WP: مجلس السلام يعكس نزعة ترامب للحكم بلا قيود دولية

اشترط الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا للانضمام إلى "مجلس السلام" حصره بغزة مع تخصيص مقعد رسمي لدولة فلسطين - البيت الأبيض
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالا للكاتب والمؤرخ ماكس بوت، قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب كثيرا ما يتهم بأنه مثير للحروب وقائد مارق يتصرف في تحد للقانون الدولي والرأي العام العالمي.

وتظهر خطته المهددة (التي تم التخلي عنها مؤقتا) للاستيلاء على غرينلاند من الدنمارك، سواء "بالطريقة السهلة" أو "بالطريقة الصعبة"، سبب شيوع هذا الوصف خارج قاعدته الشعبية.


وكأنه يريد دحض هذه التهمة، أعلن ترامب الأسبوع الماضي عن مجلس سلام مصمم - كما كتب في رسالة دعوة مفعمة بالحماس إلى رئيس وزراء السويد - "لجمع نخبة من الدول المستعدة لتحمل المسؤولية النبيلة لبناء سلام دائم".

مجلس ينافس الأمم المتحدة

لكن بغض النظر عن الاختلافات الظاهرية بين ضم ترامب المزمع لغرينلاند ومحاولته إنشاء ما وصفته الدعوة بأنه "المجلس الأكثر إثارة للإعجاب والأكثر تأثيرا على الإطلاق"، فإنهما يتجليان في نفس الدافع: ترامب يريد أن يفعل ما يشاء، أينما يشاء، دون أي قيود أو ضوابط، ويرغب في جني الكثير من المال من وراء ذلك.

من المفترض أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم يكن لديه أدنى فكرة، عندما وافق في تشرين الثاني/ نوفمبر على إنشاء مجلس السلام، أنه كان ينشئ منافسا محتملا للأمم المتحدة نفسها.

كان هدف المجلس هو إنشاء آلية حكم لغزة خالية من سيطرة حماس. لم يتحقق هذا الهدف: لا تزال حماس تسيطر على نصف غزة (بينما يسيطر الاحتلال على النصف الآخر)، كما ترفض الحركة نزع سلاحها. وهذا ما يجعل استحالة تنفيذ خطة البيت الأبيض الطموحة لتحويل منطقة الحرب المدمرة إلى مركز للتكنولوجيا والسياحة.


مجلس يتجاوز نطاقه العالم بأسره

لا يمكن لأحد أن يتهم ترامب بأنه لا يحلم بأحلام كبيرة. ففي الأسبوع الماضي، وخلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، كشف ترامب النقاب عن "مجلس السلام" الذي يتجاوز نطاقه غزة ليشمل، في الواقع، العالم بأسره تقريبا.

لم يصدر البيت الأبيض ميثاق المنظمة رسميا، لكن صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" حصلت عليه، وهو ميثاق مثير للجدل "مجلس السلام" منظمة متعددة الأطراف اسميا فقط. فبينما يوجد مجلس تنفيذي (يضم شخصيات بارزة من مؤيدي ترامب، مثل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف وماركو روبيو)، تتركز جميع السلطات في يد رئيس المجلس.

صلاحيات ترامب "فيتو - وحل - وتوقيع" 

بحسب الميثاق، يتمتع "الرئيس" بصلاحية دعوة الدول للانضمام إلى المجلس، وحق النقض (الفيتو) على القرارات، وحل المجلس، و"اعتماد القرارات أو التوجيهات الأخرى"، وحتى الموافقة على ختم المجلس الرسمي.

الرئيس المُعيّن ليس رئيس الولايات المتحدة، بل ترامب شخصيا، ولا ينص الميثاق على تنحيه عند انتهاء ولايته الرئاسية. باستثناء الأزمات الصحية، يستطيع ترامب إدارة مجلس السلام ما شاء، وله صلاحية اختيار خليفته. هذا نموذج أقرب إلى مؤسسة ترامب منه إلى القيادة الجماعية للأمم المتحدة أو حلف شمال الأطلسي.

