نشرت صحيفة "
فاينانشال تايمز" تقريرًا يسلط الضوء على التحوّل العميق الحادث في تدفقات
التكنولوجيا العالمية؛ حيث تنتقل
الصين حاليًا من موقع المتلقي إلى موقع الريادة في جميع مجالات الابتكار العالمي.
وقالت الصحيفة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21"، إن الصين كانت لعقود طويلة متأخرة عن الغرب في مجال التكنولوجيا العالمية؛ وقد تدفقت التكنولوجيا خلال هذه الفترة في اتجاه واحد استغلته الشركات الأمريكية والأوروبية لبيع منتجاتها للمستهلكين الصينيين وإقامة مصانع في البلاد، مدفوعة بحجم السوق الهائل وتكاليف العمالة المنخفضة.
غير أن انتشار التكنولوجيا بين الصين والغرب أصبح بشكل متزايد طريقًا ذا اتجاهين، وأصبحت الصين الآن في طليعة العالم عبر مجموعة متنامية من المنتجات، كالسيارات الكهربائية، والبطاريات، والطائرات المسيّرة، والمعادن النادرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذا
التحول لم يكن مجرد صدفة؛ فقد اتبعت الصين منذ فترة طويلة إستراتيجية صناعية مدروسة تهدف إلى الحصول على التكنولوجيا من القادة العالميين وتطوير اقتصاد البلاد، ودفعت الصين الشركات الأجنبية إلى مشاركة التكنولوجيا والمعرفة في كل شيء مقابل تسهيل وصول هذه الشركات إلى السوق، وقد أدى ذلك إلى خروج جيل كامل من العمال والمديرين والمهندسين الصينيين الماهرين، وساعد الموردين الصينيين على الصعود في سلسلة القيمة.
اظهار أخبار متعلقة
ويظهر هذا التحول بوضوح في مجالي السيارات الكهربائية والبطاريات، حيث أصبحت الصين القائد العالمي فيهما بلا منازع؛ وقد حصلت شركة فورد على ترخيص لتقنية البطاريات من شركة "كاتل" الصينية لإنتاج بطاريات الليثيوم للسيارات الكهربائية وتخزين الطاقة في ميشيغان.
وتتعاون أيضًا شركات صناعة السيارات الغربية مثل "فولكسفاغن" و"ستيلانتس" مع شركات ناشئة صينية في مجال السيارات الكهربائية؛ حتى أن شركة "رينو"، التي لا تبيع سيارات في الصين أصلًا، أنشأت مركزًا جديدًا للبحث والتطوير في شنغهاي للاستفادة من منظومة التكنولوجيا الصينية في السيارات الكهربائية.
وأكدت الصحيفة أن هذا التحول ليس هذا مقتصرًا على صناعة السيارات، بل يمتد أيضًا إلى مجال التكنولوجيا الحيوية؛ حيث توقع شركات الأدوية الغربية صفقات ترخيص بمليارات الدولارات للحصول على الملكية الفكرية من شركات الأدوية الصينية، لتصل إلى 41.5 مليار دولار في عام 2024. وفي مجال الروبوتات، تبني الشركات الناشئة الأمريكية نماذجها باستخدام منصات الأجهزة الصينية، مثل الروبوت البشري الرشيق "جي1" من شركة "يونيتري"، كما يستخدم المطورون الأمريكيون في مجال الذكاء الاصطناعي النماذج الصينية مفتوحة المصدر مثل سلسلة "كوين" من علي بابا.
ويقدم استحواذ شركة "ميتا" مؤخرًا على شركة
مانوس الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في صفقة قيمتها تزيد عن 2 مليار دولار دراسة حالة مثيرة للاهتمام في سباق الذكاء الاصطناعي المتزايد؛ حيث لجأت إحدى أكبر شركات التكنولوجيا الأمريكية إلى شركة ناشئة تأسست في الصين من أجل الحصول على ميزة تنافسية.
وأوضحت الصحيفة أن صفقة "ميتا" مع "مانوس" تُبرز أيضًا التعقيدات الجيوسياسية حول مثل هذه التدفقات التكنولوجية. ففي نيسان/ أبريل 2025، حصلت "مانوس" على جولة تمويل بقيمة 75 مليون دولار بقيادة شركة رأس المال المغامر الأمريكية "بينشمارك" التي تعرضت لانتقادات في الولايات المتحدة لاستخدامها رأس المال الأمريكي لدعم تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين.
وفي أيار/ مايو، أطلقت وزارة الخزانة الأمريكية تحقيقًا في الأمر؛ نقلت بعده "مانوس" مقرها من الصين إلى سنغافورة، في خطوة انتقدها المعلقون الصينيون باعتبارها رضوخًا للضغط الأمريكي. وعندما أُعلن عن الصفقة مع ميتا في كانون الأول/ ديسمبر، قال متحدث باسم ميتا إن "مانوس" ستوقف عملياتها في الصين وتُسوي جميع الحصص المملوكة للصينيين.
لقد تمكنت "مانوس" من اجتياز رحلة دقيقة من شركة ناشئة صينية إلى هدف استحواذ أمريكي عبر نقل مقرها، في مسار قد تتبعه الشركات الناشئة الصينية المستقبلية. وفي 2022، انتقلت شركة الذكاء الاصطناعي "هايجين" من شينزن إلى لوس أنجلوس وقيل إنها تخلت عن معظم حصص الملكية الصينية، كما تخلى عدد متزايد من الشركات الصينية عن هويتها المؤسسية الصينية وانتقلت إلى سنغافورة لتجاوز القضايا الجيوسياسية، بما في ذلك "تيك توك" و"شي إن".
اظهار أخبار متعلقة
غير أنه من المرجح أن تتخذ بكين إجراءات صارمة ضد مثل هذه التحركات إذا أصبحت شائعة؛ وقد شددت الصين بالفعل ضوابط التصدير على التقنيات الرئيسية، مثل البطاريات، ومعالجة الليثيوم، والمعادن النادرة، كما أثبتت بكين في النزاع حول تيك توك أنها مستعدة لمنع تسليم خوارزميات بايت دانس والشيفرة المصدرية، التي يبدو أنها لا تزال تحت السيطرة الصينية. وهناك تقارير تفيد بأن وزارة التجارة الصينية تراجع صفقة "مانوس" لتحديد ما إذا كانت تنتهك ضوابط تصدير التكنولوجيا الصينية.
وختمت الصحيفة بأنه مع استمرار الصعود التكنولوجي للصين، ستسعى بكين إلى الاستفادة من ابتكاراتها المتقدمة مع حماية تفوقها التكنولوجي الذي تحقق بشق الأنفس، تمامًا كما حاول الغرب أن يفعل. ويبقى السؤال: كيف ستسعى بكين إلى الحفاظ على هذا التحول في تدفقات التكنولوجيا العالمية؟