هيرست: معركة إيران من أجل البقاء هي معركة العالم العربي أيضا

أعلنت السعودية والإمارات أنها لن تفتح أجواءها لضرب إيران - جيتي
حذر الكاتب البريطاني، رئيس تحرير موقع "ميدل إيست آي" من نُذر مواجهة عسكرية وشيكة في المنطقة، حيث تحشد الولايات المتحدة و"إسرائيل" قواهما لضرب إيران واستهداف قيادتها العليا بهدف تغيير النظام أو تفتيته.

ويبرز الكاتب تحولاً  في الموقف العربي، خاصة السعودي، الذي في الحفاظ على سيادة إيران مصلحة لمواجهة الهيمنة الإسرائيلية وسياستها الرامية لتجزئة المنطقة.

هذا التحول السعودي أدى إلى توترات علنية غير مسبوقة بين الرياض وأبوظبي، حيث تُتهم الأخيرة بلعب دور "حصان طروادة" للمصالح الصهيونية، بينما يسعى العالم العربي السني اليوم للنأي بنفسه عن أي هجوم قد يحول المنطقة إلى ساحة حرب شاملة.



ويرى هيرست أن معركة إيران من أجل البقاء هي في جوهرها معركة استقرار الشرق الأوسط بأكمله، إذ إن انهيار الدولة الإيرانية لن يؤدي إلا إلى حرب أهلية وفوضى وتدفق ملايين اللاجئين، مما سيقضي على طموحات التنمية والتحديث في الدول المجاورة.

وتاليا المقال كاملا كما ترجمته "عربي21":

لم يكد يمضي أسبوع منذ أن لوح رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب للكاميرات في دافوس بتوقيعه على ميثاق ما أطلق عليه اسم مجلس السلام، وإذا بالشرق الأوسط يقف على حافة حرب خليجية ثالثة باتت وشيكة الوقوع.

إنه إحساس مألوف. يوم الأحد، وصلت مجموعة القوة الضاربة لحاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولين إلى المنطقة واتخذت لها موقعاً ضمن نطاق الضرب من إيران. وتم إرسال طائرات مقاتلة من طراز النسور الضاربة إف-15 إلى الأردن وقاذفات من طراز بي-52 إلى قطر.

ذكرت القناة 13 الإسرائيلية أن الجيش الأمريكي يعد لتعزيز دفاعاته الأرضية كذلك، وفي هذا السياق يتوقع أن تصل بطارية دفاع جوي من طراز ثآد خلال الأيام القادمة.

في هذه الأثناء تعمل وسائل الإعلام الإسرائيلية بكل جد واجتهاد. فقد ذكرت صحيفة إسرائيل اليوم اليومية المقربة من الحكومة الإسرائيلية أن الأردن والإمارات العربية المتحدة وبريطانيا سوف توفر دعماً لوجستياً واستخباراتياً للجيش الأمريكي فيما لو وقع هجوم.

وهذا ما حفز الإمارات العربية المتحدة على الإعلان عن أنها ملتزمة "بعدم السماح لمجالها الجوي أو أراضيها أو مياهها بأن تستخدم في أي عمليات عسكرية معادية ضد إيران ... نؤكد على التزمنا بعد توفير أي دعم لوجستي لأي عمل عسكري معاد ضد إيران."

سوف يتم تجاهل ذلك من قبل إيران التي حذر كبار المسؤولين فيها الإمارات العربية المتحدة بأنها تمادت كثيراً. فيما لو وقع هجوم آخر لن يقتصر انتقام الجمهورية الإسلامية على إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية.

زعم مسؤول إيراني كبير في حديثه معي العام الماضي أن إسرائيل تستخدم أذربيجان والإمارات العربية المتحدة في حربها القذرة ضد إيران. وقال: "نتوقع بكل تأكيد جولة أخرى هذا العام، وهذه المرة لن تؤخذ إيران على حين غرة ولن تكون في موقف الدفاع، بل ستنتقل إلى موقف الهجوم."

وأضاف: "سوف تدفع الإمارات العربية المتحدة ثمناً باهظاً. في المرة القادمة التي نهاجم فيها، سوف يمتد التأثير إلى الخليج والمنطقة."