مصير أموال الانتساب "مجهولة"

يُعد تشبيه مجلس السلام بشركة ترامب مناسبا للغاية، إذ يهدف المجلس، كما تصوره الرئيس، إلى جمع أموال طائلة. فإذا رغب الأعضاء في البقاء في المجلس لأكثر من ثلاث سنوات، فعليهم المساهمة بمبلغ هائل قدره مليار دولار.

في المقابل، تعتبر رسوم الانتساب لنادي مارالاغو (مليون دولار) زهيدة للغاية. أما مصير هذه الأموال فغير واضح. ينص النظام الأساسي ببساطة على: "يجوز لمجلس السلام أن يصرح بإنشاء حسابات حسب الضرورة لتنفيذ مهمته".

وهذا يعني أنه في حال تبرعت أي دولة، سيتمكن ترامب من الوصول إلى صندوق أسود ضخم مستقل عن سلطة الكونغرس على الإنفاق.

يمكن فهم سبب حرص العديد من المدعوين إلى مجلس السلام على النأي بأنفسهم عنه: فهم يفضلون أن تدعم الولايات المتحدة المؤسسات الدولية القائمة (أعلن البيت الأبيض مؤخرا انسحابه من 66 مؤسسة منها) بدلا من إنشاء مؤسسة جديدة يهيمن عليها ترامب بالكامل.


أعضاء المجلس.. "حكومات ديكتاتورية"

كما وتضم قائمة الدول الموقعة المبكرة، والتي يبلغ عددها نحو عشرين دولة، أغلبية من الأنظمة الديكتاتورية، بما في ذلك مصر وبيلاروسيا والمجر والسعودية وتركيا وكازاخستان، إلى جانب عدد قليل من الديمقراطيات المتحالفة مع ترامب، مثل الأرجنتين.

لا توجد أي مؤشرات حتى الآن على أن أيا من هذه الدول ستدفع مقابل هذا الامتياز. الزعيم الوحيد الذي ألمح إلى إمكانية الدفع هو فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، شريطة أن تسمح له الولايات المتحدة باستخدام الأموال الروسية المجمدة. من وجهة نظره الانتهازية، يُعدّ هذا مكسبا مزدوجا: يضمن بوتين عدم وصول الأموال إلى أوكرانيا، وفي الوقت نفسه يكسب ود ترامب.

خاطرت بعض الدول، مثل فرنسا والسويد وإسبانيا، بإثارة غضب ترامب برفضها الانضمام. أُلغيت دعوة كندا لأن ترامب لم يعجب بخطاب رئيس الوزراء مارك كارني في دافوس الذي دعا فيه القوى المتوسطة إلى التكاتف ضد استبداد القوى العظمى. فيما تلتزم معظم الدول الصمت، على أمل أن يتشتت انتباه ترامب وتختفي منظمة مجلس السلام كما اختفى ضم غرينلاند.

المجلس "تجسيد للمديح الذي تُقدمه الرذيلة للفضيلة"

أفضل ما يُمكن قوله عن مجلس السلام هو أنه تجسيد للمديح الذي تُقدمه الرذيلة للفضيلة. فكما يتبنى الدكتاتوريون شكل الديمقراطية (التصويت، الدساتير، البرلمانات) دون جوهرها، كذلك يتبنى مجلس السلام شكل التعددية دون جوهرها.

إنه أشبه بعرض فردي. وهذا يعني أنه لن يُشلّ بسبب الخلافات بين الأعضاء، كما هو الحال غالبا مع الأمم المتحدة، لكن هذه أيضا نقطة ضعفه: فقلما تتطوع الدول للخضوع لسيطرة الرئيس ترامب.

وعلى الأرجح، سيُنسى مجلس السلام بالسرعة نفسها التي طُويت بها محاولات الرئيس جو بايدن الطموحة لإنشاء مجتمع عالمي من الديمقراطيات. وإن ذُكر أصلا، فسيكون ذلك كدليل على ميل ترامب لجعل كل شيء - حتى، أو ربما على وجه الخصوص، السعي النبيل لتحقيق السلام العالمي - يدور حول تضخيم ذاته.