إيران تفعّل "الطوارئ" خشية ضربات وسط تصعيد عسكري ومحادثات سرية

حشود عسكرية أمريكية غير مسبوقة ونشر حاملة طائرات في الشرق الأوسط - ارنا
باشرت الحكومة الإيرانية تنفيذ إجراءات طوارئ واسعة لتعزيز إمدادات السلع الأساسية وضمان استمرارية عمل مؤسسات الدولة، في ظل تصاعد المخاوف من هجمات أمريكية أو إسرائيلية جديدة على البلاد، بالتزامن مع حشود عسكرية غير مسبوقة في الشرق الأوسط، ومحادثات دبلوماسية سرية تسعى إلى تفادي مواجهة قد تنزلق إلى حرب شاملة.

وبحسب وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، أصدر الرئيس مسعود بزشكيان، خلال اجتماع عقده الثلاثاء مع حكام المحافظات الحدودية، أوامر تهدف إلى “القضاء على البيروقراطية الزائدة وتسريع استيراد السلع الأساسية”، في خطوة وصفت بأنها تفويض غير مسبوق للسلطات المحلية.

وقال بزشكيان خلال الاجتماع: “نسلم السلطات إلى المحافظات حتى يتمكن المحافظون من الاتصال بالسلطة القضائية والمسؤولين في المنظمات الأخرى واتخاذ القرارات بأنفسهم”.

وأوضحت وسائل إعلام محلية أن هذه الإجراءات تسمح للمحافظين بمتابعة “الواردات من دون عملة أجنبية” عبر آليات بديلة، من بينها المقايضة مع الدول المجاورة، متجاوزين الإجراءات السابقة.

وأكد بزشكيان أن القرار من شأنه “تحييد قدر كبير من الضغط الناتج عن العقوبات الجائرة المفروضة للإضرار بمعيشة الناس”.

هاجس الاغتيالات وشلل الدولة

وتأتي هذه الخطوة في ظل مخاوف متزايدة داخل طهران من احتمال استهداف شخصيات سياسية وعسكرية بارزة، بما في ذلك قيادات الصف الأول، وهو ما دفع الحكومة إلى توزيع الصلاحيات لضمان استمرار عمل الدولة في حال وقوع اغتيالات.

وكان الاحتلال الإسرائيلي قد استهدف عشرات القادة العسكريين الإيرانيين في ضربة افتتاحية خلال الحرب التي استمرت 12 يوما في حزيران/يونيو الماضي، وهي عملية أقرت طهران بأنها تركت القيادة الإيرانية في حالة “ذهول”.

تصعيد أمريكي وتحشيد عسكري في المنطقة

في المقابل، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته خلال الأسابيع الماضية، ملوحا بإمكانية شن هجوم على إيران، وقال الأسبوع الماضي إنه أرسل “أسطولا” من القوات البحرية باتجاه المنطقة “في حال أصبح العمل العسكري ضروريا”.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية، الاثنين الماضي، نشر حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” في الشرق الأوسط، وهي تحمل مقاتلات "أف35" وأف/A-18 وطائرات حرب إلكترونية، وترافقها مدمرات صواريخ موجهة.

ونقلت وسائل إعلام أمريكية أن واشنطن عززت وجودها الجوي أيضا عبر نشر سرب من طائرات "أف15" في قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، في ظل رفض دول خليجية السماح باستخدام أجوائها أو قواعدها لشن هجوم على إيران.

خيارات الضربة

ونقل موقع “ميدل إيست آي” عن مسؤول خليجي مطلع أن الولايات المتحدة تدرس تنفيذ ضربات دقيقة تستهدف مسؤولين وقادة إيرانيين “ذوي قيمة عالية”، تعتبرهم واشنطن مسؤولين عن مقتل متظاهرين خلال الاحتجاجات الأخيرة.

وأشار الموقع إلى أن الضربات قد تبدأ في أي وقت، مع وجود نقاشات “فوضوية” داخل الإدارة الأمريكية حول تداعيات أي هجوم واحتمالات الرد الإيراني.

وأكد مسؤول استخباراتي أمريكي سابق للموقع أن ترامب لم يتخلّ عن فكرة “تغيير النظام” في طهران، وأن التهدئة الأخيرة قد تكون مؤقتة.

تحذيرات إيرانية وردود محتملة

في المقابل، حذرت شخصيات سياسية وعسكرية إيرانية من أن أي هجوم أمريكي سيقابل برد مباشر، وقد يشمل استهداف الاحتلال الإسرائيلي وقواعد أمريكية في المنطقة، مؤكدة أن أي محاولة لاغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي ستُعد “إعلان حرب شاملة”.

وكانت إيران قد ردت على القصف الأمريكي لمواقعها النووية في حزيران/يونيو بمهاجمة قاعدة العديد الأمريكية في قطر، بعد إخطار مسبق، ما أدى إلى أضرار محدودة.

لكن خبراء حذروا من أن أي هجوم جديد، في ظل الاحتجاجات الواسعة داخل إيران، قد ينظر إليه كتهديد وجودي للنظام، ما قد يدفع طهران إلى رد أكثر عنفا، يشمل إغلاق مضيق هرمز أو استهداف قواعد أمريكية متعددة.

احتجاجات داخلية وأزمة اقتصادية خانقة

ولا تزال إيران تعاني من تداعيات احتجاجات دامية وصفت بأنها الأعنف منذ ثورة 1979، وأسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص.

كما لا يزال انقطاع الإنترنت المفروض منذ 8 كانون الثاني/يناير قائما إلى حد كبير، وسط ضعف الاتصال حتى عبر الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN).

وفي محاولة لطمأنة الشارع، قال محافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي إن نحو 2.25 مليار دولار جرى تداولها في الأسابيع الأخيرة، معتبرا أن ذلك يشير إلى عودة تدريجية للاستقرار، رغم فقدان العملة الإيرانية نحو 40% من قيمتها بعد حرب حزيران/يونيو.

الدبلوماسية في الظل.. محادثات سرية

وفي هذا السياق، ذكرت صحيفة “إسرائيل اليوم” أن إيران والولايات المتحدة تجريان محادثات سرية بوساطة عُمان وقطر، وربما تركيا، لمناقشة الملف النووي وقضايا أخرى.

وبحسب مصادر دبلوماسية خليجية، يتولى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إدارة المحادثات، بينما يمثل الجانب الأمريكي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وأشارت المصادر إلى أن إيران أبدت مرونة غير مسبوقة في الملف النووي، لكنها رفضت حتى الآن مناقشة برنامجها الصاروخي أو ملف قمع الاحتجاجات، معتبرة ذلك “شأنا داخليا”.

شكوك حول فرص النجاح

ونقلت الصحيفة أن فرص نجاح هذه المحادثات لا تزال غير واضحة، خاصة بعد ورود معلومات عن تنفيذ عمليات إعدام، رغم تعهد سابق من طهران بعدم الإقدام على ذلك مقابل تأجيل الضربة الأمريكية.

من جهتها، أقرت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني بوجود “ظل ثقيل للحرب يخيم على البلاد”، لكنها أكدت أن طهران لا تزال تسعى إلى حل دبلوماسي.

وقالت للصحفيين: “نسمع طبول الحرب تدقها وسائل الإعلام المعادية في الخارج لبث الخوف والاضطراب… لكننا نواجه حربا هجينة متعددة الأوجه”.