نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" تقريرًا تناول التحولات المتسارعة في الموقف السعودي من
الاحتلال الإسرائيلي، وانعكاساتها المباشرة على الرهانات الأمريكية الرامية إلى تعزيز العلاقة مع الرياض، معتبرة أن ابتعاد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن مسار التطبيع يفرض على واشنطن إعادة تقييم مقاربتها للشرق الأوسط.
وقالت المجلة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، إن محمد بن سلمان، وعلى الرغم من سلسلة الإغراءات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قدمتها
الولايات المتحدة، اختار الابتعاد عن مسار التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك عن مستوى التوافق الإقليمي الأوسع مع واشنطن.
وأشارت إلى أن المخاوف المشتركة من طموحات إيران الإقليمية دفعت خلال السنوات الماضية إلى تقارب غير معلن بين الرياض وتل أبيب، تجسد في تنسيق إقليمي محدود، ما ولّد آمالًا أمريكية وإسرائيلية بإمكانية انتقال هذا التقارب إلى تطبيع كامل.
وأضافت أن التطبيع السعودي مع الاحتلال كان يُنظر إليه بوصفه تتويجًا لسلسلة تحولات إقليمية أعقبت عملية 7 أكتوبر 2023، الذي أسفر عن مقتل 1200 إسرائيلي. واعتبرت المجلة أن الرد العسكري الواسع للاحتلال لم يستهدف
غزة فحسب، بل أدى – وفق تقديرها – إلى إضعاف إيران وعدد من حلفائها في ما يسمى «محور المقاومة»، وفي مقدمتهم حزب الله وحماس، وهو ما انعكس، بحسب التقرير، بفوائد أمنية غير مباشرة على كل من
السعودية والاحتلال الإسرائيلي عبر تقليص مستوى التهديد العسكري الإيراني.
ولفت التقرير إلى أن الشرق الأوسط يعيش حالة سيولة استراتيجية دائمة، حيث تتشكل التحالفات وتتفكك تبعًا للتهديدات المستجدة، فيما تتراجع فرص الاستقرار طويل الأمد أمام طموحات اللاعبين الإقليميين الكبار. وينطبق هذا المشهد، وفق المجلة، على العلاقة السعودية مع الاحتلال، إذ لم تعد الرياض وتل أبيب على مسار التطبيع الذي بدا ممكنًا قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر.
وأشارت إلى أن ولي العهد السعودي وجّه خلال الفترة الأخيرة انتقادات علنية حادة لسلوك الاحتلال الإسرائيلي، وشرع في بلورة تكتل إقليمي جديد يهدف إلى موازنة التحالف المتنامي بين الاحتلال والإمارات.
واعتبرت المجلة أن هذا التحول يحمل تداعيات استراتيجية لا تقتصر على تل أبيب، بل تمتد إلى واشنطن التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعوّل على التطبيع السعودي الإسرائيلي بوصفه مدخلًا لتوسيع دائرة «اتفاقات أبراهام» وضم دول عربية إضافية إليها.
وذكّرت المجلة بأن ترامب ظل، خلال العام الماضي، متفائلًا بإمكانية تحقيق اختراق مع الرياض، وأغدق الثناء على محمد بن سلمان، مقدمًا في المقابل حزمة امتيازات عسكرية واقتصادية واسعة. ففي تشرين الثاني/نوفمبر، وافقت الإدارة الأمريكية على صفقة محتملة لبيع ما يصل إلى 48 طائرة «إف-35» الشبحية المتطورة ونحو 300 دبابة للسعودية، إلى جانب اتفاقات لتوسيع العلاقات التجارية وتخفيف القيود أمام الاستثمارات المتبادلة.
غير أن التقرير اعتبر أن التحركات السعودية الأخيرة تستدعي من واشنطن التريث وإعادة النظر في هذه الالتزامات، بما في ذلك صفقة طائرات «إف-35» التي تتطلب موافقة الكونغرس ولن يبدأ تنفيذها قبل سنوات.
