير إلى أن وزارة الأمن الداخلي باتت تستقطب مجندين من أوساط يمينية متشددة، حيث شاركت ICE ودوريات الحدود في مؤتمرات معروفة بدعمها لترامب، مستخدمة خطابا تحريضيا في حملات التجنيد، تضمن عبارات ذات إيحاءات عنصرية.
ورغم أن عمليات الترحيل تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال الأشهر التسعة الأولى من ولاية ترامب، فإن المجلة حذرت من كلفة هذا التوسع، مشيرة إلى وفاة 32 شخصا على الأقل في مراكز احتجاز ICE خلال عام واحد، وهو أعلى رقم منذ عام 2004. كما كشف تقرير تشريح جثة المهاجر الكوبي جيرالدو لوناس كامبوس أنه قتل على يد سجانيه، خلافا للرواية الرسمية التي ادعت انتحاره.
وأكدت “الإيكونوميست” أن إضعاف آليات الرقابة الداخلية، وإلغاء مكتب الحقوق المدنية داخل وزارة الأمن الداخلي، زادا من خطورة هذا المسار، محذرة من أن الولايات المتحدة، رغم قوة مؤسساتها، تشهد تحولا مقلقا يتمثل في إنشاء قوة إنفاذ قانون داخلية موالية للرئيس وحده.
وختمت المجلة بالقول إن التركيز على المدن ذات الميول اليسارية قد يكون محاولة متعمدة لاستفزاز الاحتجاجات وتبرير مزيد من القمع، إلا أن ما جرى في مينيابوليس يشير إلى أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، وتلحق ضررا بالنظام العام وبشعبية ترامب السياسية.