أثار وزير الحرب الأمريكي بيت
هيغسيث جدلا واسعا بعد تصريحاته التي ربط فيها الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران بخطاب ديني، مؤكدا أن القوات الأمريكية تقاتل وهي مدعومة بـ"عناية الله"، في وقت يحذر فيه منتقدون من أن هذا الخطاب قد يعزز الانطباع في العالم الإسلامي بأن واشنطن تخوض "حربا دينية".
وخلال مقابلة مع شبكة "سي بي إس نيوز" بثت الأحد الماضي، قال هيغسيث إن إيران يجب ألا تشكك في عزم الولايات المتحدة، مؤكدا أن الجيش الأمريكي يمتلك قدرات وإرادة متفوقة. وقال: "قدراتنا أفضل، وإرادتنا أقوى، وجنودنا أفضل. وعناية الله القدير تحمي هؤلاء الجنود، ونحن ملتزمون بهذه المهمة".
وعندما سأله الصحفي ميجور غاريت عما إذا كان ينظر إلى الحرب من منظور ديني، أجاب هيغسيث: "من الواضح أننا نقاتل متطرفين دينيين يسعون إلى امتلاك قدرة نووية من أجل نوع من هرمجدون دينية".
وأضاف لاحقا أن الجنود "يحتاجون في مثل هذه اللحظات إلى ارتباط بالله القدير".
اقتباسات دينية في البنتاغون
بعد أيام من المقابلة، وخلال مؤتمر صحفي في البنتاغون عقب مشاركته في مراسم نقل رفات جنود قتلوا في المعارك، استشهد هيغسيث بآية من المزمور 144 قائلا: "مبارك الرب صخرتي، الذي يدرب يدي على القتال وأصابعي على الحرب".
ويعد هذا الخطاب جزءا من رؤية أوسع يتبناها الوزير الأمريكي الذي دأب على التأكيد بأن الولايات المتحدة "أمة مسيحية". وقال خلال إفطار الصلاة الوطني مؤخرا: "أمريكا تأسست كأمة مسيحية، وما تزال أمة مسيحية في حمضها النووي، إذا تمكنا من الحفاظ على ذلك".
وأضاف: "لسنا فقط محاربين مسلحين بترسانة الحرية، بل نحن أيضا مسلحون بترسانة الإيمان".
ويثير هيغسيث جدلا كذلك بسبب رموز دينية وشعارات مرتبطة بالحروب الصليبية، إذ يحمل على صدره وشوما من بينها "صليب القدس"، وهو رمز ديني ارتبط تاريخيا بالحملات الصليبية التي خاضها الأوروبيون لاستعادة الأراضي المقدسة من المسلمين.وفق تحليل للكاتب والمحلل السياسي في
شبكة “سي ان ان” زاكاري وولف.
كما يحمل وشما لعبارة "Deus Vult" التي تعني "الله يريد ذلك"، وهي العبارة التي استخدمت كشعار للحملات الصليبية. وكتب في كتابه الصادر عام 2020 بعنوان "الحملة الصليبية الأمريكية" أن هذه العبارة كانت "نداء تجمع للفرسان المسيحيين عندما ساروا نحو القدس".
"لحظة صليبية" في نظر هيغسيث
في كتابه "American Crusade"، اعتبر هيغسيث أن الولايات المتحدة تعيش "لحظة صليبية" تشبه الحروب الدينية في القرن الحادي عشر، محذرا مما وصفه بخطر "الإسلاميين" الذين يسعون لإعادة تشكيل المجتمعات والحكومات على أساس ديني.
وكتب: "لا نريد القتال، لكن مثل إخواننا المسيحيين قبل ألف عام، يجب علينا أن نفعل ذلك".
كما تحدث عن ضرورة تحالف الولايات المتحدة مع الاحتلال الإسرائيلي قائلا: "نحن المسيحيين، إلى جانب أصدقائنا اليهود وجيشهم المميز في إسرائيل، يجب أن نحمل سيف الأمريكية غير الاعتذارية وندافع عن أنفسنا".
وأضاف أن واشنطن يجب أن تدفع "الإسلاموية" إلى التراجع "ثقافيا وسياسيا وجغرافيا، وعسكريا أيضا في حالات مثل تنظيم الدولة الإسلامية".
نظرة متطرفة تجاه الإسلام
وفي مقطع آخر من الكتاب نفسه، عبر هيغسيث عن موقف متشدد تجاه الإسلام، قائلا: "كلما استمر الأمريكيون في العيش تحت وهم أن الإسلام دين سلام، خصوصا مع التغيرات الديموغرافية في أوروبا والولايات المتحدة، أصبحت مهمتنا أصعب".