استهداف خامنئي


عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران في يونيو / حزيران الماضي، في حرب استمرت 12 يوماً، كانت إيران قد خدعت بالحديث عن جولة مباحثات قادمة في سلطنة عمان، فظنت أن إسرائيل ما كانت لتضرب قبل انعقاد تلك الجولة.

حينذاك، نفى البيت الأبيض أن يكون تغيير النظام أحد غايات الضربات التي استهدفت القادة العسكريين والعلماء النوويين، والمخابئ العميقة التي يحتفظ داخلها بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية لتخصيب اليورانيوم.
إلا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أراد تغيير ال
نظام، معلناً أن اغتيال القائد الأعلى آية الله علي خامنئي "لن يصعد من الصراع، بل سوف يفضي إلى إنهائه."

إلا أن البيت الأبيض نأى بنفسه عن ذلك، بدليل ما نشره موقع أكسيوس من أن ترامب كان أكثر تردداً من نتنياهو فيما يتعلق باستهداف خامنئي. وحينها قال مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية: "إنه آية الله الذي تعرفه في مقابل آية الله الذي لا تعرفه."

إلا أن ذلك التحفظ لم يعد هذه المرة موجوداً، ولسوف يكون القائد الأعلى هو المستهدف الأول.

لقد قُتل الآلاف في قمع الاحتجاجات الأخيرة داخل إيران. مازال العدد الفعلي للقتلى محل جدل وتجاذب. فقد أعلنت الحكومة الإيرانية الأسبوع الماضي أن العدد يزيد قليلاً عن 3100، بينما نقلت صحيفة ذي وول ستريت جورنال تقديرات لمجموعات تدافع عن حقوق الإنسان ترى بأن العدد يقترب من عشرة آلاف.

بدأت الانتفاضة في شهر ديسمبر / كانون الأول كحركة احتجاجية قام بها التجار في طهران استنكاراً لانهيار الريال والارتفاع الشديد في تكاليف المعيشة. ثم ما لبث الحراك أن انتشر سريعاً إلى المدن الأخرى، وبخاصة في الأحياء الفقيرة التي تقطنها الطبقة العاملة، في مؤشر واضح على السخط الشعبي العارم وحالة البؤس الشديد بعد عقود من العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة والفساد وسوء الإدارة.

وكان قد حصل نفس الشيء قبل عدة سنين بعد وفاة فتاة إيرانية كردية كانت رهن الاحتجاز اسمها ماشا أميني تبلغ من العمر 22 سنة. وكانت أميني قد ألقي القبض عليها من قبل "شرطة الآداب" الإيرانية بسبب عدم التزامها بالزي الإسلامي.

إلا أن حقيقة أن ذلك السخط ضد الركود الاقتصادي الذي يعاني منه منتسبو الطبقتين الوسطى والعاملة على حد سواء، كان حقيقياً، لا ينبغي أن تحجب النظر عن ضلوع أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية في إذكاء ألسنة اللهب. كلا العاملين موجود ولا ينفي أحدهما الآخر.

أقصى ضغط


نجمت أزمة إيران الاقتصادية العميقة عن سوء إدارة الدولة داخلياً وعن العقوبات الخانقة التي يفرضها ترامب، والذي بادر في مطلع فترته الرئاسية الأولى إلى سحب الولايات المتحدة من صفقة النووي مع إيران وفرض سياسة "أقصى ضغط"، وهي السياسة التي لم تلبث إدارة خلفه، الديمقراطي بايدن، أن استمرت في انتهاجها.

مثلما هو حال الإبادة الجماعية في غزة، كلا الحزبين في الولايات المتحدة يدعمان محاولات تركيع إيران عبر شلها اقتصادياً، علماً بأن الضحية الأولى لهذه السياسة هو الشعب الإيراني الذي يزعم الغرب أنه قلق عليه.

ليس جديداً على أجهزة المخابرات، الموساد والسي آي إيه والإم آي 6، افتعال الظروف التي تؤدي إلى البؤس والإحباط، ثم استخدامها ضد البلد ككل. وليس جديداً كذلك سعيها الحثيث لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى تمرد مسلح. إلا أن ما هو مختلف هذه المرة هو أن هذه الأجهزة لم تبذل أدنى محاولة لإخفاء بصماتها.