وأشارت المجلة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي عبّر سابقًا عن قلقه من أن امتلاك السعودية لهذه الطائرات قد يمس بتفوقه العسكري النوعي، وهو هاجس سعت واشنطن طويلًا إلى تطمينه، لكن ازدياد التوتر بين الرياض وتل أبيب قد يعيد هذه المخاوف إلى الواجهة بقوة أكبر.
وبيّنت المجلة أن محمد بن سلمان كان قد ربط، على الأقل في العلن، أي تطبيع مع الاحتلال بخطوات ملموسة نحو تعزيز قيام دولة فلسطينية، غير أن الابتعاد الاستراتيجي الأوسع عن تل أبيب يبدو – بحسب التقرير – مدفوعًا باعتبارات داخلية وتطورات إقليمية أعمق.
ففي الداخل السعودي، يواجه ولي العهد تحفظات من أجنحة داخل الأسرة الحاكمة ترى في الاحتلال منافسًا لا شريكًا، إضافة إلى معارضة من تيارات دينية لا تزال تتبنى خطابًا عدائيًا، ومن شريحة واسعة من الشباب السعودي الذين يحمّلون الاحتلال المسؤولية الرئيسية عن المجازر التي أعقبت أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023.
كما رأت المجلة أن بن سلمان ينظر إلى المشهد الإقليمي من زاوية مختلفة، إذ يرى إيران اليوم أضعف مما كانت عليه، ما يقلل من حاجة الرياض إلى المظلة العسكرية التي كان يوفرها التقارب مع الاحتلال.
وفي المقابل، تبدو تل أبيب – من خلال تحركاتها لاستهداف قادة «حماس» خارج فلسطين، ومحاولاتها التأثير في ترتيبات ما بعد الأسد في سوريا – وكأنها تسعى إلى ترسيخ طموحات هيمنية خاصة بها، ما يثير قلق القيادة السعودية.
وأشارت إلى أن هذا التحول لم يكن وليد أحداث تشرين الأول/أكتوبر فقط، إذ إن الرياض كانت تمهّد منذ ما قبل ذلك لإعادة ترتيب إقليمي أوسع.
ففي آذار/مارس 2023، أعلنت السعودية وإيران استئناف العلاقات الدبلوماسية بعد قطيعة دامت سبع سنوات، وهو مسار أثبت قدرًا من الصلابة، تُوّج بزيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في نيسان/أبريل الماضي ولقائه كبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي.
ومع ابتعادها عن الاحتلال الإسرائيلي، تتجه السعودية – بحسب المجلة – إلى مواجهة الشريك الإقليمي الأقرب لتل أبيب، أي الإمارات، في تحول وصفته بـ«الجذري» في ميزان القوى. ولفتت إلى أن الرياض، الداعمة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، نفذت في الأسابيع الأخيرة ضربات ضد فصائل يمنية مدعومة من أبوظبي، في مؤشر على تصاعد التنافس بين الطرفين.
وأضاف التقرير أن السعودية تعمل كذلك على كبح النفوذ الإماراتي المتنامي قرب البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بالتوازي مع توسيع شبكة تحالفاتها عبر تعزيز التعاون الأمني مع مصر والصومال، وتوثيق علاقاتها مع تركيا.
وأشارت إلى أن مساعي أنقرة للانضمام إلى اتفاق دفاعي وقّعته السعودية مع باكستان في أيلول/سبتمبر، ويتضمن بندًا للدفاع المشترك شبيهًا بالمادة الخامسة في ميثاق «الناتو»، قد تفضي إلى تشكل «محور سعودي–تركي» ذي بنية دفاعية جماعية، موجّه ضمنيًا في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والإمارات.
وختمت المجلة بالتأكيد على أن الرهانات الأمريكية على تعميق الشراكة مع الرياض، وإنجاز التطبيع
السعودي مع الاحتلال الإسرائيلي، تصطدم بعقبات داخلية يواجهها محمد بن سلمان، وبطموحاته الإقليمية التي باتت تتجاوز الحسابات الأمريكية التقليدية.
للاطلاع إلى النص الأصلي (
هنا)