ترامب أمام "مفترق طرق" إيراني.. 3 مسارات خطرة بلا ضمانات

الولايات المتحدة عززت وجودها العسكري في الشرق الأوسط - جيتي
كشفت تطورات الأزمة الإيرانية، عن مأزق معقد يواجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل تضاؤل فرص الحل الدبلوماسي، وتصاعد سيناريوهات عسكرية محفوفة بالمخاطر، عقب حملة قمع دامية نفذتها السلطات الإيرانية ضد احتجاجات داخلية واسعة.

وبحسب تحليل نشرته شبكةالـ "سي إن إن" فإن الاحتجاجات التي اندلعت في مدن إيرانية عدة خلال الأسابيع الماضية انتهت بحملة قمع غير مسبوقة أمر بها المرشد الإيراني علي خامنئي، وأسفرت عن سقوط آلاف القتلى، ما وضع واشنطن أمام اختبار صعب بين التدخل أو الاكتفاء بالإدانة السياسية.

ورغم أن ترامب كان قد وجه في بداية الأزمة رسائل دعم علنية للمتظاهرين الإيرانيين، فإن الولايات المتحدة لم تتحرك عسكريًا آنذاك، في قرار عزته مصادر أمريكية إلى محدودية الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط خلال تلك المرحلة.

ثلاث خيارات.. وكلها محفوفة بالمخاطر


في ظل هذا الانسداد، يبرز أمام ترامب – بحسب تحليل الشبكة – ثلاث مسارات محتملة، لا يضمن أي منها نتائج سريعة أو مستقرة.

أولًا: خنق الاقتصاد الإيراني


الخيار الأقل مباشرة عسكريًا يتمثل في تشديد الخناق الاقتصادي عبر حصار فعلي يستهدف صادرات النفط الإيرانية، المصدر الرئيسي للعملة الصعبة للنظام.

ورغم أن صادرات النفط الإيرانية خاضعة للعقوبات الأمريكية منذ سنوات، فإن طهران لا تزال تصدّر قرابة مليوني برميل يوميًا بطرق ملتوية، مستفيدة من شبكات تهريب وشحن غير رسمية.

وأشارت الـ سي إن إن" إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني أصلًا من انهيار حاد، مع تسجيل الريال مستويات قياسية من التراجع، ما قد يجعل الضغط الاقتصادي أكثر إيلامًا ويعيد إشعال موجات احتجاج جديدة.

غير أن التجارب السابقة، من فنزويلا إلى إيران نفسها، تظهر أن الأنظمة المستهدفة نادرًا ما تستسلم، بل تلجأ إلى التصعيد غير المباشر عبر وكلاء إقليميين، ما قد يجرّ الولايات المتحدة إلى مواجهات متقطعة يصعب التحكم في مسارها.

ثانيًا: ضربات محدودة للردع


الخيار الثاني يقوم على تنفيذ ضربات عسكرية محدودة ضد مؤسسات أمنية إيرانية متورطة في القمع الداخلي، مثل "الحرس الثوري" و"قوات الباسيج"، دون السعي إلى إسقاط النظام.

هذا السيناريو يستحضر نموذج الضربة الأمريكية لسوريا عام 2017، حين ردّ ترامب على استخدام السلاح الكيميائي بضربة رمزية هدفت إلى الردع لا إلى تغيير النظام.

لكن الـ "سي إن إن" تحذّر من أن إيران ليست سوريا، فطهران تمتلك قدرات صاروخية وشبكة نفوذ إقليمي تتيح لها الرد، سواء باستهداف قواعد أمريكية في المنطقة أو ضرب إسرائيل، وهو ما قد يدفع الأمور سريعًا إلى تصعيد أوسع يصعب احتواؤه.

ثالثًا: استهداف رأس النظام

أما الخيار الأكثر خطورة، فيتمثل في توجيه ضربات مباشرة تستهدف القيادة الإيرانية، في محاولة لإحداث تغيير سياسي من الداخل، على غرار عمليات سابقة استهدفت قادة دول اعتبرتهم واشنطن خصومًا مباشرين.

لكن هذا المسار يحمل قدرًا عاليًا من عدم اليقين. فحتى في حال نجاح الضربات، لا تملك الولايات المتحدة قنوات اتصال داخل إيران تضمن انتقالًا منظمًا للسلطة، كما أن النظام يحتفظ بسيطرة شبه كاملة على السلاح والأجهزة الأمنية.

ولفتت الـ "سي إن إن" إلى أن استهداف المرشد الإيراني قد يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية ودينية معقدة، خصوصًا في العراق ودول أخرى تضم جماعات شيعية ترى في خامنئي مرجعية دينية، ما يهدد بموجة اضطرابات جديدة في منطقة تعاني أصلًا من الهشاشة.

تغيّر المعادلة العسكرية في المنطقة

وأضاف التحليل أن المعادلة تبدو اليوم مختلفة، فقد عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط خلال الأيام الماضية، مع وصول قطع بحرية وجوية إضافية، وصفها ترامب نفسه بأنها "قوة هائلة" جاهزة للتدخل إذا اقتضت الضرورة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه داخل دوائر صنع القرار في واشنطن: ما الهدف من هذه القوة؟

وتابع التحليل أن الاحتجاجات جرى سحقها بالفعل، والنظام الإيراني لم يبدِ أي مؤشرات على تغيير سلوكه، فيما لا تزال مطالب الإدارة الأمريكية متقلبة وغير محددة بدقة.

وأضاف التحليل أن ترامب عاد هذا الأسبوع ليؤكد أن "منع إيران من امتلاك سلاح نووي" يمثل خطًا أحمر، في حين تحدث مسؤولون أمريكيون آخرون عن شروط أوسع تشمل الحد من برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم طهران للفصائل المسلحة في المنطقة.

في المقابل، تراجع الحديث الأمريكي العلني عن مصير المتظاهرين الإيرانيين، باستثناء إشارات محدودة إلى تعهدات إيرانية بوقف تنفيذ أحكام الإعدام، ما يعكس – وفق تحليل CNN – حالة من الارتباك الاستراتيجي داخل الإدارة.

انسداد المسار الدبلوماسي

هذا الغموض، إلى جانب تشديد العقوبات الأوروبية وتصنيف الاتحاد الأوروبي لـ"الحرس الثوري" منظمة إرهابية في كانون الثاني / يناير الماضي، يجعل فرص التوصل إلى تسوية سياسية شبه معدومة.

وترى الـ "سي إن إن" أن إيران، حتى لو قبلت مبدئيًا بالتفاوض، ستطالب بثمن مرتفع يتمثل في تخفيف واسع للعقوبات الاقتصادية، وهو ما يبدو غير مقبول في واشنطن، ولا يحظى بدعم أوروبي في أعقاب القمع الدموي الأخير.

قرار يقترب من نقطة اللاعودة


بحسب التحليل، فإن حجم ونوعية القوات التي نشرتها واشنطن مؤخرًا يوحيان بأن خيار العمل العسكري بات أقرب من أي وقت مضى، حتى وإن لم يُحسم شكله النهائي بعد.

وتخلص الـ" سي إن إن" إلى أن ترامب يواجه خيارات سيئة جميعها، لكن التردد قد يكون بحد ذاته قرارًا مكلفًا، في لحظة قد تُسجل لاحقًا كإحدى أكثر المحطات تأثيرًا في إرثه السياسي، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل في الشرق الأوسط بأكمله.