جهاز الموساد بالذات لم يجد حرجاً في الحديث عن ضلوعه فيما يجري، ففي بوست على حساب إكس باللغة الفارسية (تويتر سابقاً) نشره يوم 29 ديسمبر / كانون الأول، قال إنه شجع الإيرانيين على الاحتجاج، بل وأعلن أنه موجود فعلياً معهم في المظاهرات الاحتجاجية.

كتب جهاز الموساد يقول: "اخرجوا معاً إلى الشوارع، لقد حان الوقت. إننا معكم، ليس فقط عن بعد وليس فقط بالكلام. بل نحن معكم في الميدان."

وهذا وحده قد يفسر ارتفاع عدد القتلى في صفوف قوات الشرطة. ولقد اتهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي شبكات مرتبطة بإسرائيل باختراق الاحتجاجات، والضلوع في أعمال التخريب وشن الهجمات من أجل تصعيد الاشتباكات وزيادة أعداد الضحايا.

إلا أن استراتيجية إيران أخفقت عندما نظم عشرات الآلاف من الناس مسيرة مؤيدة للحكومة، وتم إغلاق الإنترنيت، وألقي القبض على الآلاف – ولكن ليس قبل أن تُغرس في وسائل الإعلام الغربية فكرة أن إسقاط نظام الحكم بات الآن قضية حقوق إنسان دولية، وأن الفصائل المناهضة للنظام تبدو مجمعة على زعيم لها هو رضا بهلوي، ابن آخر شاه حكم إيران، والبالغ من العمر 65 سنة.

رفض ترامب مقابلة بهلوي، وحينما سأله مقدم البودكاست هيو هيويت عما إذا كان سيقابل بهلوي المقيم في الولايات المتحدة، قال ترامب: "لقد شاهدته، ويبدو شخصاً لطيفاً، ولكنني لست متأكداً أن القيام بذلك كرئيس سيكون مناسباً في هذه اللحظة."
تم تفسير ذلك على أنه رسالة على نسق ما جرى في فنزويلا، بمعني أنه لو تمكن ترامب من التخلص من خامنئي، فقد يكون مستعداً لإبرام صفقة مع بعض من بقايا النظام.

تبدل في الموقف


لكم سرنا في هذا الطريق مرات عديدة من قبل. ولكن ثمة فرقاً كبيراً هذه المرة عما جرى من محاولات في المرات السابقة لإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية.

والفرق هو أن العالم العربي السني منحاز إلى إيران هذه المرة، وذلك على الرغم من أنه لطالما وجد نفسه مستهدفاً من قبل عملية توسيع نطاق شبكة إيران من المجموعات المسلحة في المنطقة، والتي خاضت أحياناً حروباً مريرة بالوكالة في أرجاء العراق ولبنان واليمن وسوريا.

لا يحدث ذلك انطلاقاً من أي فكرة رومانسية ذات علاقة بدعم القضية الفلسطينية، ولا هو ناجم عن هجمة مفاجئة من التسامح الديني. ولا علاقة لذلك من حيث الأساس بالرغبة في الحفاظ على مرافق الثروة النفطية، والتي باتت عرضة للانتقام ومكشوفة أمام المسيرات والصواريخ الإيرانية.

بل يتعلق هذا التبدل في الموقف بالمصالح القومية العربية في السيادة والاستقلال، إذ تبدو إيران، وبشكل متزايد، كما لو كانت تخوض نفس المعركة التي تخوضها الدول العربية ضد الهيمنة والاحتلال.

يخشى العرب أيضاً أن تصبح إسرائيل صاحبة الهيمنة العسكرية الأولى في المنطقة، وأن تفتيت الدول المجاورة هو السبيل الأسرع لتحقيق ذلك.

لا ريب أن أكبر انعطاف دراماتيكي ضد إسرائيل يمكن رؤيته في المملكة العربية السعودية، والتي ظلت طوال العقد الماضي معقلاً لما كان يبرم ضد إيران من مخططات. ففي السادس من أكتوبر / تشرين الأول، قبل يوم واحد من الهجوم الذي قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل، كانت المملكة العربية السعودية على وشك التوقيع على اتفاقيات أبراهام، والتي كانت ستفضي إلى تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.