وأضاف: "الإسلام في حالة حرب مع أعدائه منذ تأسيسه، أي مع كل الكفار، ولن يتوقف عن ذلك".
وتأتي هذه التصريحات في وقت تخوض فيه الولايات المتحدة والاحتلا الإسرائيلي حربا عسكرية ضد إيران، وهي جمهورية إسلامية. وتؤكد إدارة الرئيس دونالد ترامب أن جذور الصراع تعود إلى عام 1979 عندما أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه المدعوم أمريكيا.
وقبل اندلاع الحرب، أطلق هيغسيث مبادرة لإعادة تعزيز دور الدين داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، تحت شعار "إعادة العظمة لهيئة القساوسة العسكريين". ويسعى الوزير إلى تعديل دليل القساوسة العسكريين بحيث يتضمن إشارات دينية أكثر ويبتعد عن اللغة العلمانية.
كما بدأ بث صلاة شهرية في أروقة البنتاغون، ودعا في شباط/ فبراير الماضي القس دوغ ويلسون لإلقاء كلمة أمام الجيش الأمريكي. ويعد ويلسون من أبرز دعاة القومية
المسيحية، وقد دعا إلى إقامة نظام حكم ديني مسيحي في الولايات المتحدة.
في المقابل، قالت مؤسسة "الحرية الدينية في الجيش" إنها تلقت عددا كبيرا من الشكاوى منذ اندلاع الحرب، رغم أن هذه الشكاوى لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.
وقال مؤسس المنظمة، ميكي واينستين، إن بعض القادة العسكريين يتحدثون عن الحرب على إيران باعتبارها جزءا من نبوءات "نهاية الزمان" في الكتاب المقدس.
وأضاف واينستين أن خطاب هيغسيث يخلق انطباعا خطيرا في العالم الإسلامي، قائلا: "نبدو تماما كنسخة تاسعة من الحملات الصليبية الثماني السابقة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر".
وتابع: "بالنسبة لجماعات مثل بوكو حرام أو داعش أو طالبان أو القاعدة في جزيرة العرب، سواء كانوا سنة أو شيعة، فإننا ببساطة نهاجم دولة مسلمة كبيرة، وهذا يوفر دعاية هائلة لتلك الجماعات".
دعم قوي للاحتلال
ورغم الجدل، لا يخفي هيغسيث دعمه القوي للاحتلال الإسرائيلي. وخلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ العام الماضي، سأله السيناتور الجمهوري توم كوتون عما إذا كان يعتبر نفسه "صهيونيا مسيحيا".
ورد هيغسيث قائلا: "أنا مسيحي، وأدعم بقوة دولة إسرائيل ودفاعها الوجودي والطريقة التي تقف بها أمريكا إلى جانبها كحليف عظيم".
ويرى بعض الباحثين أن هذا الموقف يرتبط بفكرة "الصهيونية المسيحية"، التي تقوم على الاعتقاد بأن عودة اليهود إلى الأراضي المقدسة جزء من نبوءات الكتاب المقدس.
وترى أليسون شورتل، أستاذة السياسة والدين في جامعة أوكلاهوما، أن أفكار هيغسيث تعكس مزيجا من القومية المسيحية وفكرة "الاستثنائية الأمريكية"، التي تفترض أن الولايات المتحدة مختلفة أخلاقيا عن بقية العالم.
وقالت: "القومية المسيحية والاستثنائية الدينية الأمريكية ترتبان العالم بطريقة يعلو فيها المسيحيون على الآخرين".
وأضافت أن نحو نصف الأمريكيين يؤيدون بدرجات متفاوتة أفكارا مرتبطة بالقومية المسيحية، مثل الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تأسست كأمة مسيحية.
رؤية صدامية للعالم
من جهته، قال الباحث دانيال هامل إن هذا النوع من التفكير ينظر إلى إيران باعتبارها "تقف في الجهة الأخرى من معركة لا تتعلق فقط بالمصالح الوطنية، بل بالمعتقدات والقيم أيضا".
أما هيغسيث، فقد حاول في كتابه التوفيق بين تعاليم المسيحية الداعية إلى السلام ودعوته إلى المواجهة، قائلا: "يقول البعض إن التسامح يعني الاستسلام للإسلاميين، لأنه كذلك بالفعل. نعم، قال لنا المسيح أن ندير الخد الآخر، لكنني متأكد أنه لم يكن ينصح وزير دفاع في ذلك الوقت".