أما اليوم، بالمقابل، فلا يقتصر الأمر على أن ذلك التحرك لم يعد مطروحاً ولا وارداً، بل ثمة حملة شرسة تشن ضد إسرائيل في وسائل الإعلام السعودية.

في أحضان الصهيونية


ثمة مقال بالذات ما كان يمكن أن ينشر، ثم يعاد نشره، إلا بموافقة من أعلى المستويات.

تحت أي ظرف من الظروف، كان من المحتم أن ظهور الأكاديمي السعودي أحمد بن عثمان التويجري في صفحة المقالات في صحيفة الجزيرة سوف يثير الاستغراب، نظراً لأن هذه الصحيفة منصة إعلامية ناطقة باسم الحكومة، بينما معروف عن التويجري تعاطفه مع جماعة الإخوان المسلمين المحظورة.

ولذلك يعتبر ظهور التويجري أمراً ملحوظاً في ظل حكومة لم تزل تشن حملات التصفية المتتابعة ضد الأكاديميين والصحفيين المرتبطين بتيار الإسلام السياسي.

نشرت الصحيفة مقالاً لاذعاً اتهم فيه التويجري الإمارات العربية المتحدة بإلقاء نفسها "في أحضان الصهيونية"، وبأنها تؤدي دور "حصان طروادة الإسرائيلي في العالم العربي على أمل أن يتم استخدامها ضد المملكة وضد البلدان العربية الكبرى – في خيانة لله ولرسوله وللأمة جمعاء."

اتهم التويجري، محقاً، الإمارات العربية المتحدة بتفتيت ليبيا، وبنشر الفوضى فيا السودان من خلال تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وكذلك باختراق تونس مثل الآفة.
كما زعم أن الإمارات العربية المتحدة تقوم عن عمد بدعم إثيوبيا في مشروع سد النهضة العظيم، على الرغم من الضرر الكبير الذي يمكن أن يلحقه بمستويات المياه المتجهة نحو المصب وبمصالح مصر الاستراتيجية.

كل هذا صحيح، ولكن أن يأتي ذلك من المملكة العربية السعودية، شريك الإمارات العربية المتحدة في جل جرائم الثورة المضادة التي سحقت ثورات الربيع العربي، فهذا شيء في غاية القوة.

ردت أبو ظبي من خلال تفعيل شبكتها في العاصمة الأمريكية واشنطن. كتب باراك رافيد، من موقع أكسيوس، عبر حسابه في إكس، يقول إن تلك المقالة لم تكن مناهضة لإسرائيل فحسب، بل كانت مناهضة للسامية.

وانضمت رابطة مكافحة التشهير إلى الحملة قائلة إنها شعرت بالذعر "من تزايد وتيرة وحجم الأصوات السعودية البارزة – من محللين وصحفيين ودعاة – التي تستخدم صفارات كلاب معادية للسامية وتدفع بخطاب معاد بشدة للاتفاقيات الإبراهيمية، وعادة ما تلجأ إلى نظريات المؤامرة في الحديث عن المكائد الصهيونية."

ما أن وصل رد الفعل على المقال المذكور إلى هذا المستوى من السخط الشديد حتى اختفى المقال نفسه من الإنترنيت، وزعمت رابطة مكافحة التشهير أن لها الفضل في هذا الحذف، مشيرة إلى أنه حدث مباشرة بعد ظهور البوست الذي علقت به المجموعة عليه.
إلا أن تلك لم تكن الكلمة الأخيرة تعليقاً على المقال، الذي ما لبث أن عاد فجأة ليطل على الجمهور من موقع صحيفة الجزيرة.

كتب كولومبوس، والذي يعتقد على نطاق واسع بأنه صوت سعود القحطاني، المستشار الإعلامي لولي العهد الأمير محمد بن سلمان، عبر موقع إكس: "بعض الناس من الإمارات المتصالحة، أصلحهم الله، ينشرون كذبة مفادها أن مقالاً سعودياً بقلم التويجري قد تم حذفه من موقع صحيفة الجزيرة، خشية من العلاقات الدولية. وهذا غير صحيح، مازال المقال موجوداً هنا، وهذا هو رابط المقال."

إن الخلاصة الوحيدة التي يمكن استنتاجها من هذه القضية هو أن ما قاله التويجري يمثل الموقف الرسمي للمملكة ذاتها.

سياسة التفتيت


يتجلى أثر غزة في كل أرجاء المنطقة. غزة ذاتها كانت هزيمة عسكرية لحماس وحزب الله وإيران، أما أثر غزة فهو أبعد ما يكون عن الهزيمة.

من خلال سحقه لغزة، تعهد نتنياهو مراراً وتكراراً بإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقد قال في العديد من المناسبات منذ ذلك الحين إنه "يقوم بتغيير وجه الشرق الأوسط" وأن هذا الصراع ما هو إلا "حرب لإعادة الميلاد.".

من أهم غايات سياسة التفتيت الإسرائيلية ضمان أن سوريا ما بعد سقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد لن ترجع أبداً دولة وطنية ذات سيادة.

تلك كانت نية نتيناهو عندما شن خلال ساعتين فقط من سقوط الأسد في أواخر عام 2024 أكبر حملة قصف على سوريا في تاريخ البلد، نجم عنها تدمير قوت سوريا الجوية والبحرية خلال أقل من أربعة وعشرين ساعة.

بعد ذلك انطلقت الدبابات الإسرائيلية تجتاح الجنوب السوري تحت ذريعة إقامة محمية للدروز، وهو العرض الذي رفضته القيادة الدرزية في أول الأمر.

كما عرضت إسرائيل "حماية" الكرد في شمال سوريا، ولكن ما لبث هذا العرض أن أثبت أنه مجرد كلام أجوف في الأسبوع الماضي بعد أن أفضت الاشتباكات التي نشبت ابتداءً في المناطق الكردية من حلب إلى الانهيار السريع لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وإلى استلام الحكومة في دمشق مقاليد الأمور وفرضها السيطرة على جل الأراضي السورية.
لم ترفع الولايات المتحدة، التي طالما ساندت قسد من قبل، إصبعاً للحيلولة دون وقوع الهزيمة المنكرة، ولم تستجب إسرائيل لنداءات الاستغاثة الكردية.

قبل التوقيع على وقف إطلاق النار، اتهم توم باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، قائد قسد مظلوم عبدي بمحاولة جر إسرائيل للتورط في شؤون سوريا الداخلية.

لا ريب أن المنطقة تتغير بالفعل، ولكن ليس بالطريقة التي تصورها نتنياهو. حينما انهار نظام الأسد كما لو كان بيتاً من ورق، كانت سوريا قد أرهقت بسبب حرب أهلية استنزفتها طوال عقد من الزمن، فما كان من رئيسها الجديد أحمد الشرع إلا أن بذل كل ما في وسعه لكي يرسل بإشارة مفادها أنه لا يرغب في خوض حرب مع إسرائيل.

بعد عام من ذلك، تبدل المزاج في سوريا بسبب عدوانية وغطرسة المحتلين الإسرائيليين، والذين لا يقتصر الأمر على أنهم لا ينوون التخلي عن مرتفعات الجولان، وإنما تتواجد قواتهم الآن على بعد ما لا يزيد عن 25 كيلومتراً من العاصمة دمشق ذاتها.

درس مستفاد


غدت الآن مقاتلة إسرائيل مسألة عزة قومية في سوريا، وهكذا هو الحال في جل المنطقة، وذلك على الرغم من الشرع ذاته ماض بنفس الحذر والفطنة التي أظهرها عندما أطاح بالأسد.

في ذروة النصر التي تحقق في الشمال السوري، أصدر الشرع مرسوماً يعترف بالكردية لغة وطنية ويعيد المواطنة إلى جميع الكرد السوريين.

تلوح في الأفق تحالفات عسكرية جديدة، تطلق إسرائيل على إحداها اسم "الناتو المسلم"، ولكن في الواقع لا يوجد شيء كهذا.

ولعل ما يدفع نحو ذلك هو الإدراك المتنامي بين القوى المسلمة الوسيطة في المنطقة بأن السبيل الوحيد لاحتواء إسرائيل هو أن يتداعى بعضهم لبعض بالحماية. هذا هو الدرس المستفاد من رؤية إسرائيل تستفرد كل مرة بعدو واحد.

وها هو أكبر جيش في الإقليم، جيش تركيا، يجري مباحثات حالياً للانضمام إلى معاهدة الدفاع بين المملكة العربية السعودية والباكستان. كما أن تركيا والمملكة العربية السعودية ومصر تناصر علانية قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان.

ولتعميق الشرخ مع الإمارات العربية المتحدة، توشك المملكة العربية السعودية على شراء الذهب السوداني، وهو إجراء من شأنه أن يقلص، ولكن لن يقضي على، تجارة أبو ظبي بالذهب الأفريقي.

كل هذه مؤشرات على أن المنطقة تتغير بالفعل، ولكن ليس كما كان يريد نتنياهو ويرى.
إنه يواجه الهزيمة على أكثر من جبهة. ولقد فشل في إحداث خروج جماعي للسكان سواء من غزة أو من الضفة الغربية المحتلة، وهي الغاية التي من أجلها صممت سياساته، من القصف إلى التجويع.

وفشل أيضاً في تفتيت سوريا، بل ما حصل كان على النقيض من ذلك: لقد نجحت إسرائيل في توحيد سوريا كما لم تتوحد من قبل. وفشل في التأسيس لحضور عسكري في أرض الصومال المنشقة، وها هو الآن يواجه معارضة مكشوفة من قبل الحكومة الصومالية.

ولقد فقد دعم مصر حول غزة، وفقد دعم الأردن حول الضفة الغربية – حيث أنهما يريان في تدفق اللاجئين الفلسطينيين على أراضيهما تهديداً وجودياً لهما.

سوف يكون الهجوم على إيران تارة أخرى آخر رمي بالنرد يقوم به نتنياهو. ولكن حليفه الرئيس، الإمارات العربية المتحدة، فقد الكثير من نفوذه بعد أن تم طردهم من اليمن.

هناك ثلاث خيارات فيما لو شن الهجوم.

أما الأول فهو قطع رأس القيادة الإيرانية وترهيب من يبقى من أعضاء النخبة على قيد الحياة حتى يشتركوا معه في اللعب. وهذا أمر من المستبعد أن ينجح في إيران. من المؤكد أن آية الله الذي سيخلف خامنئي سوف يكون أكثر عزماً على وضع أيدي إيران على الرادع الوحيد لأي هجوم قادم – القنبلة النووية.

وأما الخيار الثاني، فيما لو انهارت الدولة، فهو إقامة محمية إسرائيلية بقيادة بهلوي. وهذا أيضاً مستبعد، فهو خيار لا يحظى بدعم يذكر داخل إيران. وفيما لو تم تنصيبه في السلطة، فلسوف يكون أكثر عمالة لإسرائيل من والده.

ولكن الخيار الثالث والأكثر احتمالاً فيما لو انهارت الدولة فهو نشوب حرب أهلية وتفتيت إيران، وهذا من شأنه أن يفضي إلى تدفق كبير من قبل الإيرانيين شمالاً وغرباً إلى المملكة العربية السعودية وتركيا، مما سيعرض المنطقة برمتها إلى حالة من عدم الاستقرار.

وبذلك ينتهي حلم السعودية في التحديث بجرة قلم، ولن ينعم أي من الجيران بالسلام بعد حدوث مثل هذا الانهيار. ولذلك أعدت تركيا خططاً للدفاع عن حدودها للحيلولة دون عبور ملايين الإيرانيين إليها.

من حق الحكومة الإيرانية اعتبار هذه الأحداث تهديداً وجودياً، وينبغي على جميع من في المنطقة، بغض النظر عما لديهم من تاريخ ماض مع الجمهورية الإسلامية، بذل قصارى جهدهم للدفاع عن إيران وضمان سيادتها.

يحيك نتنياهو المكائد من أجل شن هجوم على إيران لأن كل تحركاته الأخرى باءت بالفشل. لا ريب أن معركة إيران من أجل البقاء هي معركة المنطقة من أجل البقاء، ولا ينبغي بتاتاً أن يغيب هذا الأمر عن بال أي من الزعماء العرب.

ميدل إيست آي